موقع محمد جكيب

قراءة تأملية في قيم

الاعتدال، والانفتاح، والتسامح

ركائز الشخصية المغربية وقيمها

عناصر الدراسة

على سبيل الاستهلال

أثناء تحرير هذه الدراسة، كانت هناك أحداث تتفاعل إيجابا مرتبطة بالزلزال المدمر، الذي ضرب منطقة الحوز، وخلف خسائر في الأرواح، وأضرارا مادية مهمة جدا، لكن بموازاة ذلك كانت هناك الكثير من العبر والدروس الإيجابية، وربما حتى بعض الدروس السلبية، التي استخلصت في هذه المرحلة العسيرة جدا على المملكة المغربية؛ لكن أهم درس مستخلص هو الروح، التي أظهرها المغاربة بمختلف فآتهم الاجتماعية وبمختلف شرائحهم، يستوي في ذلك مغاربة الداخل ومغاربة الشتات، لقد أكد المغاربة أنهم موصولون جميعا بروح الأمة، بل أكدوا تأكيدا لا جدال حوله، أنهم أمة ذات شخصية قوية بقيمها الخاصة الموسومة بالخصوصية المغربية. وهي خصوصيات مشدودة بمغار الفتل إلى جملة من الركائز الفكرية والحضارية والثقافية والتاريخية، وكذلك الأخلاقية المطبوعة بالروح المغربية.

لا مجازفة في القول: إن هذه الركائز تؤكد أن المغرب يتوفر على نموذج حضاري خاص، معتمده الأساس هو منظومة أخلاق وقيم متكاملة، وهو نموذج يشق طريقه نحو المستقبل واثقا من ذاته، مؤكدا أن قيمه تؤهله لذلك، وترفع قيمته بين أمم الأرض، وتؤكد أن ذلك كله ليس مجرد شعارات أو عناوين، بل هي حقيقة شاخصة، تؤكدها مجريات الأحداث ومختلف التحولات التي يعيش على إيقاعها عالم اليوم.

الإنسان المغربي يعي اليوم حقيقته الوجودية، التي تؤكد بأنه لا يوجد على هامش الواقع العالمي، بل هو كيان فاعل ومؤثر بشخصيته، وبقيم يتأكد عمقها عند الأزمات، وعند احتكاكه بالآخر، وبكون الوعي بالذات لا يتأتى في الغالب إلا عن طريق الاحتكاك بالآخر؛ لأن الإنسان يكتشف نفسه وهويته عندما يقف أمام شخص مختلف. (محمد المنصور، 2003: ص91)

المحك الفعلي للخصوصية والشخصية، يتأكد حضوره في الأزمات وأثناء المحن، فالمحن مناسبة تتيح لشخصية الأمة، وروحها تقديم الدليل على تجذرها، وهو ما يزيدها صلابة وثقة في ذاتها وفي خصوصياتها. وكل معطيات الواقع الراهن تؤكد بأن المغرب يعيش مرحلة انبثاق وانبعاث وشروق الشخصية المغربية، بنموذجها الحضاري المغربي الخاص.

هناك سؤال يؤرق المثقف المغربي، لأنه سؤال متصل بشعور الانتماء الجغرافي إلى الرقعة الجغرافية والسياسية التي تسمى المملكة المغربية، وهو شعور مركب يمتزج فيه التاريخ والحضارة، وتنوع الروافد الثقافية، وتعدد التفاعلات الإنسانية. وأما السؤال فهو، ما الذي يميز الأمة مغربية عن باقي أمم العالم؟

لا شك بأن الإنسان المغربي يتقاسم العديد من الخصوصيات و أمم أخرى في القارة، وخاصة مع دول إفريقيا جنوب الصحراء وشرقا في اتجاه العالم العربي والإسلامي، وشمالا على طول حوض البحر المتوسط بضفتيه، لكن رغم هذا المشترك فإن الخصوصية تبدو قضية قابلة للرصد، الأمر الذي يدفع المتنعم المتأمل إلى التساؤل عن طبيعة هذه الخصوصيات وماهيتها ومصدرها، وجذورها التاريخية والثقافية والدينية والاجتماعية، وحتى السيكولوجية. إن أصول تكون الشخصية المغربية قديمة، لأن المغاربة وجدوا منذ أن أخذت هويتهم تتبلور واستمروا في الحفاظ على ذلك، فالهوية بدأت في التكون منذ أن وجد الإنسان المغربي في صورة قبائل ثم في صورة شعب. (عبد الكريم غلاب، 2017:ص 44)

وبعبارة أخرى؛ إن الذات المغربية تبدو مدعوة إلى التساؤل عن حقيقية شخصيتها وطبيعتها، فإلى أي حد يمكن الحديث عن شخصية مغربية؟ وماذا تعني الشخصية، هل هي الركائز الأخلاقية المميز، وما طبيعة تلك الركائز وما مصدرها، هل هو التاريخ، أم الدين أم الأعراق والأجناس وطبيعة الشعب أم الثقافة أم الجغرافيا؟ وكيف تكونت الشخصية المغربية وما جذورها الثقافية والدينية والتاريخية وحتى العلمية؟

في ضوء هذه الملاحظات؛ هل الحديث عن الشخصية المغربية حديث عن حقيقة قائمة أم هو مجرد خطب إنشائية، ومجرد أحلام وأشواق متوهمة؟ ولقائل أن يقول: إن الحديث عن الشخصية المغربية ليس حديثا عن الطباع وعن الوجدانيات، التي قد لا تستقر على حال تبعا للظروف والتحولات الواقعية، ولكنه تنعم وتأمل في لب كل ذلك، عندما يزال النخال، وحديث عن تلك الثوابت التي تجعل الإنسان المغربي يدرك، عن وعي أم غير وعي، بأنه مختلف عن أمم أخرى وشعوب أخرى، وإن كان يشترك معهم في الخصائص الطبيعية والاجتماعية والثقافية: كالدين والانتماء العرقي والانتماء الجغرافي، كما سلف الذكر.

الهوية المغربية والبعد الآفاقي

الهوية المغربية، هوية موصولة بهويات كبرى، اسلامية عربية أمازيغية إفريقية، وغيرها الأمر الذي يدل على أنها موصولة بالهوية الإنسانية؛ فهل يمكن الحديث عن هوية مغربية خاصة مرتبطة بالشخصية المغربية؟ سُؤِلَ جلالة الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله هل يمكن تغيير هوية المهاجرين في فرنسا؟ فأجاب بأن ذلك صعب، وأردف قائلا على كل حال لن تتمكن فرنسا من ذلك مع الرعايا المغاربة، والسبب هو في عمق ارتباط الإنسان المغربي بهويته المغربية، وبشخصيته المغربية، بالرغم من هجرته.1

لقد ظل الإنسان المغربي على مر مراحل مختلفة من تاريخه مشدودا إلى الفضاء الواسع والأفق الممتد دون أن تقيد تطلعاته قيود. وحتى عندما تقلص هذا الأفق ظل الإنسان المغربي منفتحا معنويا وافتراضيا على الفضاء الواسع.

وقد جاب ابن بطوطة مسكونا بهذه الروح الآفاق الواسعة وسجل بشخصيته المغربية عن طريق التجربة الشخصية، حتى صار ما سجله باعتباره مواطنا مسلما من أرض المغرب خزانة حافلة بثروة ثقافية لا يستغنى عنها.(إغناطيوس كراتشكوفسكي، مايو 2018: ص 239 – 240) ولعل هذه الروح هي التي قادت الإنسان المغربي إلى الوصول قبل كولمبس إلى أمريكا كما تقول بعض الروايات. ولا يهم هنا تصديق هذه الرواية أو تكذيبها، ولكن الذي يهم هو ذلك البعد الآفاقي، الذي طبع الشخصية المغربية منذ القديم. إن المغرب مفترق السبل بين القارات وبين الحضارات والملل والنحل، وهو مفترق منفتح بل مدخول من كل ناحية. إوفرضية وجود شخصية مغربية فرضية قوية، وهي معطى يدركه جم غفير من أبناء هذه الرقعة الجغرافية، التي يطلق عليها المملكة المغربية، أو المغرب الأقصى، في داخل وفي الخارج.

ظرف الزلزال الذي أصاب منطقة الحوز أظهر مدى الاحترام الذي يحظى به المغرب، ولقد وأبرزت هذه المحنة بجلاء، خصلة التضامن والالتفاف حول الذات، لقد أكد المغاربة قاطبة في الداخل والخارج أنهم جسد واحد، إذا اشتكى منه عضو واحد تداعا له باقي الأعضاء بالسهر والحمى، يحزن لحزنه ويفرح لفرحه، ولن يغطي هذا التضامن عن التضامن، الذي عم المغرب بصورة مباشرة وغير مباشرة خلال مرحلة الجائحة. فهذه خصلة السامية تفسير لذلك الكنز الأخلاقي، الذي يميز الشخصية المغربية، فهذه التصرفات تصدر عن وعي عميق بالذات وبالشخصية.

انبثاث الوعي بالشخصية المغربية

إن الوعي بالشخصية المغربية وحقيقة وجودها أمر لا جدال فيه، لكن تناولها بالدرس والتحليل وإبراز حقيقتها باعتبارها مجالا معرفيا في حاجة إلى تفكير جماعي ومؤسسي، لكن هذا لا يعي بأن الطاقات الفردية، لا تجد السبيل إلى ذلك، بل لا يعفيها معرفيا وفكريا، وهذا كذلك؛ لا يعني بأن المجهود الفردي غير متأت، بل هي مرحلة تمهيد للعمل المؤسسي والجماعي. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى تلك العقليات المغربية الفذة، التي تحدثت أو أشارت أو مثلت الشخصية المغربية بشتى السبل والوسائل، وفي مختلف المنتديات المحلية والإقليمية والعالمية،2 وهو ما يعني بأن الحديث عن الشخصية المغربية منبث بين ثنايا الكتب، وفي المواقف والتصورات الفكرية والفلسفية لهذه الشخصيات، فهم حيز معرفي يحتاج إلى تجميع شتاته ودراسة معطياته وتحليلها. وعلى قدر الوعي بالبعد المعرفي بذلك، على قدر الإيمان بأن الشخصية المغربية هي شيء واحد متجانس لا يتجزأ إلا صوريا من أجل المقاربة والدرس والتحليل، وفي ضوء كونه التوطئة المنهجية لكل بناء شامل ومتكامل.

تقترح هذه المقاربة إعمال النظر في بعض مرتكزات الشخصية المغربية، وغير خاف بأن مقومات الشخصية المغربية ومرتكزاتها كثيرة وتحتاج مقاربتها كلها إلى عمل مؤسسي كما سلف الذكر، وحسبنا في هذه المقاربة هو التعرض لبعض عناصرها المركزية، كمرتكز الاعتدال، ومرتكز التسامح، ومرتكز الانفتاح، مع ما يرتبط بهذه المرتكزات من قيم أخرى ملتصقة بها كالتصاق وجهي اللجين؛ فالاعتدال يستدعي التوسط والاتزان والتوازن، مع ما يستدعيه ذلك من قطع مع التطرف والغلو والتحجر، المؤدي إلى الانحلال والفساد والتفسخ. وأما التسامح فيستدعى قيم المروءة والمرونة والتعدد وتبادل التأثير والتأثر. وأما مرتكز الانفتاح فيستدعي نبذ الانغلاق وطلب الإبداع وابتغاء التجديد ومسايرة مستجدات العصر في مجالاته المختلفة في ظل الخصوصية المغربية.

يتنامى الحديث، في ظل التحولات العالم المعاصر الراهنة، حول تميز المغاربة في الكثير من تصرفاتهم وسلوكهم ومواقفهم. ويشكل حدث ˮالمسيرة الخضراءˮ على سبيل المثال حدثا مميزا أثار انتباه العالم تجاه الشخصية المغربية، من خلال سعي أمة إلى استرجاع أراضيها عن طريق مسيرة سلمية تحمل أدوات رمزية تدل على خصوصيتها، ومتسلحة بعدالة قضيتها، وأطلاق صفة ˮالخضراءˮ عليها فيه إلحاح على سلميتها وعدالتها واعتدالها، وفيه إعلاء لشأن الشخصية المغربية. وقد وجب التنبيه إلى التاريخ الذي تمت فيه المسيرة وهو سنة 1975، وهي مدة ليست ببعيدة عن تاريخ حصول المغرب على الاستقلال والخروج من ضيق الحماية إلى فضاء الحرية.

لقد فكرت الشخصية المغربية في المسيرة الخضراء لتوجيه رسائل كثير في تلك المرحلة منها إبراز ما تختزنه الشخصية المغربية من قدرة على الإنجاز. لقد سجل التاريخ الخاص بالمسيرة الخضراء أن المغاربة بمختلف فئاتهم وطبقاتهم شاركوا في المسيرة بكل همة وانخرطوا فيها عمليا وروحيا ودون شروط.

لم يكن هناك ظاهريا ما يمنع لجوء المملكة المغربية إلى وسائل أخرى من أجل استكمال وحدتهم، واسترجاع صحرائه، لكن الشخصية المغربية أدركت بأن ذلك الخيار ليس حلا مناسبا وبأنه قد يكون استنزافا للطاقة والجهد، وعرقلة لقطار الانبعاث والتنمية، وهو تجسيد مختلف لوجه آخر من وجوه الشخصية المغربية، التي تصرفت، وفق ما تطلبه الوضع من إدراك للأبعاد السياقية وللشروط الدولية آنئذ.

الشخصية المغربية والإسلام

لا يمكن الحديث عن الشخصية المغربية دون الحديث عن الإسلام، كما لا يمكن الحديث عن الإسلام في الغرب الإسلامي دون الحديث عن الشخصية المغربية، التي طبعت الإسلام في المغرب الأقصى وفي إفريقيا بطابعها وخاصة في دول جنوب الصحراء. وليس بمستطاع الدارس تجاهل عمق حضور الإسلام من حضور في المجتمع المغربي، ليبرز السؤال الآتي هل طبيعة الإسلام في الغرب الإسلامي أو الإسلام المغربي تلتقي وطبيعة الإسلام في المشرق العربي، وفي الشرق عموما إذا استحضر الإسلام في جنوب شرق آسيا، وفي تركيا والصين وفي المناطق الأتراكية.

لم تمارس اللحظات التأسيسية الإسلامية، التأثير نفسه في طبيعة الإسلام في الغرب الإسلامي، مع استحضار اللحظة الأندلسية في ذلك. لقد أترث الأعراف والتقاليد السائدة في نمط التدين عندما وصل الإسلام فاتحا للمناطق الواقعة غرب المشرق العربي باعتباره المنطقة، التي انطلق منها الإسلام فاتحا. وذلك لأن كل منجز كيفما كان طابعه يبقى مرتبطا بحوافز تسهم في وسم المنجز، وتلك شبه مسلمة تتضافر فيه الدوافع الفردية والدوافع الجماعية، على أساس أن الفرد في حاجة إلى الجماعة، لكي يحقق الإنجاز، وكذلك الجماعة في حاجة إلى الفرد من أجل تحقق الإنجاز نفسه.

تميزت الشخصية المغربية بمميزات عظيمة يستحيل التغافل عنها، ولعل هذا الأمر هو الذي دفع عالما في قيمة عبد الله كنون إلى تأليف كتاب “النبوغ”، الذي تميل فلسفته إلى إبراز هذه الشخصية المغربية وإن كانت في مجال الأدب والفلسفة نفسها يعكسها كتاب “المعسول”، الذي صنفه العلامة المختار السوسي دليلا على عمق إسهام المغاربة في هذه الشخصية. بغض النظر عن كونهم أمازيغ أو عربا أو غيرهم.

الحديث عن الشخصية المغربية يستدعي تصور أسس محددة لهذه الشخصية، وهي تتمثل في رصيد أو رأسمال تاريخي وثقافي وحضاري واجتماعي ونفسي، وحتى رأسمال طبيعي؛ وهو أهم ما وجه مشروع العلامة عبد الله كنون، وكذلك مشروع العلامة محمد المختار السوسي، وهو تأكيد الخصوصية، وتأكيد الارتباط بالإسلام، لكن بطابع مغربي.

فعلى سبيل التمثيل تبدو الأمم، التي تطل على البحر مختلفة عن تلك البعيدة عنه ولهذا العامل تأثيره في طبيعة السلوك، فالأمم المطلة على البحر تجد السبيل سالكا لتوظيف ذلك توظيفا يطبع الشخصية بطابع خاص. بعبارة أخرى إن الأمم المطلة على البحر تفتح في وجهها سبل التفاعل، مع ما يستدعيه ذلك من تواصل وتثاقف و أمم وثقافات أخرى مختلفة، وقد لا ينطبق هذا على الأمم الأخرى، التي تحاصرها الطبيعة وقد تفرض عليها سلوكا مختلفا. (ابن احمد حوكا، ربيع 2015:ص 165)

الشخصية المغربية ومنسوب السلطة والثقة

الوعي بالبعد الجماعي يحقق المنجز الجماعي، لاتصال ذلك في الجوهر بالبنى الكلية للمجتمع، ولأن البنى الصغرى كالجماعة السياسية والجماعة الدينية والجماعة القبلية، تبدو في الغالب حريصة على مصلحة جماعتها الضيقة، وقد يكون ذلك ـ في بعض الأوقات ـ عامل تبطيئ لحركة المجتمع، ومقدرته على الإنجاز، و يُتَجَاوَزُ هذا العائق بوصل المجتمع بسلطة فعلية أو بسلطة معنوية، لكن هذه السلطة يفترض أن تكون رمزية أكثر من أن تكون سلطة فعلية رغم ضرورتها.

في المملكة المغربية يعتبر الحضور الوازن للمؤسسة الملكية وما تتضمنه من أبعاد متصلة برمزية إمارة المؤمنين من خلال ما تقدمه فلسفة البيعة من أبعاد تعاقدية، مكونا يكفل تذويب الاختلافات التي قد تعتري المجتمع في ظل تلك التكتلات الجماعية والمجتمعات الصغرى، التي قد تكون عرضة لأنانية سياسية أو ثقافية أو دينية أو حتى اللغوية في بعض الأوقات. لأن استمرار النظام الملكي في المغرب قد أسهم في الحفاظ على الشخصية الوطنية المغربية. فالبيوت الملكية وشخصياتها على مر تاريخ المغرب «أدت دورا مهما وبارزا وفعالا وبناء في تطور المغرب الثقافي والسياسي والاجتماعي على مر العصور» (محمد الصادق عبد اللطيف، صيف 2005: 29)

إن أهم عوامل نجاح قيم العيش المشترك وتذويب الاختلافات، مردود إلى وجود وعي جماعي بأهمية رمزية المؤسسة الملكية باعتبارها عنصرا موحدا. الحس الجماعي ينهل من السجلات المعيارية للأنا الأعلى أجوبة مهذبة تدغدغ مشاعر الانتماء إلى الثقافة العربية الإسلامية، وتعزز العصاب الجماعي بالانفراد المتعالي على المجتمعات الأخرى. يفصح هذا الحس المشترك عن نفسه من خلال القول إنه ينتمي إلى مجتمع إسلامي يسوده الإخاء وعلاقات التضامن والثقة المتبادلة، ويخلو، إلا قليلا، من الاختلالات التي تمزق المجتمعات الغربية (بن أحمد حوكا، 2015: ص 165). فالحديث عن الشخصية المغربية وارتباطها بسلطة معنوية، حديث عن رأسمال ثقافي اجتماعي وفكري وسياسي، وعن نمط وعي وهو الأهم، وهذا الرأسمال يَقْطُرُ الماضي المشرق، والتراث الغني الضاربة جذوره في التاريخ البعيد. ومن هنا فالعوامل التي تؤدي إلى تقليص منسوب الثقة في هذا التراكم، قد يرد إلى الأنانية وإلى ضيق الأفق، فالقضية متصلة في العمق بالقيم.

هناك سؤال معرفي قد يكون يؤرقا للباحث، وهو إلى أي حد يمكن الاطمئنان إلى الرؤى والتصورات الصادرة عن الملاحظة وعن الحدس، مقارنة بتلك التي تصدر عن التحريات والبحوث الميدانية، التي يقوم بها علماء الاجتماع على سبيل المثال، فهل ينفي ذلك العلمية عن الحدس، ويؤكدها للثاني علما بأن العديد من العلماء والمفكرين في القديم قد أسسوا معارفهم على الملاحظة وعلى الحدس، فابن خلدون على سبيل المثال بنى كل تصوره على الملاحظة والحدس وعلى تتبع الواقع وتتبع تصرفات الناس في علاقتهم الاجتماعية وعلاقتهم ببيآتهم، وقد تكون بعض النتائج المتوصل إليها في إطار البحث والرصد الاجتماعي مخيبة للآمال، وتعكس غياب مؤشر الثقة أو غياب قيمة الثقة، لكن من الممكن النظر إلى هذا العامل من زاوية أخرى هي زاوية قدرة الذات على إبراز وعي نقدي، وقدرتها على إصدار الأحكام انطلاقا من وعي محدد بالمجتمع وخصوصياته، بل قد تؤكد في الوقت نفسه أن الوعي يستطيع تحليل معطيات الواقع محليا ودوليا. وقد يعتبر هذا مؤشرا من مؤشرات الشخصية المعرفية في الوقت الراهن؛ أي مؤشرا يدل على ميزة تميز مع ميزات أخرى كثيرة الشخصية المغربية. فقد تبدو الشخصية المغربية في بعض الأحيان شخصية حداثية، لكن هذا يبقى حكم قيمة عندما يتعلق الأمر بعمق الذات وباطنها. (ابن احمد حوكا، 2015:ص 175 ـ 176)

المثقف والوعي بالشخصية المغربية

على عكس ما قد يُتَصَوَّرُ، فإن الشعور بالشخصية المغربية حاضر ومستمر في وعي عدد كبير من المثقفين، ووعي عدد واسع من العقليات الفكرية المغربية الفذة، ويمكن الإشارة على سبيل التمثيل لشخصيتين عبد الله كنون والمختار السوسي كما سلف الذكر، لقد ألف الأول كتاب ˮالنبوغ المغربي في الأدب العربيˮ، ولا تخفى الأبعاد والإيحاءات التي يضمنها هذا العنوان؛ باعتبار دليلا رمزيا وسميائيا يحيل على عالم واسع جدا، وعلى دلالات تاريخية وثقافية واجتماعية، وكذلك فكرية.(محمد جكيب، 2023: ص – ص 70 – 73)

النبوغ في الكتاب وفي العنوان نبوغ مغربي في مجال الأدب العربي، لكنه نبوغ حافظ ـ رغم انتمائه اللغوي إلى العربية وإلى الثقافة العربية بصورة أو بأخرى ـ على تميزه وأبدع خصوصيته، وهو من وجهة نظر مصنف الكتاب إبراز للبنة، التي وضعها المغرب في صرح الأدب العربي.

قراءة ما بين سطور مقدمة الكتاب في طبعته الثانية تؤكد عمق الشعور بالشخصية المغربية وتميزها وتفردها، فقد ظل الكنز الذي أماط عنه عبد الله كنون الحسني اللتام، مجهولا للمشارقة لحكمة قدرية تتمثل في اكتمال معالم هذه الشخصية. ذكر عبد الله كنون في مقدمة الطبعة الثانية جملة من الإشارات، المعبرة عن مدى العناية التي حظي بها الكتاب باعتباره رمزا دالا عن النبوغ المغربي. ولعل أهم ما يدل على قيمة الكتاب الأدبية والفكرية والحضارية، وأهميته في إحياء الشعور الوطني، ومد الوعي بالشخصية الحضارية المغربية، إقدام سلطات الحماية الفرنسية على منع تداوله في مناطق الحماية الفرنسية مخافة انتشار الكتاب. ويخفي هذا السلوك حقيقة وعاها عبد الله كنون، ومفادها أن التخوف لم يكن منصبا على الكتاب في حد ذاته، ولكنه انصب في المقام الأول على منع انتشار تلك الروح التي وجهت الكتاب، وهي إبراز الخصوصية المغربية وإبراز طبيعة الشخصية التي تمثلها، فلقد أوحى الكتاب بأن وعيا جمعيا محركا قد يعم كافة مناطق المغرب. وكون الكتاب قد اعتني بالأدبي فحسب لا يعني غياب الحقول المعرفية الأخرى، ولكن الأدب معلم يدل على النبوغ بصورة عامة في شتى المجالات المعرفية والثقافية والحضارية.

لم يكن إبراز معالم النبوغ المغربي يخدم مصلحة سلطات الحماية، التي كانت تدرك أن انتشار الوعي بهذه الروح لا يمكن إلا أن يقوي الشعور الوطني، ومما جاء في هذا القرار الذي نشر في جريدة ˮالسعادةˮ لسان حال حكومة الحماية، بعددها رقم 4592 تحت عنوان بلاغ عسكري ومفاده «أصدر سعادة الجنرال خليفة سعادة القائد الأعلى للجنود بالنيابة أمرا يقضي بمنع الكتاب المعنون بالنبوغ المغربي في الأدب العربي الصادر باللغة العربية في تطوان من الدخول إلى المنطقة الفرنسية بالمغرب الأقصى، وكذلك بيعه وعرضه وتوزيعه، ومن خالف ذلك يعاقب بمقتضى القوانين المقررة»(عن عبد الله كنون،النبوغ المغربي في الأدب العربي، 2014: المقدمة ص 10) وعلق صاحب الكتاب على هذا الأمر بالقول: «وإذا كان لهذا القرار دلالة فهو تأكيده لكون الكتاب عملا وطنيا فوق كونه عملا أدبيا ،ولذلك استحق أن يحظى من الاستعمار الفرنسي الغاشم بهذا الجزاء الظالم.. » (عبد الله كنون، 2014 ص 10)

إن ما قدمه العلامة عبد الله كنون مجرد غيض من فيض، وقد جعل جهده القائم على التعريف بالنبوغ المغربي، العديد من أعلام الفكر والأدب يؤكدون، أن ما ورد في الموسوعة قد غير الكثير من الأحكام المسبقة، التي لم تكن تستطيع الوقوف على حقيقة هذه الشخصية المغربية، ومن هؤلاء، شكيب أرسلان، الذي خص الكتاب بعد صدور جزئه الأول بتعليق ودراسة مهمة جدا، وعده خلاصة منخولة ميزته من وجهة نظره عما قدمه المقري في كتاب نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، يقول شكيب أرسلان: «فأما النبوغ المغربي في الأدب العربي فهو خلاصة منخولة، وزبدة ممخوضة، استخلصها صاحبها من مئات الكتب المصنفة، وألوف من الأحاديث التي لقفها من أفواه العلماء الذين أخذ عنهم، وقلما رأيت مؤلفا جمع المعنى الكثير في اللفظ القليل، جاء في ضمن 250 صفحة بالعريض الطويل في درجة هذا التأليف الذي هو ثمرة تحقيق وتدقيق، ودرس عميق لم يخرج إلى قراء العربية أحسن منه في بابه» (عن عبد الله كنون، 2014: ص 18)

وأجمل ما يؤكد أبعاد الشخصية المغربية في هذا الكتاب الفريد، هو عناية الكتاب بتأكيد هذه الحقيقة، من خلال التقريظ كما أطلق عليه عبد الله كنون، الذي قدمه أحد السابقين إلى الاطلاع على الكتاب وهو قيد الطبع محمد بن اليمني الناصري، الذي يقول في بداية تقريظه: «كل من درس تاريخ الأدب العربي في المغرب الأقصى على وجه العموم فإنه لابد أن يخرج بنتيجة طيبة تقضي بأن منبت المغاربة منبت طيب يخرج نباته بإذن ربه بل يشهد لأهله الأباة الأحرار بالنبوغ الفطري، والتفوق الفكري، والذكاء النادر، والذهن الحاضر».(محمد بن اليمني الناصري، عن عبد الله كنون/ 2014 ص 27)3

والجدير بالذكر في هذا المقام هو الاشارة إلى ذلك البعد الأخلاقي، الذي حرص عبد الله كنون على إبرازه، بالإلحاح على أن يتصف الكتاب/الموسوعة بالموضوعية، وهو أمر لم يفت نباهة علم مثل شكيب أرسلان، الذي حرص على التنبيه إلى الموضوعية، التي حكمت التناول وخاصة فيما اتصل بقضية العرب والبربر.

وهذه الموضوعية التي لا حظها شكيب أرسلان ووقف عندها، ليست خصلة متصنعة، بل هي طبع أخلاقي كامن في صلب الشخصية المغربية.

وبعبارة أخرى؛ إن الموضوعية باعتبارها قيمة أخلاقية، وبعدا منهجيا طبع الكتاب، ذات ارتباط هي أهم مميزات الوعي الجمعي المغربي.

الشخصية المغربية والمعالم الدالة

تختزن الشخصية المغربية في عمقها الروحي كنزا من الرأسمال المادي، والرأس المال اللامادي، وبملامسة هذا الكنز يسهل الاقتراب من معالم هذه الشخصية من زوايا أخرى مختلفة. لقد راكم الإنسان المغربي على مدى التاريخ الطويل الكثير من التجارب والأحداث، وعايش إيقاع الكثير من التحولات، التي أثرت بصورة أم بأخرى في أنماط الوعي، التي عاش على إيقاعها الإنسان المغربي، والرصيد المادي واللامادي المُرَاكَم في حاجة إلى الرصد والعناية والتوثيق ثم الدراسة.

وفي هذا الإطار قد يكفي الانتباه إلى ما انتشر من جامعة القرويين من إشعاع فكري وثقافي مغربي أصيل، منذ قرون عديدة، وهو عمر طويل جدا في تاريخ الحضارات؛ ويستحيل القفز عليه وتجاهله، وهو رصيد متعدد المظاهر يختزن تراثا ماديا مهما، لكنه يختزن في الوقت نفسه كنوزا لامادية أو غير مادية، وأبسطها أن الجامعة كانت منارة شاهدة على الشخصية المغربية.

كانت جامعة القرويين منارة للإشعاع الثقافي والفكري محليا وعالميا، وراكمت هذه الجامعة رصيدا مهما جدا من التواصل الحضاري والمعرفي، واعتبرت صرحا للمثاقفة والاحتكاك الفكري والمعرفي لَمَّا كانت محجا لطلبة العلم، ووجهة للمهتمين بالحضارة الإسلامية والثقافة من كل أصقاع العالم، من كل أصقاع العالم وخاصة من أوربا.

اضطلعت جامع وجامعة القرويين بمهمة جليلة في التواصل الحضاري، وساهمت مساهمة دقيقة في بناء أسس التواصل الحضاري والثقافي، ولذلك يعتبر دورها في نشر مختلف العلوم والفنون رسالة حضارية تخلدت بها الشخصية الإسلامية سعيها إلى تحقيق الوحدة الثقافية وصيانة القيم والأخلاق والعادات الأصيلة الثابتة. ومن هنا اعتبرت جامعة القرويين صرحا للتلاقح الثقافي شرقا وغربا، مما أثر إيجابا في الثقافة المغربية الأصيلة. (حسن عزوزي، 2007: ص 49 ـ 50)

لقد ظلت جامعة القرويين على مدى تاريخها الطويل محافظة على طابعها الحضاري أو على النموذجية الحضارية المغربية، وهو ما أكده أحد أهم الشخصيات المغربية عبد الوهاب التازي سعود في مناسبات كثيرة ومنها حدث الاحتفال بالذكرى الثلاثين لتأسيس كلية اللغة العربية بمراكش، حين ألح على ذلك قائلا: «جامعة القرويين التي أسست كما هو معروف منذ ما يزيد عن أثني عشر قرنا وارتبط اسمها بالتاريخ الديني، الاجتماعي والوطني للمغرب، وقد اعتبرت قلعة منيعة وحصنا حصينا للإسلام تذود عنه، وتحمي حماه، وتنشره في مناطق الغرب الإسلامي، وغرب إفريقيا خاصة، وفي عمل أساتذتها على تلقين الثقافة الإسلامية في ربوع المغرب وحفظ التراث الإسلامي من الضياع والتشويه والتحريف، وما زال في خزانة القرويين، والخزانات المغربية، ما يشهد على هذا الجهد من أسماء العلماء وإنتاجهم العلمي، مما يجعل تاريخنا الفكري والروحي يرتبك على مدى قرون عديدة بالتاريخ الفكري للقرويين منار العلم والهدى والإيمان».(عبد الوهاب التازي سعود: 1994 ص11) لم يقتصر هذا الإشعاع المعرفي على القرويين فحسب، بل انتقل إلى مختلف ربوع المغرب، وأسهم في إشعار مراكز علمية ومعرفية أخرى أسهمت هي الأخرى في ترسيخ الشخصية المغربين، كجامعة أو ابن يوسف في مراكش الحمراء، التي أسهمت بقدر كبير في تقوية جوهر الشخصية المغربية، واعتبرت بذلك أحد الروافد التي أثرت في الثقافة المغربية، لقد ألبست جامعة ابن يوسف الثقافة الإسلامية لباسا مغربيا. (عبد العزيز الكتماني، 1994: ص 139)

الشخصية المغربية وخزانات الكتب العامة والخاصة

الخزانات القديمة كثيرة وممتدة على ربوع المملكة، ولم يقتصر وجودها على الحواضر الكبرى، بل تجاوزها إلى المراكز الكبرى، فضلا عن المراكز الصغرى كما هو حال في بعض الزوايا والمراكز التعليمة العتيقة وفي بعض المساجد، ويعكس هذا الانتشار مدى عناية المغاربة بمصادر المعرفية وخاصة ما اتصل بالثقافة الإسلامية، ويعكس في الوقت نفسه جانبا مشرقا من الشخصية المغربية متصل بالتعلق بطلب العلم والمعرفة والبحث عن سبل الدراية.

إن عناية خزانات جامعة القرويين وجامعة بن يوسف بجمع الكتب، يبدو معقولا بالنظر إلى الدور العلمي والمعرفي والبحثي الذي اضطلعت به، ولكنه في الآن نفسه دليل على شغف المغاربة بمختلف فئاتهم ومستوياتهم بالمعرفة ومكانة ذلك اجتماعيا. وإذا كان توفرهما على رصيد مهم من المخطوطات والكتب والمصادر، فهو يرجع إلى كونهما صرحين علميين – وخاصة القرويين – يحج إليهما طلاب العلم والمعرفة من مختلف الأصقاع والمناطق. لقد مارس المغرب إشعاعا ثقافيا على إفريقيا، ويمكن التخمين بأن العناية بالكتب وبالخزانات في المغرب قد انتقلت إلى إفريقيا جنوب الصحراء، وأثر ذلك ما يزال بارزا في أهم المراكز العلمية كمركز تانبكتو في مالي وغيرها من المراكز المنتشرة في إفريقيا.

وتكفي الإشارة إلى الخزانات العائلية، التي كانت منتشرة في مختلف ربوع المملكة، فضلا عن الخزانات الجامعة كما في القرويين وفي ابن يوسف، وهي حقيقة تعكس واهتمام العائلات والمدارس العتيقة والزوايا بتوفير الكتب والمخطوطات يتضمن دلالة معنوية وحضارية وثقافية واجتماعية تشير إلى مستوى وعي المجتمع ورقيه، وتنقش الكثير من الدلالات في سجل الشخصية المغربية، إذ يعتبر توفير الكتب والمخطوط بالنسبة للمغاربة جزءا من كيانهم الثقافي، فقد توارثوه جيلا عن جيل وأبلوا البلاء الحسن في توفير المادة العلمية والمعرفية، ولعل هذا الأمر هو الذي جعل المهتمين بالثقافة العربية الإسلامية، ويوجد ضمنهم كبار المستشرقين، يفدون إلى المغرب بحثا عن المخطوطات، التي يتعذر العثور عليها في أماكن أخرى، وخاصة تلك التي نقلت من اللغات اليونانية واللاتينية.(أحمد شوقي بنبين، 2005: ص 346) وكما انتشرت المكتبات العامة انتشرت كذلك المكتبات الخاصة، وهي مكتبات تحتوي مجموعة من الكتب يجمعها عالم أو خليفة أو أمير أو وجيه من الوجهاء أو صاحب ولع وهوى بالكتب، وغالبا ما تكون مكتبات الخلفاء أكثر غنى؛ ويؤكد أحمد شوقي بنبين أن المكتبات الخاصة لا تعني عدم انفتاحها على كل من أراد الاستفادة منها من طلاب العلم والمعرفة علماء وطلبة.(أحمد شوقي بنبين، 1994) ويستشف من حديث مطول لشوقي بنبين مدى اهتمام الملوك والسلاطين بأمر الخزانات الخاصة نظرا لأهميتها في إبراز الشخصية الفكرية والثقافية، التي تميز بها السلاطين المغاربة على مر العصور التي هي أساس كل توجه سياسي. (أحمد شوقي بنبين/ 1994)

ذكر محمد المختار السوسي في كتابه “سوس العالمة” ما كانت تزخر به منطقة سوس من خزانات علمية مؤكدا أن نهضة مختلف العلوم، التي عرفتها منطقة سوس لم تأت من فراغ، بل تجد دعمها في الخزانات العلمية يقول: «رأينا مقدار تأصل جذور العلوم العربية في قبائل سوس من نحو ألف سنة فيما نعلم – وهل يتصور أن تروج العلوم رواجها من غير أن يكون محورها خزائن علمية تضم كل ما أمكن من خزائن تلك العلوم، وهذا ما لمسناه حقا، ورأيناه في كل مجلاتنا التي تضمنتها رحلات خلال جزولة ولذلك لا ينبغي أن نخرج من هذا البحث حتى نلقي ولو خاطفة على هذه الناحية أيضا، فلنستعرض أسماء الخزائن التي بلغتنا أخبارها، أو زرناها، وهي زهاء عشرين، زيادة على خزائن الأفراد التي لا تخلو منها دار فقيه» (محمد المختار السوسي، 1984: ص168) وذكر في هذا الإطار جملة من الخزانات العلمية.

إدراك الذات من خلال الآخر

وأدق ما ينفذ منه إلى الشخصية المغربية، هو الوعي بالذات الأمر الذي يستدعي سؤالا؛ وهو كيف تعي الذات نفسها، وكيف تعي أنها ذات شخصية تتمتع بمواصفات محدد؟ وكيف تعي أنها تشترك مع ذوات أخرى في جملة من المقومات المعنوية، التي تترجمها تصرفات تتشابه وتتقاطع. وتُقْدِرُها على فرض ذاتها وعلى الآخر كيفما كانت طبيعته؟

إن إدراك حقيقة الذات لا يتأتى إلا بالاحتكاك بالآخر؛ يقول محمد منصور: «الوعي بالذات لا يتأتى في الغالب إلا عن طريق الاحتكاك بالآخر، فالإنسان يكتشف نفسه وهويته عندما يقف أمام شخص مختلف، ويجد نفسه في وسط لا يقاسمه نفس القيم الثقافية، ويصبح ذلك الوسط مرآة للشخصية الطارئة، يرى فيه صورته بملامح وألوان لم يكن يعرها أي اهتمام من قبل، لذلك يقال إن السفر يكون الشخصية، ليس فقط بالمعنى التربوي عندما يكتسب المسافر تجارب جديدة، ولكن بمعنى الوعي المتزايد بالذات بالمقارنة مع الآخر»، (محمد منصور، 2003: 91)

إن نظرة الذات للآخر تختلف من آخر إلى آخر،(إن صح هذا التعبير) فالآخر الأوروبي ليس هو الآخر المسلم أو العربي. مع الوعي بأن مفهوم الآخر نفسه يحتاج إلى التحديد، فهل المسلم الذي ينتمي إلى قطر آخ، يمكن اعتباره آخرا أم هو مجرد غير، وهل غير هذه تؤدي المقصود؟.

نفترض في هذا الإطار أن الآخر هو كل ما تجد الذات والشخصية، التي تسكنها أنه مختلف عنها، إما اختلافا جوهريا، أو اختلاف جزئيا، مع العلم بأن مقاربة البعدين تختلف حسب طبيعة الآخر، فالمختلف عن الذات جوهريا يتطلب رؤية ومقاربة مختلفة كل الاختلاف، عن طبيعة مقاربة المختلف عن الذات جزئيا.

لقد سجل ركب الحجيج على سبيل المثال آثارا مهمة تكشف عن كثير من المعطيات، والتي تؤكد تميز المغاربة، فعند حلول المغاربة بأرض مصر باعتبارها محطة ينتقل منها الحجاج إلى المشرق، وإلى الجزيرة العربية ثم إلى مكة، كان هؤلاء المغاربة يكتشفون أن هويتهم تختلف بتميزها عن هوية المشارقة وعن المصريين، أي مختلفة عن هوية من يشتركون معهم في العديد من القواسم، وخاصة الدين والعروبة…، يلمس ذلك في أغلب رحلات الحج التي جرى تدوينها، والمقوم الأكثر التصاقا بالمغاربة في ركب الحجيج عندما يتعلق الأمر بعلاقتهم بالآخر العربي المسلم، والذي يدخل ضمن الهوية المغربية بالمعنى الواسع وهو المذهبية المالكية. فقلما تجد إشارة إلى عالم أو فقيه مغربي من أولئك الذين يؤثثون ركب الحجيج المغاربة دون إشارة إلى المذهبية المالكية، فالإلحاح على الانتساب إلى المذهب المالكي صورة تلتصق بالشخصية المغربية. فنسبة المغربي والمالكي ظلت مقترنتان في جل الوثائق التي أشارت إلى ذوي الأصل المغربي. (محمد منصور، 2003: 93 – 94)

كان المغاربة الوافدون على الحجاز مرورا بمصر يحرصون على إبراز مالكيتهم، ويحرصون على إبراز اعتزازهم بذلك، وفي هذا العنصر مقوم من مقومات الشخصية المغربية، باعتبار ذلك طابعا خاصا ويسم ركب الحجيج المغربي.

تأثير المذهب المالكي في الشخصية المغربية

أدت وحدة المذهب المالكي دورا دقيقا في بناء الشخصية المغربية، وفي الحفاظ على هذه الوحدة واستمرارها، لقد استمر المذهب المالكي في المغرب لأكثر من اثني عشر قرنا؛ يقول الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله في كلمة موجهة إلى ندوة “الإمام مالك إمام دار الهجرة” وهو يتحدث عن الإمام؛ «وما أغناه رضي الله عنه عن التعريف والتذكير في بلد كالمغرب وبين قوم كالمغاربة، فقد اختلط مذهبه العظيم بحياتنا منذ أن اعتنقناه. فلا يمر يوم دون أن نمارس فيه جملة من تعاليمه، ولا يتم أكل ولا شرب، ولا صلاة أو صيام، ولا زواج ولا طلاق، ولا معاملة دون الرجوع إليه، والاهتداء بما أخرجه فيه، من بيع وشراء، وإعارة وكراء، ومعاوضة ومناقلة، ومُقاّصَّة ومحاسبة وشركات، إلى غير ذلك من المعاملات، فالدين المعاملة» ويضيف جلالته ملحا على عمق ما يعنيه هذا الارتباط «فلقد ألهم الله أجدادنا المنعمين إلى انتيار مذهب الإمام مالك، ونشره – وحده دون – في طول البلاد وعرضها، كفظا لوحدة البلاد المذهبية، ودرءاً لكل ما يحمله تعدد المذاهب والنحل من بذور الشقاق والخلاف، فبرهنوا بذلك على بعد نظرهم، وعمق محبتهم لشعوبهم، ورغبتهم في إسعادهم بدفء الوحدة، وما ينتج عنها من قوة ومنعة، ولو صدروا في سلوكهم عن أنانية أو حب للتسلط، لعملوا بمبدإ فرق تسد ولأصبحت بلادنا طوائف وشيتا تتقاتل فيما بينتا وتتناحر، ولما رأينا اليوم هذا التماسك والتلاحم بين أفراد شعبنا في مواجهة الغزو الأجنبي الرامي إلى تمزيق وحدتنا الترابية، وعرقلة مسيرتنا الحضارية»(الحسن الثاني، أبريل 1980)

تجمع الروايات على أن الأقدار قد قيدت المغاربة لاختيار المذهب المالكي، وكأن المذهب المالكي هو الذي اختار المغاربة فطبع شخصيتهم؛ وما يؤكد ذلك هو الحديث المشهور الوارد في صحيح مسلم، ونصه «لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم» وهذا الحديث روان البخاري ومسلم في صحيحيهما والترمذي وأبو داود في سننهما وقد ورد في بعض طرقه بلفظ آخر. (المهدي السيني، غشت 1992). كما استدل به شهاب الدين القرافي في مقدمة كتابه الجامع الذخيرة (شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، الدخيرة، 1994)

وفي ضوء ما تقدم؛ جاز التقرير أن الشخصية المغربية حقيقة لا غبار عليها وهي شعور داخلي قد لا تصفه العبارة، كما سلف الذكر، لكن تجسده المواقف والتصرفات والسلوك والأعراف والأحداث والمناسبات، كما هو الحال في مناسبة الحج وما يرتبط بها من رحلات ومناظرات وإجازات التي تدخل كلها في إطار مواكب الحجيج.

لقد تجسد هذا الوعي في عبارات العلماء، ومواقف أهل السلطان، ومقالات المفكرين والشخصيات المختلفة، بل إن البحث عن المشترك الذي يدل على الشخصية المغربية كامن في التشريع الذي يدخل فيه معهم غيرهم، فالمغاربة أخذوا في الفقه بالمذهب الذي ينسب إلى الإمام مالك إمام مُهَاجَرِ الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو أمر يتضمن عدة دلالات، تكاد توحي بأن المذهب كان لهم خاصة وقد والتزموا العمل بمقتضاه جميعا بما يشمل المغرب والأندلس والقيروان، ولا يجاوزهم إلى العرب في الأقطار الأخرى ولا إلى العجم، إذن فهذا الإطار هو الذي يجمعهم جميعا ويميزهم عن غيرهم.(محمد الورياغلي، أبريل 1980: ص297) تربط بعض الآراء تعلق الغرب الإسلامي مع إفريقيا، باللغة العربية، بما ارتكز عليه المذهب المالكي وشخصية الإمام مالك من تعظيم للغة العربية، وهو ما أسهم في توحيد لسان المغاربة، وتوحيد لغتهم الدينية ولغتهم العلمية، في ضوء كون المذهب يفرض على المسلم دراسة وتعلم لغة العرب، لفهم القرآن العربي في لغته. (إدريس الكتاني،1980 : ص41 – 42)

وعلى هذا الأساس، فإنه كما أثر المذهب المالكي في الشخصية المغربية، فإن الشخصية المغربية نفسها قد تركت أثرها في المذهب المالكي حتى صار المذهب المالكي ذا طابع مغربي، وصار المذهب المالكي لا يذكر إلا مع المغاربة وشخصيتهم أو يكاد.(محمد الورياغلي، أبريل 1980: ص 297 – 298)

قد يكون أحد أهم الأسباب التي جعلت المغاربة يتخذون المذهب المالكي مذهبا موحدا يتشبثون به هو كونه مذهبا قائما على أثر عمل الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي تلقاه أهل المدينة من الرسول مباشرة، ولقد أدرك المغاربة أن روح الدين والعلم هو العمل، وخاصة إذا تعلق الأمر بعمل الرسول صلى الله عليه وسلم، وصحابته الذين ظلوا مستقرين في المدينة، وتلك أهم مميزات المذهب، التي وافقت تطلعات الشخصية المغربية، وفق شعور وإحساس داخلي قوامه تعظيم شأن النبوة والإعلاء من شخص الرسول وصحابته الكرام، حتى صار هذا التعظيم خصلة روحية تنتقل بالتواتر الأخلاقي جيلا بعد جيل إلى يومنا هذا. لقد كان الإمام مالك كثير التحري، بل شديد التحري فيما يتصل بعمل الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان يعد ذلك من الدين. (محمد المكي الناصري، أبريل 1980) وهذا المنهاج الصارم الذي صار عليه الإمام مالك هو الذي استهوى المغاربة لاعتقادهم بأنه هو المذهب الأكثر ارتباط بسلوك الرسول في دائرة المهمة التي كلف بتبليغها صلى الله عليه وسلم.

الأسباب الموضوعية، التي جعلت المغاربة يتفقون على اختيار المذهب المالكي كثيرة جدا، توسع فيها المهتمون وبسطوا فيها بسطا فكريا قيما، وهي أسباب لم تقف عند حدود العوامل السياسية والثقافية، بل تجاوزت ذلك إلى بعض العوامل النفسية وكذلك العوامل الروحية الوجدانية، وفي هذا الإطار يذكر عباس الجراري أن المغرب قد عرف قدوم بعض المذاهب، التي كانت انتشرت في الشرق تباعا في ظل الأحداث السياسية المختلفة وما نتج عنها من موافق وتيارات فكرية، ويبدو أن مبادئ الخوارج وافقت مزاج البربر وناسبت وضعهم السياسي والاجتماعي، إذ كانوا يعارضون به كل من يحاول أن يفرض عليهم سيادة تقوم على التمييز، فكانوا موزعين بين أمرين:

أولهما: رغبتهم في الدين الجديد لاقتناعهم به واختيارهم له؟

ثانيهما: تضايقهم من المسؤولين العرب الوافدين وما كان يطبع سلوكهم ـ والدولة الأموية عامة ـ من سمات العنصرية القبلية. (عباس الجراري، أبريل 1980: ص 172)

ويرجع عباس الجراري أسباب استمرار المذهب المالكي بين المغاربة إلى طبيعة المذهب نفسه، فهو مذهب لا يقوم ـ كما يرى ـ على الرأي والقياس بقدر ما يقوم على النص والنقل وعلى الأثر والرواية، بالإضافة إلى بعده الواقعي المستند إلى عمل أهل المدينة، وهو نوع من الاجماع، كما يرى، وقد وافق هذا الأمر مزاج المغاربة، الذي ينفر من الغموض والإبهام ومن التعقيد والتأويل، ويميل إلى البساطة واليسر، وإلى السهولة والوضوح وإلى الواقعية والعمل الملموس؛ ويرجع كذلك إلى تجدد المذهب في ظل مبادئ المصالح المشتركة والذرائع، بالنظر إلى ما تقدمه للمذهب من مرونة وقابلية التكيف مع أي بيأة وفي أي عصر. (عباس الجراري، 1980: ص 194 ـ 195)

توسع الشيخ محمد المكي الناصري في القضية فألح على ما أكده العلماء والمحققون في قضية تشبث المغاربة وأهل الأندلس بمذهب مالك إمام دار الهجرة، وأوعز هذا التشبث إلى منهج الإمام مالك في التعامل مع عمل أهل المدينة، على اعتبار أنهم أكثر الناس صلة بتصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم وسلوكه وسيرته. وهو ما جعل المغاربة معروفين بكونهم القلعة الأمامية للمذهب المالكي حتى عرفوا بذلك في العالم كله (محمد المكي الناصري، أبريل 1980: ص70)

تأثير الشخصية المغربية في المذهب المالكي.

لقد أثر الإمام مالك من جهة منهجه في الشخصية المغربية، وهو منهج قد يبدو للبعض منهجا صارما، يحرص على دقة التدقيق في كل ما اتصل بشخص الرسول صلى الله عليه وسلم، ولذلك صار المغاربة بتأثير منهج الإمام مالك أكثر تحريا في أمور الدين، وفي قضايا الفكر وفي كبريات القضايا، في ظل أفق الحفاظ على انسجام المجتمع المغربي، والحفاظ على تناغمه على أساس الاعتدال والانفتاح والتعايش، باعتبارها قيم وعي تأسست عليها من الشخصية المغربية.

عرف المغاربة بأنهم قليلو التصنيف مقارنة بالمشارقة، لكنهم استبدلوا بذلك التفكير بتمعن في كبريات القضايا، وتميز تصنيفهم بالعمق والتفرد، ويدخل في هذا الإطار علاقة المغاربة بالمذهب المالكي. يقول الشيخ المكي الناصري: «لعل الغرض الذي قمنا به عن مختلف الاعتبارات التي أدت إلى إقرار المذهب المالكي والتمسك به كاف لإثبات حقيقية تاريخية وعلمية واجتماعية، فحواها أن اختيار المذهب المالكي لم يكن أمرا عفويا ولا عشوائيا على غير هدى، وإنما كان عبارة عن قرار تاريخي حاسم، اتخذه أجدادنا الميامين عن بينة وعن بصيرة، اقتناعا منهم بأنه أصلح المذاهب الفقهية لإقامة نظام قانوني وقضائي شامل ملائم للعقلية المغربية الواقعية، والمزاج المغربي المتزن، نظام متوازن متكامل، يضمن الحقوق ويبسط رواق العدل، ويعين على حفظ الأمن والاستقرار، بما وضعه من قاعدة سد الذرائع ويفتح الباب في وجه التطور والتقدم باستمرار، بما دعا إليه وركز عليه من اعتبار المصالح المرسلة ويحفظ على المجتمع تماسكه وانسجامه، بما أقره من العوائد والأعراف دون تزمت ولا إجحاف»، (محمد المكي الناصر، أبريل 1980: ص 81 ـ 82) يزكي هذا الذهب ما قاله عبد الهادي التازي حين أكد بأن المذهب المالكي بالنسبة للمغاربة شعار من الشعارات الأساسية للدولة فهو كالعلم والنشيد الوطني وكالعملة التي تعتبر مظهرا من مظاهر الكيان المغربي.(عبد الهادي التازي: أكتوبر 1993)

وغني عن البيان بأن نسبة المغاربة والشخصية المغربية للمذهب المالكي هو التشبث بمذهب أهل السنة، الذي يختزن في طياته رفضهم المطلق لمذهب التشيع، دون التنكر لفضل آل البيت في دائرة التعلق بالبعد الرمزي والمعنوي للرسول صلى الله عليه وسلم؛ ورفض المغاربة لمذهب التشيع راجع بالأساس إلى ما ارتبط به من أفكار وتصورات ونزعات التفرقة، فلقد رفض المغاربة على مر التاريخ فرض المذهب الشيعي مذهبا رسميا للدولة، وكان ذلك عاملا ومقوما مساعدا حافظ المغاربة به على وحدتهم.

أدب الرحلة إلى المشرق وبروز الشخصية المغربية

أدى أدب الرحلة إلى المشرق دورا مهما في إبراز قيمة الشخصية المغربية، بل يمكن اعتباره ـ أي أدب الرحلة ـ من أهم المقومات التي أسهمت في بروز حرص المغاربة، خاصتهم وعامتهم على إبراز انتمائهم المغربي المطبوع بشخصيتهم، ويلمس ذلك في سردهم للواقع الفكري، الذي كانوا يعرضون خصوصيتهم وشخصيتهم عليه؛ وحرصهم كذلك على تسجيل ما يتميزون به من علم ودراية وإبداع وسلوك حضاري، يقول محمد المنصور: «شكلت مصر باب المشرق بالنسبة للمغاربة والمجال الذي يحتكون فيه لأول مرة بالآخر المسلم وهم في طريقهم إلى الحرمين الشريفين، قلب بلاد الإسلام … وعند حلولهم بأرض مصر كان المغاربة يكتشفون أن لهم هوية متميزة حتى بالنسبة لمن يقاسمونهم الدين واللغة. فبالنسبة لأهل مصر كان سكان الرقعة الممتدة من طرابلس إلى المحيط ينعتون بـ المغاربة، لا يفرقون في ذلك بين القادم من المغرب الأقصى أو الأدنى إلا عندما تضاف نسبة الفاسي أو التونسي أو غيرها»(محمد المنصور، 2003 ص 94)

وفي هذا الإطار تبرز أهمية المذهب المالكي باعتباره مذهبا واحدا وموحدا اختاره المغاربة عن اقتناع، بل كان المغاربة وهم في الشرق يعتبرون أن المذهب المالكي فضل من الله به على الجناح المغربي من بلاد الإسلام، ولذلك عندما كانوا يقفون على تعدد المذاهب والملل بأرض المشرق كانوا يعتقدون أن الله قد من فعلا على أهل المغرب بوحدة الإيمان والعقيدة، وجنبهم التفرقة والتطاحن المذهبي (محمد المنصور، 2003)

يؤكد عبد الهادي التازي أن محمد بن عبد الله بن محمد الطنجي٬ المعروف بابن بطوطة رسم خارطة انتشار المذهب المالكي، وكان حريصا في رحلاته على التواصل مع علماء المذهب المالكي في الدول التي قصدها، إما للتواصل أو طلبا للفتوى بخصوص قضايا كانت تعرض له، أو تصحيحا لبعض السلوكات المتصلة بالتدين، وكان شاهدا على وصول موطأ الإمام إلى الصين، وتولى القضاء في الهند على المذهب المالكي.(عبد الهادي التازي، مارس 2012)

سجل بعض العلماء في رحلاتهم الحجية ملاحظات كثيرة تنم عن صورة المسلم الصلب والعارف بدينه والملتزم بمذهبه، وقد تعطي هذه الصورة الانطباع بأن المغربي أبعد ما يكون عن التسامح، وبأنه منغلق ومتعصب ضد من لا يشاطره المذهب والعقيدة. لكن المغاربة عرفوا بتسامحهم وسجلوا العديد من الصور والأمثلة الشاهدة التي تؤكد تسامحهم.(محمد حميدة، 1993: ص301)

تردد مفهوم الآخر يثير سؤالا يتعلق بهوية هذا الآخر في ظل سياق تبين معالم الشخصية المغربية، قد يكون هو المختلف عن خصوصيات الذات في الدين والثقافة والحضارة كما هو الحال بالنسبة للآخر الغربي والأوربي. لكن؛ إذا اتجهت الذات شرقا نحو العالم العربي والعالم الإسلامي؛ هل يعتبر من ينتمي لهذه المساحة الجغرافية آخرا، والأمر نفسه يقال عندما تتجه الذات جنوبا جنوب الصحراء؟ والجواب على هذا التساؤل متصل بالاختلاف، الذي تجده الذات عندما تعرض نفسها على ذوات أخرى، قد تشترك معها في بعض المشتركات كالدين على الخصوص، وفي بعض الجوانب المتعلقة بالقومية واللغة في كثير من الأحيان. وأما تلك الذات التي تختلف عنها اختلافا كليا فهي تتربع على قمة هرم الآخر، بل هو آخر مطلق، والأول آخر نسبي. ولذلك فإن أدب الرحلة المغربي يعكس عمق شعور الذات بخصوصيتها وتميزها، فالرحلة إلى الشرق تعكس الوعي الجمعي أو الوعي الجماعي أو الهوية الجماعية في إطار هوية أخرى مشتركة مصدرها الدين على الخصوص.(جمال فزة، ماي 2023) وقد توقف العديد من الباحثين عند الأبعاد السوسيولوجية للرحلة الحجية باعتبارها مصدرا من مصادر التوثيق التاريخي ومصدرا من مصادر إدراك أنماط الوعي والتفكير، ويصر عبد الرحيم العطري على توصيف الحج بالثورة، لأنه «يشكل انعطافا détour في بناء الذات وصياغة اللقب وبناء العلاقات وتحيين الأدوار والممارسات والخطابات إنه ثورة في الترميز والتشفير وإعادة البناء، ففي النصية الحجية يبنى الاتصال والانفصال في آن، ويتحقق الوشم والوسم والوصم، ويغدو الحاج حاملا لآثار النص الحجي ولعلاماته ورموزه التي تتوسطه وتخترقه..»(عبد الرحيم العطري، 2023: ص 116)

محاولة الاستعمار طمس الشخصية المغربية

عمل الاستعمار باجتهاد على طمس الهوية المغربية من خلال الترويج لفكرة بدائية المجتمع المغربي، وبدائية نظام المخزن وتخلفهما، ومن المنافذ التي ولج منها الادعاء بأن المغاربة لم تكن لهم تقاليد في اللباس قبل دخول الأوربيين، وخاصة فرنسا إلى المغرب، وأن الاستعمار هو الذي ساهم في تطوير اللباس، وفي تطوير تقاليد الطعام والعلاقات الاجتماعية، حتى لم يبق للشخصية المغربية من خلال هذا الادعاء شيء تعتز به.

وعموما؛ لقد كانت المصالح الاستعمارية تعمل على ترسيخ وعي سلبي حول صورة المغربي على أنه بدائي مفصول عن أسباب التطور والتحضر والمعرفة والعلم. وغير خاف أن مبررات محاولاته كامنة فيما لمسه من مقومات مشرقة تدل على حقيقة الشخصية المغربية، فقد لمس الاستعمار قيمة العناصر الثقافية والحضارية التي كانت توحد المغاربة بجميع أطيافهم عربا وأمازيغ، بل وحتى المكون اليهودي، فرغم التنوع الذي كان يمكن لمسه، إلا أن هذا التنوع كان مجرد ظاهر يخفي هوية متجانسة، وهو أمر شكل إحراجا لقوة الحماية الاستعمارية، لذلك لم تذخر جهدا في سبيل إبراز عدم وجود هوية واحدة توحد المغاربة وتطبع شخصيتهم، رغم محاولات البعض تقديم صورة إيجابية عن حقيقة المجتمع المغربي بمختلف مكوناته الثقافية باعتباره معمارا متجانسا استطاع بناء تقاليده وعاداته وسلوكا اجتماعيا مبني على التعايش والتسامح والتكامل. وفي هذا الإطار ينبغي الإشارة إلى ما كتبه لويس برونو BRUNOT Louis في كتابه “على عتبة الحياة المغربية، التقاليد والعلاقات الاجتماعية لدى المغاربة

 Au seuil de la vie marocaine : Les coutumes et les relations sociales chez les Marocains.

يقول: «وبما أن القدر قد قيد العيش مع المغاربة الذين لا يريدون نزع جنسيتهم أكثر منا، فمن واجبنا أن نبذل كل جهودنا لفهم حضارة شركائنا: بالإضافة إلى الفائدة الروحية الكاملة التي سنقدمها. وأن نكون قادرين على الاستفادة من تجربة من هذا النوع، وسوف ننجح بهذه الطريقة – وهذه هي الطريقة الوحيدة – للعيش على علاقة جيدة مع المغاربة، وتقديرهم بقيمتهم الحقيقية، في فرض تقديرهم لنا.» (BRUNOT, Louis. Centre Jacques-Berque, 2013)

يؤكد هذا الكلام، الذي قد لا تعوزه الموضوعية العليمة، اعتراف الآخر بوجود الخصوصية الحضارية المغربية، في ضوء وجود تيار استعماري كان يتطلع إلى فرض خصوصيته الثقافية، ومن ذلك محاولة فهم الأبعاد الثقافية للمجتمعات، التي كانت القوى الاستعمارية وما تزال تتطلع إلى فرض هيمنتها عليها؛ وهو الأمر الذي لم يكن سهل المنال بخصوص المغرب، الذي ظل محافظا على خصوصيته وعلى جذوره.

وبغض النظر عن الأهداف الموجهة لمثل عمل لويس برونو BRUNOT, LouisK فإن الكثير من المعطيات تؤكد بأن الآخر الغربي وعى خصوصية المجتمع المغربي في ضوء خصوصيته، ذلك لأن الدوافع المحركة للقوى الامبريالية أو الاستعمارية لم تكن مجرد دوافع اقتصادية، بل كانت دوافع ثقافية وحضارية، تتمثل في محاولة فرض النموذج الحضاري الغربي، ولعل هذا هو الحافز الذي حرك بعض المثقفين من جنسيات فرنسية مثل لويس برونو BRUNOT, Louisالذي كان يعي بأن هذا المبتغى أمر صعب المنال في ظل ووجود مجتمع متماسك معتز بشخصيته المتصلة بزخم حضاري وثقافي وتاريخي يصعب إغفاله. يقول «لكن أصالة الخصوصية المغربية لا تكمن فقط في تركيب معين يمكن مقارنته بتركيبات الأمم الأخرى؛ إنه يأخذ لونه المغربي الحقيقي من الشعور الحيوي بالارتباط، الذي يجده كل فرد تجاه مجموعته الاجتماعية. ويتم التعبير عن هذا الشعور بجميع أنواع الوسائل: اللهجات، والأزياء، وأنواع النشاط، وكذلك مجموعة من الأمثال والأقوال، غير المقبولة بطبيعة الحال، والتي تكون كل مجموعة فيها موضوعًا للمجموعات الأخرى.» (BRUNOT, Louis. Centre Jacques-Berque, 2013)

ورغم ما قد نجده في الكتاب من إشارات ضمنية توحي بوجود تنازع بين مختلف مكونات المجتمع المغربي، فإن إشارات أخرى واضحة تؤكد انصهار كل المغاربة في بعد واحد لا يتجزأ. فعلى سبيل المثال عند حديثة عن البرابرة باعتبارهم أهم من عمر المغرب قبل العرب، نجد تأكيدا بأن البرابرة قد اندمجوا والثقافة العربية، التي وصلت إلى المغرب مع الإسلام، الذي اعتنقه المغاربة الأمازيغ ليكونوا كيانا واحدا هو الأمة المغربية.

وعلى هذا الأساس يمكن اعتبار هذا المعطى عنصرا داعما أكد به العديد من أعلام المغرب انصهار أغلب مكونات المجتمع المغربي في بعد واحد هو الشخصية المغربية، ومن هؤلاء يبرز بصورة قوية محمد المختار السوسي، وإلى كتابه الموسوعي “المعسول”، الذي هو في الحقيقة ترجمة للأبعاد الثقافية التي انصهر فيها كل المغاربة حتى صاروا كيانا واحدا وشخصية واحدة.

الشخصية المغربية والمكون اليهودي.

تاريخ استقرار اليهود في المغرب، تلفه الكثير من الأسئلة، كما يلح على ذلك الكثير من الباحثين في تاريخ يهود المغرب، بل يعتبرون أن التاريخ محفوفا بالغموض، ويرجعون ذلك إلى غياب المعطيات العلمية الموثوق منها، والتي يمكن الاعتمادها مصدرا علميا لتوثيق زمن استقرارهم في المغرب، يقول أمين الكوهن: «اعتبر أول عمل في خطاطة الباحثين الذين اهتموا بالتأريخ ليهود المغرب، هو إنجاز تصور حول أصولهم، وهو موضوع أثار العديد من المشاكل، وتعددت وجهات النظر حوله، نظرا لاعتمادهم على معطيات مختلفة حول قيمتها العلمية، فهناك من حاول الاجتهاد، بينما اهتم آخرون بطرح اقتراحات مجانبة للمنطق قبل أن تجانب الصواب، وبالطبع فإن الخلفيات الإديولوجية والسياسية كانت حاضرة في تحديد مسارات هذا النوع من الكتابة. ويمكن الجزم بأن إشكالية أصول يهود المغرب واستيطانهم ملتبسة، ويلفها غموض كبير في الآراء وتقديم الوقائع»(أمين الكوهن، 2022: ص 21)

يؤكد هذا التصور بأن موضوع أصول يهود المغرب يكتنفه الغموض، وتغلب عليه الأسطورة والافتراضات والتخمينات، لكن أهم ما يمكن الخلوص إليه هو أن اليهود باعتبارهم مكونا من مكونات العنصر البشري والثقافي المشكل للنسيج البشري والثقافي المغربي قديم، بل ضارب في التاريخ، وإذا كان تاريخ وصول المسلمين وضمنهم العرب معروفا في ظل تسجيل المؤرخين لهذا الوصول، الذي ارتبط بالفتوحات الإسلامية، فإن أصل الأمازيغ واستقرارهم في المغرب رغم قدمه يكتنفه هو الآخر الغموض والالتباس، لكن الحقيقة الثابتة هي أن وجود الأمازيغ في المغرب قديم جدا. وأما اليهود فإن بعض المؤرخين المسلمين تحدثوا عنهم باعتبارهم جماعة موجودة منذ القديم، يقول أمين الكوهن معلقا: «بمعنى أن اليهود عند البكري هم معطى تاريخي وأمر واقع لا يحتاج للتذكير بالأصول، ابن خلدون هو الآخر وفي سياق حديثه عن البربر بالمشرق قال بأنهم طردوا من طرف داوود (عليه السلام)، وفي رواية أنهم فروا بعد موت جالوت..» وقد جرى الحديث عنهم في سياق حديث البكري عن فاس، كما يورد ذلك أمين الكوهن. (نفسه، 2022: ص23)

والراجح أن أول ديانة سماوية دخلت المغرب هي الديانة اليهودية، أي قبل المسحية والإسلام (Germain AYACHE/1983 : p414) وكيفما كانت المعطيات بخصوص هذا الموضوع، فالراجح أنهم استوطنوا المغرب منذ القديم، ويبدو أن المعلومات المتوفرة بخصوص العهد الروماني، والواردة في التلمود وكتابات الأحبار والنقوش والأثريات المتوفرة، وحتى كتابات المؤرخين القدامى تؤكد بأن هجرات اليهود المكثفة إلى شمال إفريقيا كانت بدأت أوائل القرن الثالث قبل الميلاد (وسام هاني، 2020: 15). وقبل دخول الإسلام إلى المغرب الأقصى بفترات زمنية مهمة.

لقد تكيف اليهود بعد التحول، الذي عرفه المغرب الأقصى في ظل الحضارة الإسلامية في المغرب، بما وفره المجتمع من أجواء سادها التسامح والتعايش مع المكون اليهود، في ظل تحول أغلب مكونات المجتمع المغربي إلى الإسلام ؛ ودليل ذلك هو حضورهم البارز في العديد من المجالات وخاصة المجالات الاقتصادية وحتى السياسية. (الحسن عماري، 2019: ص142 ـ 143)

وعليه؛ وجب التمييز بين حقيقة الوجود اليهودي باعتبار ذلك جزءا من تاريخ المغرب، وأحد روافد الثقافة المغربية، التي أثرت في بعض جوانب الشخصية المغربية، من جهة، وبين الجوانب الأخرى التي تحكم فيها الفعل السياسي وقضاياه، وتحكم فيها البعد الأيديولوجي المرتبط ارتبط بهجرة اليهود المغاربة إلى فلسطين.

لقد كان اليهود قبل هذه الأحداث، وقبل المرحلة الحماية مغاربة صرف، ولا أحد كان يجادل في ذلك (Abdelmadjid Benjelloun./février 2010 : 59) لكنهم كانوا حطب مشروع جرى التخطيط له في كواليس الامبريالية العالمية في أوروبا على الخصوص، واستعمل سوادهم الأعظم أداة لهذه المخططات، وهو أمر قد يتحمل فيه بعض نخبهم مسؤولية ما، لكن عموم اليهود المغاربة لم يكن لهم يد فيما حصل بهم، إلى حد اعتبارهم جماعة من المساكين الذين أغرتهم الوعود، التي وعدوا بها من أجل مستقبل أفضل، خاصة إذا تم استحضار أن نسبة كبيرة من اليهود المغاربة كانت تعيش كما فئات واسعة من المجتمع المغربي أوضاعا اجتماعية صعبة، وهو ما جرى توظيفه في تلميع صورة إعادة توطين اليهود في فلسطين.

كانت العلاقة بين اليهود والمسلمين دائما محط اهتمام من كانت تحركهم رغبة بت رياح التفرقة بين مكونات المجتمع المغربي، ويرجع ذلك لإدراك هذه الأطراف مدى خصوصية المجتمع المغربي، ومدى عمق قيم التعايش السائدة بين أفراده، وخاصة بين المسلمين واليهود على وجه التحديد. يذكر د. محمد حاتمي في هذا الإطار أن مختلف التقارير المتعلقة بطبيعة الواقع الاجتماعي والثقافي المغربي كانت تؤكد عمق ثقافة التعايش والتسامح التي كانت تسود المغرب خلال مرحلة الحماية، بالنظر إلى تاريخه العريق وخصوصيته، التي جعلت اليهود ينعمون بوضع مميز، جعلته يأخذ طابعا فريدا في العالم الإسلامي. (محمد حاتمي، 2016: ص 72- 73)

وليس مستبعدا أن بعض المعطيات المتصلة بكون المجتمع المغربي كان ذا أغلبية مسلمة، قد أسهم إلى حد ما في تكوين صورة سلبية متعلقة باليهود باعتبارهم أقلية، خاصة في ظل الخطاب الوطني المغربي الذي كان يحرص على تأكيد انتمائه إلى العروبة والإسلام، وهو شعور قد أسهم بصورة من الصور في نوع من التهميش تجاه اليهود المغاربة، باعتبارهم أقلية وحتى باعتبارهم أهل ذمة. «لكن منذ سنة 1934 وقع تعديل هذا الموقف ومراجعته نسبيا مع نشأة كتلة العمل الوطني(….) وإذا كان البعض قد أشار بشكل مسبق إلى نقطة أساسية تتعلق بفتح رواد العمل السياسي المغربي لبعض اليهود المغاربة للتعبير عن مواقفهم السياسية ونظرتهم إلى طبيعة العلاقة التي تؤطر الجماعتين المسلمة واليهودية بالمغرب، فإن البعض الآخر ومن ضمنهم علال الفاسي وافق على أن يشمل ملف المطالب الإصلاحية لسنة 1934 الكثير من الجوانب المتعلقة باليهود المغاربة، على اعتبار أن ذلك من شأنه الحد من طبيعة التناقضات الاجتماعية الداخلية التي أصبحت تعيشها الجماعتان بفعل تأثيرات إدارة الحماية» (عبد الكريم العلاقي، فبراير 2010: ص 120-221)

كانت سلطة المخزن المغربية تعي حقيقة المخطط، لكن الظروف التاريخية والسياسية، التي أحاطت بهذا الترحيل حالت دون الوقوف في وجه ذلك، لأن بريق الإغراء بالرحيل وشعار أرض الميعاد كان أقوى بكثير من صوت الحكمة وصوت الأرض والوطن الأصلي، ورغم هذا الرحيل فإن اليهود المغاربة هؤلاء لم يعقطعوا علاقتهم المعنوية مع المملكة المغربية ومع الشخصية المغربية، والدليل على ذلك هو حفاظهم على ثقافتهم التي نقلوها معهم وظلوا متشبثين بها حيث هم، واليوم لا يتوانى المغاربة على فتح أحضانهم لليهود في إطار واقعي. ومن هنا وجب الالحاح على أن جماعة اليهود المغاربة كانوا مجرد مساكين جرى توظيفهم من أجل مصالح قد لا يكونون هم المستفيد منها.

إسهام المكون اليهودي في الشخصية المغربية

إسهام اليهود المغاربة في بعض جوانب الشخصية المغربية أمر لا جدال فيه. وتكشف المصادر الموثوق بها أن اليهود ـ ليس كل اليهود بالطبع ـ قد حضوا دائما باهتمام من قبل السلاطين المغاربة وعناية سلطات المخزن، وتم اتخاذهم تجارا للسلطان يقومون بمهام تجارية تخص الدولة والمصالح السلطانية. وقد أدى «لعب تجار السلطان هؤلاء باعتبارهم فئة اجتماعية بيهودها ومسلميها نفس الأدوار في علاقتها مع المخزن أم مع الأوربيين، فهمهم الأساس كان هو مراكمة الثروة، لكن خاصية اليهود منهم أنهم كانوا محط تجادبات أكثر من طرف الأمبريالية من جهة، ومن طرف يهود العالم من جهة ثانية، الذي أسهم لاحقا في اغترابهم، وسهل لاحقا عملية اختراقهم من طرف أيديولوجيات غريبة عن العيش المشترك الذي عمر لألفيتين من السنين» (أمين الكوهن، 2003: ص 54)

إن طبيعة نظرة المغاربة بمختلف فئاتهم وشرائحهم الثقافية والاجتماعية والسياسية لليهود، ما زالت في حاجة إلى البحث وتعميق النظر، انطلاقا من وثائق ومصادر مغربية، لأن المصادر التي اعتمدها الباحثون في المجال يحتفظ بها في أماكن بعيدة عن المغرب.

وما يستشف من مختلف المقاربات، التي تعرضت ليهود المغرب هو أنهم لم يكونوا على هامش المجتمع، بل كانوا جزءا من النسيج المجتمعي، وقضية التعايش معهم، وعيشهم بين المسلمين لم يكن محل جدل، فقد كانوا جزءا دالا على الشخصية المغربية، التي تضيف إلى مرتكزاتها الأخلاقية مرتكز التسامح والتعايش، فاليهود رغم اختلافهم عن بقية مكونات الأغلبية الساحقة المكونة للمجتمع المغربي من الناحية الدينية، فإن ذلك لم يكن حاجزا في بناء قواعد ثابتة للتعايش والتسامح.

وعلى العموم؛ لقد كان اليهود المغاربة ينعمون بالاستقرار والأمن وهذا هو الذي دفع القوة الاستعمارية وفي مقدمتهم فرنسا إلى التقرب منهم واستعمالهم في مصالحهم المتمثلة على الخصوص في بسط سلطتهم على المغرب، وهو أمر لم يكن ليحصل لولا المكانة، التي كان اليهود ينعمون بها في المجتمع. بعبارة أخرى نظرا للوضع المميز، الذي كان اليهود ينعمون به في الواقع المجتمعي المغربي، ولدى المخزن، تم توظيفهم في المخططات التي أعدوها للمغرب.

ومن زاوية أخرى؛ إن الحديث عن مدى إسهام المكون اليهودي المغربي في الشخصية المغربية، يبرز في علاقة المغاربة بتراثهم لا مادي، Le patrimoine immatériel على أساس كونه مجالا للذاكرة والحوار الثقافي، وهو مجال يلمس فيه إلى حد بعيد ما تميز به المجتمع المغربي من تعايش وتسامح، أسهم بصورة قوية في تكوين الشخصية المغربية.

الشخصية المغربية والنماذج الحضارية الأخرى.

يثير موضوع علاقة الحضارات والثقافات فيما بينها جملة من الأسئلة متصلة بقضية الشخصية المغربية في ضوء تميزها وفي ضوء خصوصياتها، ويختزل هذا السؤال في:

هل الشخصية المغربية في صراع مع النماذج الحضارية المختلفة البارزة في عالم اليوم، وفي مقدمتها النموذج الحضاري الغربي، الذي تتزعمه الولايات المتحدة الأمريكية، وهو نموذج يميل إلى إبراز بعد مادي صرف قوامه القوة العلمية والتكنولوجية والاقتصادية والعسكرية، لكنه يؤكد في العمق وجود مرتكزات ثقافية وأخلاقية تراكمت على مدى ثلاثة قرون كانت هي المنطلق في ضوء نزعة دينية مُوَجِّهَةٍ، ومارست تأثيرها بصورة أم بأخرى في شخصية هذا النموذج الحضاري. فكيف يمكن تقييم موقف الشخصية المغربية من هذا النموذج؟

الجواب متضمن في طبيعة الشخصية المغربية، التي تمثل في حد ذاتها حصانة ومناعة تجاه الاختراقات الثقافية، فالشخصية المغربية شخصية منفتحة على محيطها العالمي ثقافيا وحضاريا، لكن دون فقدان خصوصيتها، زيادة على قدرة كبيرة على التكيف والتحولات، التي يحبل بها الواقع الثقافي والتاريخي الإنساني الراهن، ويعود ذلك إلى جوهر القيم المغروسة في الشخصية المغربية.

لقد مرت الشخصية المغربية بظروف صعبة في ظل سعي الاستعمار والامبريالية العالمية إلى منهج التهجين والطمس والتشكيك، لكنها – أي الشخصية المغربية – كانت أقوى من كل ذلك. ولا يمكن إرجاع ذلك إلى العامل الديني الذي تأثر به الوعي الجمعي للمغاربة فحسب، بل يرجع ذلك كذلك إلى كل تلك المؤثرات الثقافية النابعة من أرض المغرب، ومنها التفاعل الذي كانت أرض المغرب ميدانا له منذ القديم. وبالمستطاع استحضار الرافد الإفريقي والأمازيغي والفينيقي وروماني ثم العربي الإسلامي وفي إطاره التلاقح المغربي الأندلسي بمكونيه الإسلامي واليهودي. فكل هذا الروافد قد أسهمت في بناء الشخصية المغربية وفي تشييد معمارها، ومنحها المناعة اللازمة التي منعت عنها كل أنواح الاختراق والطمس والإلغاء.

الشخصية المغربية وحدث الفتح الإسلامي

نعم؛ لا شك بأن حدث وصول الإسلام إلى المغرب الأقصى قد أحدث تحولا كبيرا في البنية الذهنية المغربية، وأثر تأثير كبيرا في نمط الوعي، وأوجد وعيا جمعيا خاصا يميل إلى ترجيح مقومات الوحدة والحوار والتعايش والتسامح والتكامل كما سلف الذكر، وهي أبعاد ترجع إلى طبيعة منظومة القيم التي حملها الإسلام باعتباره دينا. والراجح أن هذه القيم هي التي أتاحت التكيف و الخصوصية المغربية، ومن أهم ما جرى إبداعه في هذا المقام هو وحدة المذهب والعقيدة والسلوك. الأمر الذي يفسر عدم وجود اختلافات جوهرية بين مختلف مكونات الشخصية المغربية في الوقت الراهن.

لقد حرص بعض الباحثين الذين اهتموا بالثقافة المغربية، على إبراز الخصوصية الثقافية المغربية، وخاصة تلك المتصلة بالمكون اليهودي، وحرصوا على عمق ارتباط ثقافة اليهود المغاربة بالشخصية المغربية فرحيل اليهود المكثف في سنوات 1960 لم يمنع وجود آثار الثقافة اللامادية في الثقافة المغربية. وما قدمه محمد المدلاوي (محمد المدلاوي/2012) يؤكد وجود أبعاد ثقافية مارست تأثيرا ما في عملية بناء الشخصية في ظل التحولات الكبرى الطارئة.

يشير محمد الميدلاوي – في غمرة حديثة عن الثقافة المغربية وروافد التأثير فيها – إلى ما أطلق عليه الأدب المغربي ذي التعبير العبراني la littérature marocaine d’expression hébraïque المنتشر بين بعض مغاربة الشتات، وهو أدب لا يمكن إنكاره (محمد المدلاوي، 2012) ومنه الأدب المكتوبة باللغة العبرية، والمنشور بعضه في إسرائيل في بعض الأوقات – كما يذكر – لكنه يحمل ملامح الثقافة المغربية ويحمل عناصر التراث لا مادي، كتلك الملامح التي يحملها الإبداع الأدبي المكتوب بالفرنسية، والذي ألفه مغاربة استقروا أو هاجروا إلى أروبا. يقول محمد المدلاوي: «يظهر جليا أهمية ما يمكن الوقوف عليه من مظاهر التراث المادي واللامادي وهو لا يتيح لنا معرفة الآخر فحسب، بل يتيح لنا معرفة ذواتنا على كافة المستويات» (محمد المدلاوي، 2012) وتلمس هذه الآثار في العديد من المصطلحات، وفي التقاليد، وفي الرموز البصرية، وفي الموسيقى وفي الأدب. وأما تأثير الثقافة اليهودية في الثقافة الأمازيغية فجلي، الأمر الذي يفسر – من وجهة نظره – أن تأثير الإسلام قد اقتصر على اما له علاقة بالتشريع، لأن الأمازيغ كانوا يعرفون بعض ألفاظ التوحيد ومصطلحاته عندما جاء الإسلام، والتي يرجع مصدرها إلى الديانة اليهودية والمسيحية، التي كان بعض الأمازيغ أو جلهم قد تأثروا بها أو اعتنقوها.

والجدير بالذكر في هذا المقام؛ هو أهمية التوقف عند وعي بعض المثقفين اليهود، (إن لم نقل كل اليهود ذوي الأصول المغربية) بوجود ذلك المشترك، الذي يشعرهم بأنهم جزء من الشخصية المغربية، وبكونهم ينتمون إلى عمق ثقافي يتقاسمونه مع باقي المغاربة أو ثقافة الغرب الإسلامي. ولا يخفى أن هذا الماضي المشترك في حاجة إلى التثمين في نظرهم، ويحتاج إلى ضرورة التحيين والاعتراف، ومن أبرز المتخصصين في المجال يذكر حاييم زفراني Haïm Zafrani، الذي اهتم اهتماما عميقا وواعيا بقضايا الحوار بين الديانات، وخاصة بين الإسلام واليهودية، وركز في أبحاثه على إبراز المشترك الثقافي والفكري بين الثقافة العربية الإسلامية، والثقافة اليهودية، وخاصة في الغرب الإسلامي، أي في المغرب والأندلس، مع وعيه بأن علاقة اليهود المغاربة بالمسلمين في المغرب، قد كانت دائما عرضة للتشويه وللتوظيف الأيديولوجي، في أفق التعتيم على حقيقة الانتماء إلى شخصية ثقافية واحدة هي الشخصية المغربية.

في ثنايا حديثه عن احتفال العالم شرقا وغربا بمسلميه ومسيحييه ويهودييه بذكرى مرور أكثر من ثمانمائة سنة على ميلاد موسى بن ميمون Maïmonide، وكان ذلك في سنة 1935م، أبرز بأن المكون اليهودي في المغرب قد شارك في هذه الاحتفالات بصورة محتشمة ومتواضعة، نظرا للتضييق الذي واجهت به السلطات الفرنسية احتفالات اليهود المغاربة بذكرى مرور 850 سنة على ميلاد موسى بن ميمون Maïmonide ((Haïme Zafrani, 2003 : p 11 

إن الظروف التي أحاطت باليهود المغاربة، هي التي وضعت ستارا من التعتيم على طبيعة التعايش، الذي طبع المجتمع المغربي خلال حيز زمني طويل جدا يمتد لأكثر من ألف سنة، لنخلص إذن إلى أن التعايش والتسامح والعيش المشترك بين مختلف مكونات المجتمع المغربي، هو أحد الأسس المكونة للشخصية المغربية، كما سلف الذكر.

وإذا كان ابن رشد فليسوفا أو حكيما إسلاميا أدى دورا بارزا في تواصل الشرق والغرب، لأنه كان مدخلا من مداخل الحوار الفكري بين الشرق والغرب، فإن موسى بن ميمون، مفكر يهودي من يهودي الغرب الإسلامي والمغرب الأقصى، قد أدى الأدوار نفسها، لكن بصورة مختلفة، حتى عد لدى البعض مفكرا إسلاميا بحكم الانتماء إلى صروح ثقافية إسلامية، تراوحت بين الأندلس باعتباره الفضاء الذي ولد وأمضى فيه قدرا من طفولته، والمغرب باعتباره الفضاء الذي تلقى فيه معارفه في جامعة القرويين، ثم مصر باعتباره البلد الذي مات فيه بعد أن أمضى فيه آخر فترات عمره، وغير خاف أن ابن رشد ظل وما يزال محط نزاع بين مختلف التيارات الفكرية والأيديولوجية، كل طرف فكري يعمل على الاستئثار به، لكن ابن رشد لم يزد عن كونه نتاج روح الإبداع الفكري، التي أبدعت الفكر الإسلامي والحضارة الإسلامية، في الغرب الإسلامي، وحظ الشخصية المغربية في ابن رشد لا ينازع (محمد جكيب، 2020: ص 43 – 44)، كما لا يجادل حظ موسى بن ميمون من الشخصية المغربية.

يؤكد حاييم زفراني Haïm Zafrani أن الروح التي سكنت المجتمعات الإسلامية كانت روحا متسامحة وغير إقصائية، وهي التي أتاحت لمفكر يهودي الديانة من أن يبدع في ظل السياقات الفكرية الإسلامية، وأتاحت له كذلك أن يستمر وأن يخلد بصفته مفكرا خرج من جبة الفكر الإسلامي، وهذه الروح لم تكن خاصة باليهود وحدهم بل عمت حتى المسيحيين. وحظ الشخصية المغربية في ذلك واضح وجلي.

بعبارة أخرى؛ إن روح التسامح التي تميز بها الإسلام على مر عصور كثير وفي ظل سياقات مختلفة ومنها السياق المغربي، هي التي أنجبت موسى بن ميمون، لقد ولد هذا المفكر في غرناطة وترعرع فيها، وفي ظل سياقاتها الحضارية والثقافية الفكرية تكونت معالم شخصيته الفكرية العربية اليهودية الإسلامية الأولى، قبل أن يمضي زهرة عمره الفكري في المغرب في فاس وفي القرويين، وهو ما أسهم بقسط وافر في تكوين شخصيته العبرية ذات الابعاد المغربية. ولذلك جاز اعتباره سفير الفكر الإسلامي إلى الفكر العبري، الذي ظهر في ظل الحضارة الإسلامية، والتي تعتبر الشخصية المغربية أحد روافدها الأساسية.

كانت القرويين جامعة عالمية بكل المقاييس، فجميع أصناف العلوم المعروفة كانت تدرس فيها، وهي من غير شك أحد أهم المعالم الثقافية الدالة على الشخصية المغربية، ويمكن اعتبارها كذلك تجسيدا لمنطق التعايش والتسامح، فالقرويين كانت جامعة ذات إشعاع عالمي بفضل من درسوا على علمائها دون تمييز بين طالب علم مسلم ولا طالب علم مسيحي والأهم طالب علم يهودي، وخاصة إذا كان مقيما في فاس حيث توجد القرويين؛ وفي هذا الجو المحفوف بالمعارف والعلوم التي ولدت من رحم الإسلام وحضارته، أو تلك التي اكتملت شخصيتها، سيتلقى هذا المفكر اليهودي الديانة قدرا مهما من معارفه دون موانع تمنع تلقيه للعلوم التلمودية، التي تخص طائفته وديانته. فالشاهد هنا هو أن الشخصية المغربية قد أتاحت لموسى بن ميمون بناء شخصيته المعرفية والعلمية، التي مكنته من أن يصبح مفكرا عالميا، ويحمل في الوقت نفسه طابع الشخصية المغربية. (محمد جكيب، 2020)

الشخصية المغربية والنموذج الحضاري المغربي

إن الحضارة الإسلامية في راهنيتها ليست كيانا واحدا، ولا بنية واحدة بدون أنماط، فهي وجوه لوحدة تبدو متجانسة على طول الرقعة الجغرافية لعالم المسلمين، لكنه ليس عالما واحدا متجانسا بسبب الخصوصيات، فهي مَحْضِنُ أنماط لهذه الحضارة المصطلح عليها عليها بـ “الحضارة الإسلامية”. إن الدين واللغة العربية بما هي لغة القرآن، والذي هو عماد الدين ومرتكزه، أهم المكونات وأهم الأسس التي تشترك فيها الأقطار التي تنتمي لهذا الحقل الذي يصطلح عليه عالم الإسلام أو عالم الحضارة الإسلامية، لكن الخصوصية تفرض نفسها في هذا المقام.

المغرب الأقصى ينتمي ومن حيث روحه إلى النموذج الحضاري الإسلامي، وجغرافيا هو امتداد لهذه الحضارة، وتاريخيا كان جزءا منها، وساهم مساهمة فعالة في بناء هذه النموذجية وطبعها بطابعه الخاص، زيادة على أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، والذي تؤدي فيه مؤسسة إمارة المؤمنين مهمة دقيقة جدا، هي الحفاظ على التوازن الروحي والثقافي والسياسي، ليس داخل حدود الوطن القطري وحسب، بل وخارج هذه الحدود، وهو يستمد شرعيته من هذا الأصل. هذه الخصوصية المكتسبة، صيرت المغرب مركزا وبوابة انتقلت من خلالها الحضارة الإسلامية إلى مناطق جديدة شمالا ثم جنوبا، وفي هذه المناطق الجديدة انطبعت الحضارة الإسلامية بشخصية جديدة يبرز فيها الطابع المغربي.

لقد انصهر الإسلام واللغة في بعد واحد هو البعد المغربي، وأبدع العبقرية المغربية ونموذجها الحضاري الخاص القائم على تقبل التنوع، والتشبث بخصوصية التسامح والتعايش والمرونة، وأتاح لها التكيف ومختلف الظروف التاريخية المحيط بها، لكن دون فقدان الخصوصية ودون التنكر للجذور.

لقد حصنت الخصوصية الشخصية المغرب من الانكفاء على ذاتها، وسلحتها معنويا بالقدرة على الانفتاح على المحيط القريب والبعيد، وعلى العصر والتحديث والحداثة، دون خشية انطماس الهوية.

إن قدرا معقولا من الحضارة الغربية موجود في الحضارة المغربية؛ وإن الحضارة الغربية فيها من الحضارة المغربية قدر معتبر على أساس مبدإ المثاقفة ، وبعبارة أخرى إن النموذج المغربي حاضر هو الآخر في الحضارة الغربية وحضوره فيها مكون إيجابي ستبرز ثماره في الراهن وفي المستقبل. لقد استفاد الإنسان المغربي كثيرا من التنوع الثقافي المحيط به، وهو ما أقدره على التكيف وكل الثقافات، لكن دون فقدان خصوصيته.(محمد جكيب، يناير 2022)

يعيش المغرب على إيقاع تنامي الشعور بخصوصيته الحضارية والثقافية، ولذلك فهو يعيش مرحلة مشرقة من تاريخه الحديث، تتجلى في الوعي بأنه نموذج حضاري مميز، وهو يتصرف على هذا الأساس ويتفاعل مع محيطه من موقعه الاستراتيجي، ويعي ما يجلبه هذا الوعي من مسؤولية تمثيل هذه النموذجية خير تمثيل، وهو يستطيع أن يفرض على العالم التعامل معه على هذا الأساس. وبعبارة أخرى، إن المغرب يعيش مرحلة نهوضه الحضاري الخاص المتمركز حول ثقافته وقيمه وتراثه المادي و اللامادي.

اللغة وأبعاد الشخصية المغربية

إن العناية باللغة العربية ينبغي أن تكون في صلب الاهتمام بالخصوصية الحضارية والثقافية المغربية، لأنها أحد أهم أوجه الخصوصية المغربية، ولا اعتراض على كون اللغة الأمازيغية أو لغات أخرى كاللغات الأوروبية وجها آخر من أوجه هذه الحضارة، فقد تكون الأمازيغية هي لغة الأم بالنسبة لعدد مهم جدا من سكان المغرب الأقصى، لكن هذه اللغة اغتنت باللغة العربية وتقوت بها، واغتنت بما حمله القرآن الكريم باعتباره خزينة لغوية وباعتباره مصدر منظومة أخلاقية.

اللغة في حد ذاتها ليست شيئا مقدسا، فهي كالكائن الحي يولد ويحي ويكبر ويشيخ ثم تموت، الأمر الذي يسقط عليها صفة القداسة، وهو واقع تشترك فيه جميع اللغات، بما في ذلك اللغة/ اللغات، التي كانت سائدة في المغرب الأقصى قبل وصول الإسلام المسلمين الفاتحين، والغالب أن اللغات واللهجات، التي كانت سائدة قد انتعشت بوصول اللغة العربية، واكتسبت عمرا جديدة، وهو ما أقدرها على البقاء والاستمرار، فاللغة العربية كانت دواءً لهذه اللغات، لأن للغة العربية لم تهمشها، وحافظت على حقها في البقاء والاستمرار، لأن المحفز الأخلاقي الذي وجه اللغة العربية لم يكن غرضه محو الخصوصيات، ولا الدخول في صراع مع ما كان سائدا من قيم وثقافات نبيلة، بل كان الحافز هو ربط الإنسان بقيم أخلاقية تتميز بالحيوية والنظار والتجدد. إنه الوعي الجديد الذي حمله الإسلام واللغة العربية.

لقد أدرك الوعي الجديد أهمية اللغة العربية، وهو ما أتاح للغة الأمازيغ الاستمرار والانتعاش فصارت جزءا من مكونات الحضارة الإسلامية، ومن مكونات الشخصية المغربية. ودليل ذلك على سبيل المثال لا الحصر، علماء سوس الذين صنفوا في مختلف العلوم الإسلامية باللغة العربية، ولم يجدوا حرجا في التصنيف باللغة الأمازيغية واعتبروا ذلك نوعا من التكامل ليس غير.

بنى الإسلام واللغة العربية في المغرب مركزا للتواصل شمالا، ثم جنوبا، وفي الأندلس ستعرف اللغة العربية بعدا آخر، وستدرك شأوا عظيما، وازدادت رونقا وإشراقا، وكانت أوروبا، التي ستتصدر المشهد الحضاري لاحقا، تتحرق شوقا إلى معرفة اللغة العربية والاقتراب من عالمها والاستفادة مما أبدعه المسلمون من معارف باللغة العربية. وعبر بوابة المغرب، وبوابات أخرى انتقلت اللغة العربية إلى إلى الأندلس ومنها إلى أوروبا، ومن المغرب كذلك انتقلت اللغة العربية إلى إفريقيا.

الروابط المعنوية الكثيرة، التي تربط المغرب بإفريقيا متدثرة باللغة العربية، يشهد بذلك انتشارها الواسع في مناطق عديدة من إفريقيا، رغم انتشار اللغات المحلية كالهوسة والسواحلية وغيرها، وحتى لغات المستعمر التي لم تستطع طمس هذه الخصوصية. ولا أحد يستطيع إنكار عمق تشبث إفريقيا المسلمة بقيمها الإسلامية وبانتمائها إلى هذا الدين، فأغلب العلوم الدينية تدرس باللغة العربية باعتبارها لغة متصلة بالقرآن. ومن يقف على التعليم العتيق في إفريقيا من خلال مدارسه المنتشرة انتشارا واسعا في البوادي الإفريقية، سيدرك أهمية اللغة العربية وقيمتها. ولم يمنع هذا الانتشار اللغات المحلية من التواجد والاستمرار في ظل اللغة العربية. زائر إفريقيا يستوقفه حرص الإنسان الإفريقي المسلم على التواصل باللغة العربية مع الوافد من المغرب خاصة، وحرصه على تمثًّل الروابط الروحية التي تربطه بالرموز الثقافية والحضارية المغربية. .(محمد جكيب، يناير 2022)

الشخصية المغربية وقيمها الثابتة

عرف تاريخ الشخصية المغربية ومازال لحظات كثر فيها الجدل حول علاقة الذات بتراثها بين الاحتضان والرفض، في ظل تصورات فكرية مرتبطة بواقع مغربي متطور ومرتبط بالأشخاص والمؤسسات وبالتيارات الفكرية والأيديولوجية دون الخروج عن طابع الشخصية المغربية. لكن المواقف الداعية إلى القطيعة مع الماضي ليس لها التنكر لماض أسهم في تكوين الشخصية المغربية، فهو موجود في كل ذات مغربية؛ وهو قدرها الذي يُقْدِرُها على تبني المواقف الفكرية المختلفة، التي تصنع مجتمعة الشخصية المغربية، في ظل المنجز الفكري والثقافي والاجتماعي وكذلك سياسي، وهي تتسم كلها بالاعتدال.

نعم؛ الشخصية المغربية تتميز بالاعتدال، ومرده التوافق المعنوي الضمني، الذي حصل بين أفراد المجتمع، كعقد اجتماعي ضمني يشكل في حد ذاته مشتركا مجتمعيا هو الشخصية المغربية في حد ذاتها. وعندما يثار موضوع الاعتدال والتوسط في الفكر المغربي فإنه يثار متوازيا والقيم الدينية، وهي الدائرة التي يبرز المذهب المالكي باعتباره مقوما مركزيا اتفق كل المغاربة وأجمعوا على الالتقاء حوله، والتنازل عما يميز بعضهم عن بعض خدمة لوعيهم الجمعي.

تتجاوز قضية الاعتدال الأبعاد الدينية، وتتجاوز السلوك الديني، إلى أغلب المظاهر التي تطبع الشخصية المغربية. فكل مظاهر هذه الشخصية يبرز فيها الاعتدال والتوسط، يلمس ذلك في طبيعة التفاعل مع قضية الأصالة والمعاصرة، أو قضية التعلق بالماضي والارتباط به، بل والتواصل معه، مع الانفتاح على المعاصرة والأخذ بكل أسباب التطور والتجدد. وحتى أولئك الذين تبنوا الدعوة إلى الحداثة، ودعوة إلى الانفتاح على رياح التطور الآتية من الغرب، لا يمكنهم التنكر لما فيهم من الماضي ومن التراث، ولا يستطيعون التنكر أن فيهم من الماضي الشيء الكثير؛ وبناء التصورات الموسومة بالحداثية أو التقدمية في كثير من الأوقات، قد تمت وتتم في ظل ارتباط قوي أو ارتباط مغيب للماضي وللتراث. ومن هنا يتأكد بأن الشخصية المغربية شخصية منفتحة على محيطها وعصرها ومنفعلة به. فهي ليست شخصية منكمشة ولا منكفئة على ذاتها، بل شخصية متطلعة إلى الأخذ بكل أسباب التطور والتجدد والنمو. يقول أبو بكر القادري متحدثا عن الثقافة المغربية: «فالثقافة الإسلامية بمعناها الصحيح لها مدلولات خاصة ومفاهيم محددة، وأسس ثابتة. فهي ليست مجرد معلومات تحشى بها الذاكرة، ومعارف تلتقط من هنا وهناك، وعلوم تتغلف بميادين خاصة ولكنها ثقافة شمولية، تهتم بجميع المعارف الإنسانية وتعنى بجميع المجالات الحيوية، وتتبنى جميع النظريات السليمة وتشمل جميع الثقافات الإنسانية وتصهر ذلك كله في دائرة مبادئها الأساسية، وأصولها الجوهرية فهي موحدة لا تضيق برأي ولا تتحرج من فكرة ولا تخشى من تجديد، لكنها تبقى دائما حريصة على الاحتفاظ بذاتيتها ، مناضلة في سبيل مفاهيمها أسسها مبلورة كل فكر جديد، ورأي سديد في دائرة مفاهيمها وتعاليمها.» (أبو بكر القادري، 2019) ويرد الاعتدال كذلك إلى وجود جملة من الثوابت الدينية في مقدمتها ثابت العقيدة الأشعرية، التي تثبت لله الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والكمال المطلق، خلافا للمجسمة ونفاة الصفاة (أحمد بلحاج آية واهرام، فبراير 2009).

يضاف إلى هذا بكل تأكيد وحدة المذهب، مذهب الإمام مالك إمام دار الهجرة، وهو المذهب المعروف بأنه لا يكفر أحدا من أهل القبلة. (بلحاج آيت واهرام 2009) وتكمن أهمية ذلك كذلك في مكون وحدة العمق الروحي وما يرتبط به من سلوك وتربية، فجوهر السلوك والقيم التي تشبعتها الشخصية المغربية وهو السلوك النبوي وقيمه. ويستدل عليه بمنهج الإمام الجنيد السالك في التربية السلوكية، يقول آية وارهرام متحدثا عن طبيعة اختيار المغاربة لوحدة السلوك السني: ..«ارتضوا في سلوكهم الروحي طريقة الجنيد المبنية على القرآن والسنة، والمنزهة عن غلو، أو بدعة، أو شبهة» (أحمد بلحاج آية وارهام، 2009 ص 112).

زيادة على ذلك يبرز ثابت وحدة قراءة القرآن الكريم وهي قراءة ورش عن نافع، ولا يعني ذلك أن الشخصية المغربية قد ألغت القراءات الأخرى وهمشتها، فهي كلها متواترة بالقطع عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد اهتمت بها واعتنت وكانت جزءا لا يتجزأ من برامج التدريس في المختلف المدارس القرآنية التي كانت وما تزال منتشرة في أغلب ربوع المملكة المغربية. وتعتبر العناية بمختلف القراءات في المملكة المغربية جزءا من متطلبات طلب العلم في مجال القراءات. في ظل كل هذا المعطى أمكن القول بأن الاهتمام بالقراءات السبع والقراءات العشر، يوحي بعدة أبعاد؛ منها:

أولا قيمة الدراية والعلم، فالشخصية المغربية تتصف من خلال هذا المعطى بالدراية، فقد تواتر فيها انتشار المعرفية والعلم منذ أن وطئت أقدام المسلمين أرض المغرب الأقصى، وظل متواترا فيهم أو يكاد إلى أيامنا هذه، وطبعوه بشخصيتهم، التي شهد بها لهم جم واسع جدا من علماء الإسلام في المشرق على الخصوص كما سلف الذكر.

ثانيا إن العناية بقراءة ورش عن نافع واهتمام الشخصية المعنوية بهذه القضية لا يحركه فقد عامل توحيد التوجه والقبلة بالمفهوم المعنوي، ولكن يرجع في الوقت نفسه إلى كون الإمام نافع هو إمام القراءات في المدينة، (التهامي الراجي الهاشمي، أبريل 1980: ص 281). بشهادة الإمام مالك نفسه فقد أخذ قراءته هاته عن جِلَّة شيوخ المدينة، الذين أخذوها بالتسلسل عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأبو بكر أخذها عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يخفى ما في هذا من حب المغاربة للمدينة المنورة، فهي مهاجر الرسول صلى الله عليه وسلم، ودار إقامته، ومرقد جثمانه (أحمد بلحاج آية وارهام، 2009 ص 112)

ويضاف إلى هذه القيم الأساسية الدالة على الوحدة وعلى سلوك حسن الاختيار، ثابت إمارة المؤمنين وما يرتبط بها من بيعة، التي تعد عقدا اجتماعيا آخر تؤكد به الشخصية المغربية اعتقادها بأهمية العناصر الموحدة واقتناعها بالثوابت.

وعلى العموم فإن رسوخ المذهب المالكي بالإضافة إلى الثوابت الأخرى دليل على تلك الروح التي تسكن الشخصية المغربية، وهي روح الاعتدال والتوسط والبعد عن الغلو والتطرف، وهي روح ليست وليدة اليوم بل هي مغروسة منذ القديم في أعماق المجتمع المغربي، يقول علال الفاسي متحدثا عن الإمام مالك: «إن قراءة أخبار مالك ورجال مذهبه تطهر النفس وتزكي القلب وتفتح الذهن وتنمي المعرفة وتعطي القدوة الحسنة لمن أراد أن ينهج منهج الصالحين، ويسلك مسالك العارفين. وإني لأحمد الله على أن تم اختيار المغاربة لهذا المذهب الذي يجمع بين المحافظة على السنة والتفتح على طرق المصلحة، والبحث على النضال في سبيل تحقيق اختيارهم، فقد وقفت في سبيل نشر الدين وحمايته من الأهواء المهوية والبدع المغرية. ولم يتم ذلك دون جد واجتهاد ونضال في سبيل تحقيق اختيارهم، فقد وقفت في سبيلهم عقبات الاختلافات المذهبية والاضطرابات السياسية التي هي في الواقع امتداد لما كان قد حدث في الشرق من تعدد النزعات على أثر خلاف علي ومعاوية رضي الله عنهما وتوالي التهافت على الحكم طيلة أمد الدولتين العظيمتين الأموية والعباسية، وهذا المجهود الذي بذله المغاربة إلى أن حققوا غرضهم في توحيد المغرب من الوجهة القانونية والقضائية على المذهب المالكي، وعلى العقيدة الأشعرية خلال ذلك هو الذي يبرز لنا الروح النضالية التي قام بها المالكية في المغرب امتدادا لما قام به إخوانهم في المشرق وسيرا على منوال إمام المذهب وزعيمه مالك بن أنس رحمه الله» (علال الفاسي، 2009)

سؤال التراث وسؤال الماضي سؤال إنساني طرحه كل الشعوب وكل الأمم وهي تحاول بناء راهنها الثقافي والفكري والحضاري، وتتطلع إلى المستقبل إذ «ليس صحيحا أن سؤال التراث سؤال عربي وإسلامي بامتياز، وأن غير العرب والمسلمين لم يطرحوه على أنفسهم، أو لم تهجس به ثقافتهم مثلما تهجس به ثقافتنا منذ قريب من قرنين؛ إذ الثابت، بقوة أحكام الواقع التاريخي وسوابقه، أن المجتمعات الإنسانية كافة، والمجتمعات التاريخية منها على نحو خاص، لم تعدم أشكالا وصورا مختلفة من الاهتمام بتراثها الثقافي والديني، ومن التفكير فيه، والإنتاج العلمي حوله، وليس في الأمر هذا مدعاة إلى غرابة؛ فسؤال التراث في أي ثقافة هو سؤال الصلة التي تربط حاضر الثقافة والمجتمع بماضيهما. ولا فرق بين أن تكون الصلة تلك، المفكر فيها، صلة واقعية، تاريخية وهو –على الأغلب- ما يدَّعى، أو صلة مفترضة، متوهمة اصطناعية: وهو الغالب على تفكير أي مجتمع في ماضيه»(عبد الإله بلقزيز، 2013 ص133)

فحتى الغرب عند بحثه عن أسباب نهضته وبحثه عن أفقه الجديد طرح سؤال الماضي وأثار سؤال التراث، فالثقافة الغربية التي ينظر إليها اليوم على أنها خالية من سؤال التراث ومن سؤال الماضي، لم تكن هذه حالها قبل أربعمائة عام، في لحظة تكونها ثقافة حديثة، لأن المجتمعات الأوروبية عاشت تجاذبا حادا بين القديم والحديث بما في ذلك الكنيسة والملكيات المطلقة والقوى البرجوازية الجديدة الصاعدة ذات النفس الثقافي التنويري والعقلاني. لكن الفريقين معا نبشوا في الماضي وتصارعوا حول ذلك، في ظل صراع الحاضر والمستقبل، فكان لكل طرف ماض أثير على نفسه، وكان لكل طرف رؤيته الخاصة وتفسيره الخاص لذلك الماضي. ( عبد الإله بلقزيز، 2013: ص134)

في ضوء الذي تقدم؛ هل يمكن اعتبار الحضارة المغربية والمجتمع المغربي مجتمعا تاريخيا؟ الأفق التفسيري الذي يتبناه عبد اللإله بلقزيز يميل إلى اعتبار ذلك، لكن ليس ببعد سلبي ولكن ببعد إيجابي، نظرا لكثافة الشعور فيها بالتواصل المستمر مع ماضيها. وهذا الشعور لا يرد إلى الماضي، وإنما إلى الحاضر، أي ليس يفسره أن وراء هذه المجتمعات خبرة تاريخية طويلة، بل لأنها تعيش ماضيها مجددا في حاضرها، أو قل تعيش حاضرها وكأنه يستأنف ماضيا لم يتوقف أو ينقطع (عبد الإله بلقزيز، 2013: ص136)

لقد سعت الشخصية المغربية تبحث عن حاضرها وإعادة ذاتها بما يتلاءم وخصوصياتها. فطلبت الحداثة وانفتحت على أفق الغرب، لكنها لم تتنكر لخصوصياتها، ولم تحدث قطيعة مع خصوصياتها وهو ما أتاح لها ـ من وجهة نظرنا ـ إعادة بناء نموذجها الخاص، وهذا هو الأساس والخلاصة الثابتة والباقي مجرد تفاصيل.

أما بعد

في ظل المعطيات التي تم إبرازها وجب التذكير بأمرين أساسين:

الأمر الأول هو أن المعطيات الدالة على الشخصية المغربية كثيرة جدا، الأمر الذي يجعل استيفاءها كلها أمرا يحتاج إلى عمل مؤسسي وإلى جهد طاقات كثيرة من مجالات معرفية مختلفة. وما قدم في هذه الورقة مجرد غيض من فيض، وهي عناصر مرتبطة بقيم مركزية تقوم عليها الشخصية المغربية، وقد تبدو المادة العلمية، التي تم اقتراحها في هذا السياق مفتقرة لبعض التنظيم المنهجي الصارم، لكنها عملت على إبراز معطيات دقيقة تعد مدخلا للدراسة الشخصية المغربية.

وأما الأمر الثاني فيكمن في الوعي بهذه الشخصية، فالكثير من الأعلام المغاربة تنامى لديهم هذا الشعور، وعبرت عنه أغلب العقليات الفذة، التي أنجبتها رحم الشخصية المغربية بصورة ضمنية حينا، وبصورة مباشرة في أحيان أخرى.

لقد ظل الاختلاف الإيجابي في ظل الشخصية المغربية وعلى مدى قرون طويل مصدر إبداع للمغاربة، ومنبعا لحيوية المجتمع، وكأن هاتف الروح التي سكنت الشخصية المغربية كان يقول لنجعل من مقومات الاخلاف مدخلا لبناء مشترك واحد هو الاستمرار في إنتاج الشخصية المغربية وترسيخ وجودها.

لم تولد الشخصية المغربية من عدم ولا من فراغ، بل ولدت في ظل تراكم ثقافي مادي وغير مادي عريق، وولدت في ظل ثروة فكرية اجتماعية حضارية تاريخية وسمت الواقع بميسم خاص.

الواقع المغربي واقع حافل بالمعطيات الدالة على هذا الرصيد، الذي يستحيل القفز عليه، وهو رصيد حافل بالمنجز التاريخي والحضاري والثقافي والفكري والاجتماعي، بل هو رصيد مستمر في توجيه بوصلة الشخصية المغربية من خلال مواقف الذات/الذوات في كل وقت وحين.

على سبيل الختم

في ضوء كل ما تقدم يتنامى لدينا الاقتناع بجلاء أن الشخصية المغربية حقيقة معنوية كامنة في الوعي الجمعي المغربي، والحديث عنها والسعي إلى تشخيصها حديث عن رصيد معنوي ورصيد ملموس يمد روح الأمة بكل مقومات التواجد والانبعاث والانطلاق إلى المستقبل.

وإن أهم ما تتميز به هذه الشخصية هو قيمها الضاربة في أعماق أعماقها، وهي القيم نفسها التي مكنتها من أن تبني لنفسها منظومة قيم أخرى كيفتها والمنظومة الأخلاقية القادمة مع الإسلام، وقدر لها أن نتغرس في تربتها وتستمر وتختمر ما شاء الله لها أن تختمر ليفوح أريجها وعبقها عند اشتداد الأزمات، وخاصة عند بروز أزمة الآخر بقيمه وثقافته ومصالحه ومطامعه، فمكنها ذلك من عدم الذوبان في الآخر وفي قيمه، بل أوجت واقعها الخاص بها أو بالأحرى أوجدت شخصية قائمة على قيم جوهرية هي: الاعتدال والابتعاد عن الغلو والتطرف والانفتاح والتسامح والتعايش والحوار، مع ما بين كل هذه القيم كلها من ترابط وتواصل، وقيم أخرى تحتاج إلى بحوث أخرى موسعة.

مراجع الدراسة

  • أرسلان شكيب، 2014. عرض وتحليل، النبوغ المغربي في الأدب العربي، دار الكتب العلمية، بيروت، مؤسسة عبد الله كنون الحسني للثقافة والبحث العلمي، الطبعة الأولى عن دار الكتب العلمية، 2014 ص ص 18 ـ 24
  • آية واهرام أحمد بلحاج ، فبراير 2009. ثوابت المغرب الدينية، المجلس (مجلة يصدرها المجلس العلمي الأعلى بالممكلة المغربية، العدد السادس، صفر 1430 ـ فبراير 2009 ص 112
  • بنبين أحمد شوقي، 1994. إسهامات المكتبات الخاصة في تطور الثقافة والفكر في المغرب، بعض خزانات مراكش نموذجا،حوليات كلية اللغة العربية عدد خاص أعمال ندوة: ثلاثون سنة في خدمة اللغة العربية والثقافة الإسلامية، 28 – 29 أكتوبر 1993، العدد الثالث 1415 – 1994. ص ـ ص 21 ـ 27
  • بنبين أحمد شوقي، 2005. المؤسسات الثقافية في المغرب (خزائن الكتب العلمية) التاريخ العربي، العدد الخامس والثلاثون، صيف 1426 ـ 2005. ص ـ ص 345 ـ 356.
  • التازي سعود عبد الوهاب، 1994. الكلمة التقديمية، ندوة ثلاثين سنة في خدمة اللغة العربية والثقافة الإسلامية: 1963 ـ 1993، حوليات كلية اللغة العربية، عدد خاص بأعمال الندوة، 28 ـ 29 أكتوبر 1993، العدد الثالث 1415 ـ 1994.
  • التازي عبد الهادي ، مارس 2012. ابن بطوطة رسم خارطة لانتشار المذهب المالكي هستبريس

https: www.hespress.com،78692-78692.html

  • التازي عبد الهادي، أبريل 1980. المذهب الملكي شعار من شعارات المملكة المغربية، ندوة الإمام مالك إمام دار الهجرة، فاس 9 – 10 – 11 – 12 جمادى الثانية 1400 – 25 – 26 – 27 – 28 أبريل 1980م؛ الكلمة الموجه للندوة، منشورتن المملكة المغربية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ص – ص 87 – 108 الجزء الأول
  • التازي عبد الهادي، بريل 1980. المذهب الملكي شعار من شعارات المملكة المغربية، ندوة الإمام مالك إمام دار الهجرة، فاس 9 – 10 – 11 – 12 جمادى الثانية 1400 – 25 – 26 – 27 – 28 أبريل 1980؛ الكلمة الموجه للندوة، منشورتن المملكة المغربية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: ص – ص 87 – 108 الجزء الأول
  • الجراري عباس، بريل 1980. أسباب انتشار المذهب المالكي واستمراره في المغرب، ندوة الإمام مالك إمام دار الهجرة، فاس 9 – 10 – 11 – 12 جمادى الثانية 1400هـ – 25 – 26 – 27 – 28 أبريل 1980م؛ الكلمة الموجه للندوة، منشورتن المملكة المغربية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ص – ص 169 – 197. الجزء الأول
  • جكيب محمد ، 2020. جدل حوار الحضارات وثقافتها: قراءة في المدخل والمقدمات، الحوار والتعايش مداخل ورؤى، (مجموعة من المؤلفين) جامعة شعيب الدكالي، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، مختبر دراسة الفكر والمجتمع، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط 2020 م
  • جكيب محمد، 2023. إشكالية مقاربة النص الموازي، وتعدد القراءات، عتبة العنوان أنموذجا، مكتبة سلمى الثقافية، ومطبعة الحمامة، ط،1 تطوان 2023.
  • جكيب محمد، يناير2022. اللغة العربية والنموذج الحضاري المغربي، هسبريس:https://www.hespress.com/933311-933311.html
  • جلالة الملك الحسن الثاني. أبريل 1980م. كلمة موجهة إلى المشاركين في ندوة الإمام مالك إمام دار الهجرة، فاس 9 – 10 – 11 – 12 جمادى الثانية 1400 – 25 – 26 – 27 – 28 أبريل 1980؛ الكلمة الموجه للندوة، منشورات المملكة المغربية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ص – ص 11 – 17: ص12
  • حاتمي محمد ،2016. المؤتمر اليهودي العالمي والوطنيون المغاربة 1944 – 1955، هسبريستمودا، عدد خاص يهود المغرب والمغرب العربي: التاريخ والتأريخ. Jews of morocco and the maghreb: history and historiography: العدد LI المجلد 3، 2016
  • حميدة محمد ، أكتوبر 1993. قراءة في رحلة نشر الإعلام بإتمام المرام في ذكر مراحلنا إلى مصر والحجاز والشامللفقيه محمد بن علي دينية، حوليات كلية اللغة العربية، عدد خاص بأعمال ندوة ˮثلاثون سنة في خدمة اللغة العربية والثقافة الإسلاميةˮ، 28 ـ 29 أكتوبر 1993
  • حوكا ابن احمد، شتاء ربيع 2015. الرأسمال الاجتماعي ورابطة العيش المشترك، دراية في الركائز الأخلاقية الثقافية للاجتماع السياسي في المغرب، إضافات، المجلة العربية لعلم الاجتماع، العددان 29 ـ 30 شتاء ربيع 2015. ص ـ ص 162 – 226.
  • الراجي التهامي الهاشمي، أبريل 1980. نافع أستاذ مالك، ندوة الإمام مالك إمام دار الهجرة، فاس 9 – 10 – 11 – 12 جمادى الثانية 1400 25 – 26 – 27 – 28 أبريل 1980م الكلمة الموجه للندوة، منشورتن المملكة المغربية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ص – ص 275 – 281
  • السوسي محمد المختار، 1984، سوس العالمة، مؤسسة بنشرة، الدار البيضاء، ط الثانية 1984.

https:،،www.noor-book.com،%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8- %D8%B3%D9%88%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A9-pdf

  • السيني المهدي، 1992. المغرب في حديث لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق، دعوة الحق، العدد 292، صفر 1413هـ 1992.
  • الصادق محمد عبد اللطيف، صيف 2005. بذور المغرب وحصاد الغرب، دور المغرب في ازدهار الحضارة في أوربا، التاريخ العربي، العدد الخامس والثلاثون، صيف 1426هـ ـ 2005م: ص ـ ص 29 ـ 59.
  • عزوزي حسن، 2021. رسالة جامعة القرويين في بناء التعارف الثقافي والحضاري، الندوة العلمية حول جامعة القرويين في تأسيس حوار الأديان وترابك الحضارات، إسهامات في توضيح المفاهيم وتيسير التعايش، تحت إشراف سيدي محمد بنسودة الوزير، بمناسبة احتفال فاس بمرور 1200 سنة على تأسيسها، الطبعة الأولى،2008، الطبعة الثانية،2021: ص ـ ص 49 ـ 73
  • العطري عبد الرحيم، ماي 2023. سرديات ورحلات الحج من التجربة الدينية إلى حوار الثقافات، الهجرة والدين أفقا للبحث والتأويل، أشغال الندوة الدولية الثالثة لربيع العلوم الاجتماعية الهجرة وحوار الأديان والثقافات: ممكنات وتحديات، الكتاب الثالث جامعة الأخوين، إفران من 12 إلى 14 ماي 2023، إصدارات مركز ابن خلدون لدراسات الهجرة والمواطنة الكتاب رقم: 18 ص – ص 117.
  • العلاقي عبد الكريم ، فبراير 2010، علال الفاسي واليهود المغاربة، المجلة التاريخية المغاربية، (العهد الحديث والمعاصر) العدد: 137، فبراير 2010، السنة السابعة والثلاثون، ص – ص 113- 147
  • عماري الحسن ،2019. المغرب والتجارة العابرة للصحراء من القرن XVم إلى القرن XVIIIم نشر وطبع وورك بيرو، الطبعة الأولى 1440 هـ – 2019 م.
  • غلاب عبد الكريم، 2017، الشخصية، شخصية المغرب نموذجا، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط، ط،1: 2017
  • الفاسي علال، 2019. نضالية الإمام ومذهبه، الإمام مالك والمالكية عدد من الباحثين، بإشراف أبو بكر القادري، الإعداد للنشر عبد الصمد بلكبير، نشر الملتقى، مطبعة النجاح، 2019
  • القادري أبو بكر، 2019. الإمام مالك والمالكية، عدد من الباحثين، بإشراف أبو بكر القادري، الإعداد للنشر عبد الصمد بلكبير، نشر الملتقى، مطبعة النجاح، 2019. التقديم
  • القرافي شهاب الدين أحمد بن إدريس، 1994. الدخيرى، شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، تحقيق الدكتور مكمد حجي، دار الغرب الإسلامي، ط1/ 1994، بيروت، لبنان، المقدمة: ص 35
  • الكتاني إدريس، 1980. دور المذهب المالكي في بناء الشخصية المغربية العربية الإسلامية لسكان إفريقية الشمالية ومريطانيا، ندوة الإمام مالك إمام دار الهجرة، فاس 9 – 10 – 11 – 12 جمادى الثانية 1400هـ – 25 – 26 – 27 – 28 أبريل 1980م؛ الكلمة الموجه للندوة، منشورتن المملكة المغربية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ص – ص 35 – 50 الجزء الثاني.
  • الكتماني عبد العزيز، 1994. دور الجامعة اليوسفية في تأسيس ثقافة مغربية خلال العهد المرابطي، ندوة ثلاثين سنة في خدمة اللغة العربية والثقافة الإسلامية: 1963 ـ 1993، حوليات كلية اللغة العربية، عدد خاص بأعمال الندوة، 28 ـ 29 أكتوبر 1993، العدد الثالث 1415هـ ـ 1994م. ص ـ ص 137 ـ 148.
  • كراتشكوفسكي إغناطيوس، مايو 2018. أسفار ابن بطوطة، مقالات في الأدب العربي، مختارت، كتاب مجلة الدوحة، وزارة الثقافة والرياضة، دولة قطر، ص – ص 215 – 243.
  • كنون عبد الله، 2014. النبوغ المغربي في الأدب العربي، دار الكتب العلمية، بيروت، مؤسسة عبد الله كنون الحسني للثقافة والبحث العلمي، الطبعة الأولى عن دار الكتب العلمية، 2014.
  • الكوهن أمين ، أكتوبر 2022. رحيل يهود المغرب، قضايا ومسارات، سليكي أخوين ـ طنجة، أكتوبر 2022
  • منصور محمد، 2003. الهوية المغربية في مرآة المشرق: تصور الذات والآخر في بلاد الإسلام، «الشخصية المغربية»، أعمال مهداة إلى الأستاذ محمد أبو طالب، إعداد: عبد الرحيم يوسي، ومحمد الذهبي، ولحسن حداد، الجمعية المغربية للتراث اللغوي، 2003: ص – ص 91 – 109.
  • الناصري محمد المكي، بريل 1980م ، ندوة الإمام مالك إمام دار الهجرة، فاس 9 – 10 – 11 – 12 جمادى الثانية 1400هـ – 25 – 26 – 27 – 28 أبريل 1980م؛ الكلمة الموجه للندوة، منشورتن المملكة المغربية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ص – ص 35 – 50 صص67 – 83: الجزء الأول.
  • الناصري محمد بن اليمني ، 2014. أول تقريض، النبوغ المغربي في الأدب العربي، دار الكتب العلمية، بيروت، مؤسسة عبد الله كنون الحسني للثقافة والبحث العلمي، الطبعة الأولى عن دار الكتب العلمية، 2014.
  • هاني وسام، 2019، الدور الاقتصادي لليهود بالمغرب حتى عام 1912، منشورات مرسم، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الطبعة الأولى 2019 الرباط.
  • الورياغلي محمد ، بريل 1980م. أثر الشخصية المغربية في فقه مالك، ندوة الإمام مالك إمام دار الهجرة، فاس 9 – 10 – 11 – 12 جمادى الثانية 1400هـ – 25 – 26 – 27 – 28 أبريل 1980م؛ الكلمة الموجه للندوة، منشورتن المملكة المغربية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ص – ص 285 – 307. الجزء الأول 

Benjelloun Abdelmadj, février 2010, Musulmans et juifs au Maroc jusqu’aux années 1950 : une certaine symbiose notamment culturelle, REVUE DHISTOIRE MAGHREBINE (Epoques moderne contemporaine), numéros 137, p-p 59 – 74 

Elmedlaoui Mohmed, 2012, Le patrimoine immatériel marocain : Lieu de mémoire et de dialogue interculturel. In Abécassis, F., Dirèche, K., & Aouad, R. (Eds.), La bienvenue et ladieu | 3 : Migrants juifs et musulmans au Maghreb (XVe-XXe siècle). Casablanca : Centre Jacques-Berque. doi :10.4000،books.cjb.234

BRUNOT, Louis, 2013, Au seuil de la vie marocaine : Les coutumes et les relations sociales chez les Marocains. Nouvelle édition [en ligne]. Rabat : Centre Jacques-Berque, (généré le 24 octobre 2023). Disponible sur Internet : <http:،،books.openedition.org،cjb،406>. ISBN : 9791092046106. DOI : https:،،doi.org،10.4000،books.cjb.406

Germain AYACHE،1983, Études d’histoire marocaine, Société Marocaine des Éditeurs Réunis (S.M.E.R), Rabat

Haïme Zafrani,2003 ,Le judaïsme maghrébin, Le Maroc terre des rencontre et des culture et des civilisations, Editions Marsam, RABA

1 ولعل هذا هو ما يجعل مغاربة الشتات أكثر تشبثا بمغربيتهم وبهويتهم المغربية، وأقوى دليل على ذلك هو ذلك الحب الجامح، الذي يبديه اليهود المغاربة لمغربتهم وهويتهم المغربية، مؤكدين بذلك حقيقة «الشخصية المغربية»، ومؤكدين طبيعة الهوية المغربية، التي تتميز بجملة قيم قد تفتقر إليها أمم أخرى، وخاصة في العالم المتقدم اقتصاديا وتكنولوجيا.

2 لقد ظهر لنا من خلال البحث أن الوعي بالشخصية المغربية وبتميزها ليس بالقضية التي تنعدم فيها المادة العليمة، بل هي من الوفرة التي تؤكد وجود وعي يترجمه تراكم كثير، الأمر الذي يرجح فيما نرى وجود مرتكزات ومبادئ توجه بهذا البعد.

3 والذي يهمنا في هذا المقام هو ذلك الشعور والوعي بـ«الشخصية المغربية» البارز والمحفز على التقريظ، هو ذلك النص الشعري الذي يؤكد من خلال محمد بن اليمني الناصري النبوغ المغربي ويؤكد توجهه الفذ الذي يفرض الاحترام.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *