موقع محمد جكيب

حوار الحضارات المفهوم والأبعاد

التباس المفهوم وصعوبة التحديد

دلالة مفهوم الحوار

أسئلة وإشكالات

أبعاد المفهوم المجردة

سلوك الحال يبني المفهوم

بين مرجعية الذات ومرجعية الآخر

المعنى الحرفيّ والمعنى الاسميّ في فهم منى الحوار

دلالات مفهوم الحوار في اللغة

الحور والرجوع والتغير

مفهوم الحوار وتطور الدلالة

الحقل العربي وتطور الدلالة تاريخيا

البحث عن الدلالة الاصطلاحية

البحث على الدلالة الاصطلاحية لـ ‘الحوار’

مفهوم حضارة

الحضارة عند صامويل هنتنغتون

مفهوم حوار الحضارات مفهوم مركب

شروط قيام الحضارة

التباس المفهوم وصعوبة التحديد:

ينغي لكل خطاب أن يحدد مفاهيمه ومصطلحاته، لأن غياب التحديد يصيب الخطاب بالغموض والتشويه، وقد يصبح عرضة لتوظيف خطابات أخرى وسياقات مناقضة، وما قد يقع من اضطراب في الحوار والتواصل مرده -على الأرجح- عدم وجود رؤية موحدة لدلالة مفهومية في المقام الأول، ثم دلالة مصطلحية في المقام الثاني.

مفهوم ‘حوار’ محاط بأبعاد كثيرة، أحاطته العديد من الطروحات المعرفية والفكرية والأيديولوجية، بخطاب متسم بالمرونة والقابلية للتوظيف، وهو مفهوم يثير الكثير من الأسئلة المتشابكة، ويصعب دراسته دراسة أفقية فحسب، لأن من شأن ذلك تمييع الدلالة والمعنى إلى درجة الابتذال. ولتجاوز هذا القصور المنهجي، يتوجب تناوله تناولا عموديا، بتعميق الأسئلة، وتكثيفها، ويفرض هذا التوجه تفريع القضايا المتداعية منه في علاقة الحوار الوثيقة بالتاريخ والأحداث الراهنة، وتحولات الواقع المختلفة.

‘الحوار’ ظاهرة إنسانية، لأن الإنسان هو من يمارسه، وهو من يتفاعل وينفعل بنتائجه، وهو من يؤثر ‘الحوار’ في واقعه سلبا أم إيجابا، والإنسان هو من يحدد أسئلة ‘الحوار’، ويحدد أهدافه وغاياته وهو من يوظفه، ويحدد نطاق تناوله وأسلوب التناول؛ فكيف يمكن التوفيق بين دور المرسل ودور المتلقي ومهمة إنتاج الرسالة، وطبيعة شفرتها ومصدرها، وكيف تستوعب بوتقة واحد عدة وظائف.

من الملاحظات التي ينبغي التركيز عليها لأهميتها هو أن مفهوم ‘الحوار’ يلتبسه بعض الغموض، إذ بتجاوز المعنى المعجمي، ويستعصي الوقوف على ما يمكن اعتباره تعريفا دقيقا، أو تعريفا معياريا يعتمد في كافة المجالات المعرفية، التي تحتاج بإلحاح إلى توظيف مدلول دقيق لمفهوم ‘حوار’ في مختلف القضايا التي تناقش بالدرس والتحليل والمقاربة، وعلة ذلك أن ‘الحوار’ ومكونات حقله الدلالي المختلفة فاعلية إنسانية في المقام الأول، فالإنسان هذا الكائن المركب هو المعني بـ’الحوار’ وهو المعني بتوظيفه، ولذلك جاز القول بأن ‘الحوار’ ظاهرة إنسانية، وككل ظاهرة إنسانية ليس من السهل الإمساك بكل خيوطها، ولا الإمساك بمدلولها وأبعادها بدقة.

دلالة مفهوم الحوار :

مفهوم ‘الحوار’ متصل بمكونات قريبة منه أو متصلة به انطلاقا من زاوية نظر محددة، إذ نجد مفاهيم أخرى كـ ‘الجدل’ و’المناظرة’ و’المحاجة’ أو ‘الحجاج’ و’الخصومة’، وربما حتى مفاهيم حديثة كمفهوم ‘التواصل’ ومفهوم ‘التثاقف’ و’المثاقفة’ وغيرها من المفاهيم الأخرى، التي تتولد في من دلالات الحقل الدلالي لمفهوم “الحوار”.

مفاهيم قد يتباين مدلولها، لكنها تنتمي ضرورة إلى حقل دلالي واحد، بل هي مرتبطة بالمفهوم الأساس الذي هو “الحوار”، أو على الأقل هذا ما ينبغي افتراضه منهجيا وهو اعتبار مفهوم “الحوار” مفهوما أساسا والمفاهيم الأخرى مفاهيم تابعة وموسعة لدلالة المفهوم المركزي

مفهوم “الحوار” لم يكن هو الأكثر تداولا من قبل وخاصة في الأدبيات القديمة، وبينا أن مصطلحات كالجدل والمناظرة والحجاج، كانت أكثر تداولا في الماضي، وصنف فيها القدامى تآليف كثيرة نظروا فيها وقعدوا، بل استقرت عندهم علوما معروفة كعلمي الجدل والمناظرة.

لكن هل كل المفاهيم التي تذكر موازية له أصيلة الدلالة وموصولة الجذور والأصول؟

الحاجة إلى التأصيل ضرورية وملحة لتفادي الوقوع في شرك حجب الخصوصية الذاتية.

أسئلة وإشكالات :

سياق اللغة العربية يقدم جملة من المعطيات المفهومية، قد لا يوجد لها مقابل في لغة أخرى، ليثار السؤال: هل مفهوم “الحوار” والمفاهيم الأخرى الموازية والمشاكلة له في الحقل العربي تحمل الدلالة المفهومية والاصطلاحية نفسها عندما نستعرضها في حقل لغوي آخر؟

وفي ثقافة أخرى غير الثقافة الإسلامية والثقافة العربية؟ وهل مفهوم “الحوار” يتضمن الدلالة نفسها، في اللغة الفرنسة أو الانجليزية على سبيل المثال؟ وبعبارة أخرى هل تتوافق دلالة المفهوم في اللغة الفرنسية واللغة الانجليزية ودلالته في حقل اللغة العربية؟ وهل المفهوم في الحقل الديني هو نفسه في حقل آخر غير الدين؟ وكذلك هل مفهومه في حقل الديانات السماوية يتوافق أو يتقاطع وغيرها من الديانات الأخرى كالبوذية مثلا؟ وهل مفهومه في الحقل الإسلامي يتوافق ويتقاطع ودلالته في حقل الديانة المسيحية أو الديانة اليهودية؟ هل ما يعرف بحوار الديانات السماوية أو حوار الأديان تضمن الحمولة التعريفية وحتى المعرفية نفسها عندما يستعرض المفهوم من زاوية دينية أخرى كالمسيحية وكاليهودية؟

إن تعدد المذاهب الدينية كما في المسيحية على سبيل المثال يثير هو الآخر صعوبة ما في تحديد المفهوم، مفهوم ‘الحوار’ كما قد تنظر إليه وتمارسه مختلف الاتجاهات الكنسية المسيحية على سبيل المثال وتمارسه، قد لا يكون هو المفهوم نفسه في المسيحي، وقد لا يتفق مع البعد الذي يتضمنه عندما يوظف في الحقل الإسلامي، سواء تعلق الأمر بالحوار الإسلامي الإسلامي، أو تعلق الأمر بالحوار الإسلامي المسيحي، أو الإسلامي اليهودي.

الشاهد هو أن تحديد المفهوم وضبطه دلاليا واصطلاحيا ليس بالأمر الهين معرفيا، بل هي قضية في غاية الصعوبة، وتكاد تكون قضية إشكالية، ولعل هذا هو ما يجعل دخول دائرة الحوار مع الآخر على وجه الخصوص محفوفا بالمخاطر بالنظر إلى اختلاف زوايا النظر، واختلاف السياقات والمداخل والحقول التي يتفاعل فيها المفهوم ويتداول. وهو ما يفرض على أطراف كل حوار مفترض الاتفاق أولا وقبل كل شيء على أبعاد المفهوم وحدوده الدلالية والثقافية ومرجعياته الحضارية.

أبعاد المفهوم المجردة :

وفي ضوء هذه الأسئلة الحارقة، ينبغي التمييز بين المستوى المفهومي والمستوى الاصطلاحي، دون إهمال المدخل اللغوي، المدخل اللغوي يعتبر مقدمة تضيء عالم التعريف المفاهيمي ثم التعريف الإصلاحي.

ما الفرق بين التعريف المفهومي والتعريف الاصطلاحي؟

وأيهما أسبق هل هو المفهوم أم المصطلح، وأيهما أعم وأيهما أخص؟

المفهوم عند علماء المنطق هو ما حصل في العقل بالفعل أم بالقوة بالذات كالكلي أم بالواسطة كالجزئي، والمفهوم والمعنى متحدان دائما بالذات، فإن كلا منهما هو الصورة الحاصلة في العقل أو عنده ومختلفان باعتبار القصد والحصول. فمن حيث القصد باللفظ سميت معنى، ومن حيث الحصول في العقل سميت مفهوما.

 وأما عند الأصوليين فهو خلاف المنطوق، وهو ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق بأن يكون حكما بغير المذكور وحالا من أحواله. وهو كذلك تلك الصورة الذهنية المرتسمة في ذهن الإنسان وفي عقله، سواء وضع بإزائها الألفاظ أم لا، وأما المعنى فهو الصورة الذهنية من حيث وضع بإزائها الألفاظ.

نفهم من هذا أن المفهوم يمتلك بعدا مجردا، مفصولا عن لفظه، أي إنه مفصول في هذا المستوى عن الحقل المعرفي، الذي يطبعه بطابعه باعتبار مستواه المجرد بما يخلق له مهمة معرفية وتداولية داخل الحقل الذي يوظف فيه.

المدخل المعجمي لازم لتحديد المفهوم، لكن الاصطلاح هو ما يحدد الدلالة التي يوظف بها المفهوم في مجال معرفي معين، وعليه وجب تحديد المجال المتحرك فيه، وهو المدخل الثقافي والحضاري، فالحوار في سياقنا اسم مضاف إلى مكون لا يقل التباسا عما أضيف إليه لأن هذا المضاف إليه يشير إلى مفاهيم أخرى لها أهمتها كمفهوم الحضارة ومفهوم الثقافة، هذا التحديد يرشد إلى موضوع الدراسة في هذا المقام وهو مفهوم الحوار في بعده الحضاري، أو تتبع المفهوم في المجال الحضاري.

سلوك الحال يبني المفهوم :

لقد مارست المجتمعات الإسلامية سلوك “الحوار” منذ القديم، عندما تعايشت مع المخالفين، والديانات الأخرى، وخاصة الديانات السماوية، وعندما تأسس التعدد الثقافي بعيدا عن التوتر والخوف والحذر.

تتناقل الروايات الشفوية وغيرها أن المدن العتيقة في المغرب على سبيل المثال، وخاصة التي عرفت المكون اليهودي مكونا، لم تعش أي نوع من أنواع الإقصاء ضدهم، وكانوا يحضون بعناية واهتمام جيرانهم من المسلمين، بل لم يكن المكون اليهودي يشعر بأي تمييز ضده.

في هذا المستوى يمكن الحديث عن بعد معنوي منسلخ عن جزئيات الواقع المادي، أو ما يمكن أن نطلق عليه حوار “الحال”، وهو سابق ـ فيما نرى ـ عن “حوار” المقال.

بين مرجعية الذات ومرجعية الآخر  

مفهوم الحوار متصل في أحد جوانبه بالآخر، يحتم ذلك النظر في المفهوم عند الآخر إذ كيف يعرفه لغة واصطلاحا، وكيف تعرفه الحقول المعرفية المختلف، كالحقل الديني والحقل الفلسفي والحقل الاجتماعي.

المعنى الحرفيّ والمعنى الاسميّ في فهم الحوار:

يتحدث سعيد النورسي -رحمه الله- عن مسألة المعنى الاسميّ والمعنى الحرفي ويجعلهما من أهم الأفكار في رسائل النور. ونستطيع أن نستخدم مفهومَي المعنى الاسمي والحرفي للدلالة على معنى الحوار،

فالمعنى الحرفي يعني النظر إلى الكون والأسباب، والمعجزات، والحوادث، والوقائع، والسنن، والآيات الإلهية الآفاقية والأنفسية والموجودات التي -كل منها حرف ذو مغزى- بالمعنى الحرفي، أي من حيث دلالتها على الصانع. فيقول”ما أحسن خلقه”، “ما أعظم دلالته” على جمال المبدع. وهكذا يكشف أمام الأنظار الجمال الحقيقي للكائنات“.

فالمعنى الحرفي إذن دال على غيره وليس على ذاته، وإنما ذاته ونفسه ما هي إلا مرآة عاكسة لشيء أعظم من النفس وأعظم من الوجود وأعظم من الدنيا “أي أنّ ‘أنا’ لا يحمل في ذاته معنى، بل يدل على معنى في غيره كالمرآة العاكسة، والوحدة القياسية، وآلة الانكشاف”.فالإنسان والمجتمع الذي ينظر إلى الدنيا وإلى الحياة وإلى الحضارة بالمعنى الحرفي فإنه سيرى الأشياء والأمور على حقيقتها، وبالتالي تنسجم خطاه مع مراد الله، وتتناغم أعماله وأقواله مع سنن الله وقوانينه، لأنه ينظر إلى الوجود على أنه دليل على خالقه عز وجل.

وأما إذا نظرنا إلى الأمور وعالجنا المشكلات الإنسانية بمنظور ونسق المعنى الاسمي، فإننا نكون أمام وضع مختلف تماما عن وضع المعنى الحرفي. ففي المعنى الاسمي نؤلّه الأسباب، ونخلد إلى الدنيا، ونتثاقل إلى الأرض، ونعتبر أن الحياة الدنيا هي خلاصة كل شيء وأن التطور المادي والترقي العمراني هو غاية الوجود كله. وبهذا ننظر إلى أنفسنا (أنا) على أنها كل شيء ومصدر كل خير، ونجعل من العقل إلهًا نحكّمه ومن الفلسفة معارف عليا كلية توصلنا إلى كل ما نريد معرفته. فلا نرى وراء العقل ووراء الفلسفة شيئا مفيدا.

فإذا ما نظر الإنسان إلى الحياة والكون والوجود بالمعنى الاسمي، فإن نظرته وأفقه ينحصر في ذاته، ويدور حول أَنَاه مهما حققت من الرقي المادي، ومهما تفجرت أمامه من عيون الحضارة وخيراتها، وإنه يبقى دائما مسلوب الوعي الصحيح، فاقد الرشاد والهداية غارقا في الملذات والشهوات لا يكاد يرى وراءها شيئا. وبهذه الكيفية يجعل المعنى الاسميُّ الإنسانَ تائها في نفسه لا يكاد يدرك حقيقته وحقيقة رسالته الوجودية.

كل هذا يضع المفهوم تحت مجهر الدرس الإشكالي، حوار الذات ذاتها، أو الحوار الداخلي، حوار الذات للآخر، أو الحوار الخارجي وهو الذي تمارسه الذات باعتبارها كيانا وكيانات أخرى مختلفة ثقافيا واجتماعيا وفكريا وتاريخيا (يحتل هذا المستوى مكان الصدارة في المنتديات في الوقت الراهن).

دلالات مفهوم الحوار في اللغة:

حوار الحضارات مركب إضافي مكون من مفهومين: مفهوم حوار، مفهوم حضارة.

الحوار في اللغة هو الرجوع إلى الشيء والرجوع عنه، الحوار ضد السكون وعدم المراجعة، بمعنى أن التحاور يتضمن معنى النسبية في العلاقة مع الشيء، والرأي والأفكار جزء من ذلك، في اللسان كذلك أحار عليه جوابه، أي رده، يتضمن دلالة تبادل الكلام، تقول كلمته فما أحار إلى جوابا وما رجع إلي…لا محورة ولا حوارا أي ما رد جوابا، واستحاره أي استنطقه وأصل الحور الرجوع إلى النقص…

هم يتحاورون أي يتراجعون الكلام، والمحاورة هي مراجعة المنطق والكلام في المخاطبة، إنه لضعيف الحور بالسكون أي المحاورة، والأحور العقل، من خلال هذا المدخل اللغوي نستطيع تبين وجود مقابل أو وجود طرف آخر مقابل منصت لما يقوله الأول، الذي ينتظر بدوره الطرف الثاني ليرد ويناقش مقولته، ومن هنا فإن “الحوار” ينطلق من التسليم بوجود مخالف، ويقتضي التسليم بضرورة تبدل الحال، من حال قبل الحوار إلى حال آخر بعده، وهذا هو المراد ـ فيما نرى ـ بالرجوع إلى النقص أي تغيير الموقف والتراجع عنه.

نالت لفظة “الحوار” اهتمام الدارسين معجميا، وربما اصطلاحيا كذلك، لكن الملاحظة العامة التي تسترعي الانتباه، هي أن المفهوم قد عرف تطورا في حمولته تبعا لتغير الظروف والأحوال والسياقات وتبعا لتغير الشروط الاجتماعية، وتغير حاجات الفاعلين في المجتمع، وتشابك علاقاتهم. ولذلك فإن مفهوم “الحوار” كما وظف قديما قد ضاق عن المدلول، الذي بات يحتله في الوقت راهن، والسبب هو ما تعيشه الذات من توتر يهدد كيانها وهويتها، خاصة عندما يتعلق الأمر بالآخر وعلى الخصوص الآخر الغربي.

الحور والرجوع والتغير:

تتفرع لفظة “حوار” من الأصل اللغوي الـ”حوار” وهي عند ابن فارس ثلاثة أصول، أحدها اللون، والآخر الرجوع، والثالث أن يدور الشيء دورا.

تبدو دلالة اللون بعيدة عن المفهوم الذي صار يحمله مفهوم “حوار” ، لكن الدلالة قابلة للتأويل، يقول ابن فارس: حورت الثياب أي بيضتها. يحيل هذا المعنى الأصلي دلاليا على تجلية الحقيقة  وإزالة ما علق بها من غموض حتى تصير بيضاء ناصعة، وفي الحديث المشهور تركتكم على المحجة البيضاء أي الصافية والواضحة والخالية من كل شائبة وغموض، زيادة على هذه الدلالة نجد دلالة أصيلة أخرى وهي الرجوع، والمراجعة، بمعنى أن المتحاورين يراجعون الأفكار فيما بينهم بما يخدم توسيع دائرة الاتفاق بينهم ويضيق دائرة الخلاف، والقصد هو رفع ما بينهم من غموض فكري، ويرد كذلك بدلالة العمل على رفع النقص والنكوص. ومن هنا كذلك يذكر جميل صليبة بأن الحوار يتطلب وجود طرفين متكلم ومخاطب، ولا بد فيه من تبادل الكلام ومراجعته. وقد يطرح السؤال هل يعتبر حوارا عندما يتعلق الأمر بالذات الواحدة، التي تراجع نفسها أو تحاور نفسها، كصنف من أصناف المونولوغ.

 نتبين مما تقدم أن في “الحوار” علاقة جدلية تتأسس على تبادل الأدوار المؤدية إلى تبادل التأثير، ولابد في هذه العلاقة من طرفين يتجاذبهما التأثير والتأثر، أو على الأقل تجلية قضية ما أو توضيح مشكلة ما والتوصل إلى منطقة مشتركة واحدة على الأقل للالتقاء. فهذه العلاقة الجدلية هي التي تجعل الحوار ملازما للجدل ومرتبطا به.

تشبع دلالة الحوار بالدلالة الخطاب القرآني

يقابل لفظة “حوار” في اللغة الفرنسة لفظة dialogue وفي اللغة الإنجليزية dialogue والاستقراء السريع يبرز أن البعد أو الأبعاد التي تتضمنها هذه اللفظة أكثر غنا وأكثر اتساعا في المعجم العربي مما هي عليه في المعجم الغربي، ومرد ذلك في الغالب هو أن الدلالة القرآنية أو لنقل إن القرآن الكريم قد شحن اللفظة بالدلالة اللازمة، التي فرضت نفسها على المعجم العربي، والغالب أن هذه الشحنة هي التي ينبغي الرجوع إليها لتبين الحمولة المعنوية وحتى المعرفية، التي حولت لفظة “حوار” في القرآن الكريم إلى مفهوم، وبكلام آخر إن مفهوم “حوار” قد استقى شحنته المفهومية من القرآن الكريم، ومن خلال الأبعاد الدلالية، التي يولدها خطاب القرآن الكريم.

جاز القول إن حمولة مفهوم “حوار” حمولة دينية في المقام الأول، والمرجعية الدينية هي التي حددت مضمونه، وضوابطه، وهذا الأمر له أهميته البالغة في المقاربة التي نحن بصددها.

مفهوم الحوار وتطور الدلالة

وربطا بما تقدم نطرح السؤال هل عرف مفهوم “الحوار” تطورا في التوظيف تبعا لتطور المراحل التاريخية، وهل أثر ذلك في الدلالة المعجمية وفي المفهوم، تبعا لتغير المحطات التاريخية وتبعا لمجريات الفعل الإنساني؟

يؤكد المعجم التاريخي اللغوي في اللغة الفرنسية ذلك فالحوار dialogue مأخوذ من الأصل اللاتيني dialogus وهي تحيل على تلك الحوارات الأرسطية والأفلاطونية، التي كان أرسطو وتلميذه أفلاطون يوظفان فيها العقل من أجل الإقناع وبناء اقتناعات فكرية وفلسفية نابعة مما تتوصل إليه الذات بالعقل والمنطق، ومتجاوزين مراوغات الفلسفة السفسطائية التي كانت تتجاوز جوهر القيم وتلغيها، وتدعم النفعية البراغماتية، ولذة اللحظة.

 انتقلت الدلالة التي مارسها كل من أرسطو وأفلاطون، وقبلهما سقراط للدلالة على ذلك حوار بين شخصين أو أكثر، ويذكر هذا المعجم بأن استعمال مفهوم “الحوار” بهذا المدلول كان محدودا وناذرا قبل القرن السادس عشر الميلادي، لكنه بعد هذا التاريخ تعزز بدلالة مختلفة آتية من الأدب وخاصة من فن المسرح، ووظف لاصطلاح على التخاطب الكلامي في هذا الفن، وتأثر كذلك بالتطور الكبير الذي عرفه الإعلام، الأمر الذي ساهم في تحول دلالته ليدل على النقاش والتفاوض للوصول إلى أرضية مشتركة.

الحقل العربي وتطور الدلالة تاريخيا

تثير هذه الملاحظة سؤالا بخصوص المفهوم في حقل اللغة العربية وهو هل عرف مفهوم “الحوار” تطورا في مدلوله ومفهومه تبعا لما عرفته الحضارة التي تطورت في ظل اللغة العربية؟ وهل يشهد المفهوم في الوقت الراهن تحولا في مفهومه بالنظر إلى ما يعرفه واقع المسلمين اليوم من تحولات وأحداث وتقلبات؟

وبغض النظر عن هذا السؤال وطبيعة الأجوبة المقترحة، فأن المجال الذي وظف فيه مفهوم “الحوار” في حقل الثقافة الغربية هو مجال الفلسفة، ومن هنا نطرح السؤال هل هناك تشابه في مصدر الدلالة بين المحضن الغربي والمحضن العربي الإسلامي؟

 إن المفهوم في الحقل العربي قد أخذ أبعاده الدلالية من الخطاب القرآني كما أشير إلى ذلك سالفا، لقد نزل هذا الخطاب   في مرحلة تاريخية حرجة من حياة الإنسانية تميزت ببلبلة ثقافية وعقدية تتجاذبها العديد من الأطراف الدينية، فقد وظف المفهوم في القرآن الكريم بحمولة تدل على النقاش وتبادل الأفكار، وخصص لهذا البعد حيزا واسعا.

 لكن السؤال كيف تطور المفهوم إلى أن اكتسى دلالة اصطلاحية، وما المجالات أو الحقول المعرفية التي وظف فيها بدلالاته الاصطلاحية، علما بأن الدلالة الاصطلاحية أضيق من الدلالة المفهومية، لأن المفهوم أعم والمصطلح أخص، وهو أداة من أدوات تنظيم المعرفة وتسهيل تداولها، وهو كذلك وسيلة من وسائل تقريب علم من العلوم إلى الأفهام والمدارك.

البحث عن الدلالة الاصطلاحية

المصطلح والاصطلاح في الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي الإسلامي، من الصلاح وهو ضد الفساد.. وهو العرف الخاص، وعبارة عن اتفاق قوم على تسمية شيء باسم بعد نقله عن موضعه الأول لمناسبة بينهما.  وهو كذلك اتفاق القوم على وضع الشيء، وقيل إخراج الشيء عن المعنى اللغوي إلى معنى آخر لبيان المراد، واصطلاح التخاطب هو عرف اللغة، والاصطلاح مقابل الشرع في عرف الفقهاء، ووجه ذلك أن الاصطلاح (افتعال) من (الصلح) للمشاركة كالاقتسام… ويستعمل الاصطلاح غالبا في العلم الذي يحصل معلوماته بالنظر والاستدلال.   

ما يلتمس في هذه التعاريف هو أن الاصطلاح هو إدخال لفظ في دائرة مجال معرفي لأجل تنظيمه وإصلاح مجاله حتى يسهل على المتلقي الاستفادة منه، فالدلالة الاصطلاحية تؤدي وظيفة تروم اصطلاح مجال معرفي، خاصة وأن لفظة اصطلاح من الثلاثي “صلح”، يقول ابن فارس: «الصاد واللام والحاء أصل واحد يدل على خلاف الفساد يقال صلح  الشيء يصلح صلاحا ويقال صلح بفتح اللام» فدلالة الإصلاح تحيل ضمنيا على المصطلح، فهو مشتق  من هذه المادة أو من هذا الأصل أو من أصل الصاد واللام والحاء التي تحيل على وظيفة ألفاظ بعينها  في تنظيم المعرفة ، ومختلف العلوم تعرف المصطلح بما يتناسب وحقلها المعرفي، ففي أصول الفقه على سبيل المثال يعني المصطلح تلك الألفاظ التي نقلها المشرع من معانيها  اللغوية إلى معان شرعية خاصة، ويعني كذلك الاستعمال اللغوي الخاص لكاتب ما ومؤلف، ولو في موضوعات عامة، ولا تعنى فيه بالكلمة إلا بحسب المعنى الذي ورد في مؤلفاته، وربما قد يعتبرها البعض نوع من الانحراف  عن واقع اللغة الحياتي، الأمر الذي قد يجعلنا نظن  أن المصطلحات رموز فقط على مسمياتها وكناية عنها، وإشارة إليها وهذا محض سلوك اختياري، بمعنى أن هناك ذاتا فاعلة في تحديد دلالة لفظ من الألفاظ وإسنادها إلى حقل معرفي ومجال فكري وتقني من أجل ضبطه وتيسير التواصل من خلاله بين الناس وجماعة المتلقين

البحث على الدلالة الاصطلاحية لـ ‘الحوار’

والمصطلح كذلك يعنى بالحقل الدلالي للغة من اللغات، ويحدث تأثيرا في البناء المعرفي للناطقين والمستعملين لتلك اللغة، بنقلهم من اللامعقول إلى المعقول ويغني في الوقت نفسه فكرهم، ومن هنا فإن المصطلح شأنه شأن أي كائن حي لا يولد دفعة واحدة مكتملا جاهزا للاستعمال، بل يمر بمراحل تطور حتى يستقر على حال. وهذا الأمر في غاية الأهمية بالنسبة لموضوعنا في هذا المقام وهو “الحوار”باعتباره مصطلحا، فهل عرف هذا المفهوم تطورا، وانتقل إلى مستوى الاصطلاح للدلالة على حقل معرفي وعلى سلوك توجهه المعرفة والعلم والمنهج؟ وإذا كان عرف تطورا فما التطورات التي عرفها والمراحل التي مر منها في تطوره؟ وهل الدلالة التي يحيل عليها دلالة قديمة أم هي دلالة حادثة فرضتها شروط التحولات التاريخية والواقعية، التي عرفها العالم وعالم المسلمين جزء منه، علما بأن المصطلح يترعرع في بيئته الخاصة ويتشرب منها دلالته كالكائن الحي.

 من هنا يثار السؤال حول مفهوم “الحوار” هل تتبدل دلالته الاصطلاحية عندما ينتقل من حقل إلى آخر، أو عندما يبدل مواقعه بين الحقول المعرفية التي يوظف فيها، ومن هنا كذلك هل “الحوار”  الديني على سبيل المثال هو نفسه “الحوار” الثقافي والحوار الحضاري، هل يمكن الحديث عن احتضان حقل كبير لحقول صغرى، وهل يمكن الحديث عن حاضن كبير وعن محضون صغير، وهل الحاضن الأكبر هو الدين أم الثقافة أم الحضارة، أم هي جميعها.

الشاهد هنا هو إلى أي حد يمكن اعتبار لفظة “حوار” مصطلحا ومتى اكتسب هذه الدلالة وفي أي حقل معرفي؟

انتقال الدلال وتطورها في الحقل الغربي

يذكر المعجم التاريخي اللغوي في اللغة الفرنسية بأن استعمال مفهوم “الحوار” بهذا المدلول كان محدودا وناذرا قبل القرن السادس عشر الميلادي، لكن بعد هذا التاريخ تعزز بدلالة مختلفة آتية من الأدب وخاصة من فن المسرح، فوظف للاصطلاح على التخاطب الكلامي في هذا الفن، وتأثر كذلك بالتطور الكبير الذي عرفه الإعلام، الأمر الذي ساهم في تحول دلالته ليدل على النقاش والتفاوض للوصول إلى أرضية مشتركة.

مفهوم حضارة

المنهج المطلوب في تحديد دلالة مفهوم من المفاهيم هو الرجوع إلى جذوره في لغته، وتتبع دلالته في مصادره الأساسية، ثم العمل على تجريد المفهوم، وإعادة إنتاجها وفق ما يناسب السياق القائم، لكن شريطة عدم تحميل ماهية المفهوم وجوهره دلالات غريبة عنه، وينبغي صقل المفهوم وإزالة ما قد لحقه من شوائب بفعل العوامل الطارئة في حياة الجماعة الثقافية التي بلورته وأنتجته، في المعاجم العربية ترد لفظة حضارة مقابلة بداوة، في اللسان الحضر مقابل البدو، والحاضر مقابل البادي، في الحديث لا يبيع حاضر لباد، الحاضر المقيم في المدن والقرى، الحِضارة بكسر الإقامة في الحضر، وعن أبي زيد وكان الأصمعي يقول: الحضارة بالفتح.

يرى البعض أن اللفظ لم يبق محصورا في الدلالة اللغوية بل انتقل إلى الدلالة الاصطلاحية، وابن خلدون من الذين نقلوا اللفظة من مجال إلى مجال، حين جعل الحضارة غاية البداوة، وعرف الحضارة في المقدمة بكونها هي التفنن في الترف، واستجادة أحواله، والكلف بالصنائع التي تؤنق من أصنافه وسائر فنونه.

لكن ابن خلدون لم يتحدث عن الحضارة باعتبارها مفهوما كليا وشاملا مؤطر لحركة العمران البشري ويسبغ عليها قيمة محددة، فقد جاء تحديده متسقا مع حديثة عن تطور الدولة والمراحل التي تمر منها، وهو عندما تحدث عن الدولة تحدث عنها بصفتها عهدا سياسيا وباعتبارها نظما سياسية ونظما لانتقال السلطة وتوارثها، لقد وقف الباحثون العرب عند ما أشار إليه ابن خلون، وجعلوه مقابلا للمفهوم الأوروبي: Civilisation/Civilizatin.

اتجهت رغبة الباحثين العربية إلى البحث عن مقابل للمفهوم في الحقل الثقافي العربي. لقد كان توجههم نوعا من الدفاع عن الذات ونوعا من التسويغ لتصور ذهني ماثل في أذهانهم وغاب عنهم بأن للمفهوم في الحقل العربي دلالات أخرى، وأكثر هذه الدلالات إلحاحا وحضورا دلالة الحضور ودلالة حضر بمعنى شهد أي الحضور نقيضا للمغيب.

يذكر الراغب الأصفهاني في معجم ألفاظ القرآن الكريم، الحضر خلاف البدو والحضارة والحِضارة السكون بالحضر…ثم جعل ذلك لشهادة مكان أو إنشاء، وعلى فإن للمفهوم خصوصيته التي لا ينبغي القفز عليها، وهذا ينطبق على كل المفاهيم الأخرى، ومنهجيا ينبغي طلب دلالة المفاهيم في حقلها الأصلي وليس في حقل آخر مختلف، ومن لا يحدد مفاهيمه من خلال مرجعيته الذاتية ومن خلال خصوصيته، يصير عالة على خلفيات أخرى..

الحضارة هي حال تطور العيش والحياة والمعرفة ومظاهر السلوك، الحضارة هي ما يميز مجتمعا من المجتمعات أو منطقة أو شعب، وهي كذلك جملة الخصائص والمميزات التي تطبع مجتمعا من المجتمعات أو منطقة أو دولة في كل المجالات الأخلاقية والدينية والثقافية والسياسية والعلمية والفنية، وتعرف بأنها تنتقل من جيل إلى جيل، بمعنى أنها تتوارث، وهذا هو ما يصنع الفارق ويبني الخصوصية ومن هنا فإن تعدد المجتمعات وتعدد الثقافات هو ما يبرر الحوار والتعارف وربما التحالف والتعايش والتسامح، وليس التنازع والصراع، ويبرر بصورة مباشرة فكرة “حوار الحضارات”.

الحضارة عند صامويل هنتنغتون:

أرفع تجمع ثقافي للبشر، وأشمل مستوى للهوية الثقافية، لا يفوقه من حيث تحديده للهوية الثقافية إلا الذي يميز الإنسان عن غيره من الأنواع الأخرى يمكن تمييز الحضارة من خلال مجموعة من العناصر كاللغة والتاريخ والعادات والمؤسسات هناك من يعتبر أن مفهوم “حوار الحضارات” من مفاهيم الفكر السياسي والثقافي المعاصر، وهناك من يعتبرها من مجالات الفكري الديني والثقافي، وهناك من يعتبرها من مجالات علم الاجتماع، لكن المتفق عليه هو أنه مفهوم حديث العهد بالتداول، فأغلب المواثيق الدولية الصادرة بعد إنشاء منظمة الأمم المتحدة، خالية من الإشارة من لفظة “حوار”، لكنها كانت تعتمد مصطلحات ومفاهيم أخرى من بينها التسامح والتعاون والتعايش وتنمية العلاقات الودية بين الدولي،لم يكن “الحوار” من مصطلحات القانون الدولي، ولا يوجد له ذكر اصطلاحي في ميثاق الأمم المتحدة، ولا في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولا في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا في مبادئ التعاون الثقافي الدولي.

المفهوم صار يحمل أبعادا سياسية وأيديولوجية وثقافية وحضارية، اقترن مفهوم “حوار الحضارات” كما يرى البعض بأحداث الحرب الباردة ومخلفاتها، كان المعسكر الغربي بقيادة أمريكا يطرح فكرة الحوار، ويطرح المعسكر الشرقي ممثلا في الاتحاد السوفياتي فكرة التعايش في هذا السياق دعا الغرب إلى حوار الأديان والثقافات والحضارات، ودعا المعسكر المقابل إلى التعايش السلمي بين الأمم والشعوب، كان الغرب هو السباق إلى “الحوار” بالمفهوم المتداول اليوم، لقد كان المنطلق في البداية هو الدين من خلال الحوار المسيحي الإسلامي، بإشراف الكنيسة الغربية ودعمها، وكان ذلك في أعقاب نشوء أزمة حضارية وتصادم الإرادة العربية الإسلامية والإرادة الغربية، وبعد شعور الغرب بأن ذلك التصادم يهدد مصالحه دعا إلى الحوار الإسلامي المسيحي، ثم بعد ذلك وفي إطار سياسي إلى الحوار الأوربي العربي، ليتطور بعد ذلك إلى حوار الشمال والجنوب.

وكخلاصة فإن مفهوم “حوار الحضارات” مفهوم حادث ويكتنفه الغموض وتظلله المصالح والرغبة في الهيمنة وفرض الأمر الواقع.

مفهوم حوار الحضارات مفهوم مركب:

هناك من يعتبره تفاعلا وتبادلا للتأثير وهناك من يعتبر “الحوار” نوعا من التفاوض والنقاش الفعلي وكذلك المعنوي من أجل أرضية مشتركة ومن أجل تجاوز الأزمات والحفاظ على المصالح.

شروط قيام الحضارة:

رؤية فكرية وتصورية محركة نسيج بشري مجتمعي يعي الرؤية ويعدي وظيفته ضمن مكونات الكون والوجود نتاج علمي ومعرفي يعكس الرؤية والتصور وجود ثقافة بانية للإنسان والعمران المقدرة على التخطيط والقدرة على صنع الحاضر وصياغة المستقبل الفعل الحضاري أو السلوك الحضاري جهد بشري يبذله الأفراد والجماعة من أجل صنع الحاضر وتميزه وصياغة المستقبل ولا يكتمل ذلك حسب عبد العزيز بن عثمان التويجري إلا بالتعايش الثقافي والحضاري، واحترام الخصوصيات الثقافية بين الشعوب والأمم، ومن هنا كان “الحوار الحضاري” جهدا بين الثقافات والحضارات والأفراد والجماعات، والشعوب والمؤسسات والحكومات  والمنظمات من أجل تحقيق التوازن في حياة الإنسان، الحوار نتيجة مباشرة للتعايش الثقافي والتساكن الحضاري، الحوار قيمة أساس في الحضارة الإسلامية، الحوار من هذه الزاوية قيمة فكرية وموقف وحالة وجدانية، وهو تعبير عن أبرز سمات الشخصية الإسلامية في بعدها المعنوي، الحوار صيغة جامعة وأسلوب من أساليب التقارب والتجاوب والتفاعل، الحوار هو المضمون والحكمة هي المنهج والوسيلة هي الموعظة الحسنة قامت الحضارة الإسلامية على أساس التفاعل الحضاري، العلاقة التي أقامها الإسلام مع الثقافات الأخرى كانت قائمة على أساس التبليغ، تبليغ البيان الإلاهي القائم على التوحيد وابتغاء إخراج الناس من ظلام الشرك والعبادات الفاسدة وعبادة البشر إلى نور التوحيد وعبادة الله تعالى، ويكفي هذا دليلا على أن كون الإسلام لم يكن غازيا وإنما كان فاتحا ولذلك قامت الحضارة الإسلامية على أساس التفاعل الحضاريواعتمدت على الحوار في المقام الأول، ولم تكن مدفوعة برغبة القضاء على الخصوصيات الثقافية التي طبعت شخصية الأمم التي بُلغ إليها البيان الإلاهي، الحضارة الإسلامية لم تستأثر بالمعرفة وبكل إيجابي بل شاركته والإنسان،كان الغرض دائما هو خدمة الإنسانية ومصلحتها.

إننا لا نريد حوارا وتفاعلا بين الثقافات والحضارات، هما مجرد ترف فكري، ولانريد حوارا وتفاعلا بين الثقافات والحضارات لا تكون لهما انعكاسات على الواقع المعاصر، ولا تصل آثارهما إلى دوائر صنع القرار، ولا نريد حوارا وتفاعلا بين الثقافات والحضارات، ينطلقان من الإحساس بالتفوق العنصري، بالاستعلاء الحضاري، ويصدران عن روح الهيمنة الثقافية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *