
ـ على سبيل الاستهلال
ـ الحوار وأنماط الوعي والتفكير
ـ هموم الهجرة وجدالاتها
ـ الخصوصية الثقافية والأبعاد المفهومية
ـ الثقافة والهوية، الثقافة والحداثة:
ـ يورغن هبرماس والنقد الناعم للحداثة
ـ إخفاق الحداثة في خلق التجانس العقلاني
ـ الجوهر الديني يطبع الثقافة
ـ الهوية: الأبعاد والقضايا والإشكالات
ـ ذات المهاجر والتمظهر الديني
ـ الهوية واللغة
ـ الهوية وقضية حوار الثقافات
ـ المشترك الإنساني في قضية الهوية
على سبيل الاستهلال
لا يختلف أهل الاهتمام بالقضايا الفكرية المعاصرة الملحة على الإنسانية، حول كون قضية الهجرة، وقضايا الحوار من أكثر القضايا إلحاحا على النظر الفكري في الوقت الراهن، وما يدعم ذلك هو التأمل في حركة النشر والتأليف الحافلة دوليا في الموضوع، الأمر الذي يقرأ على أنه تأكيد لوعي ما، يكاد يعم المجتمع الدولي كله.
بعبارة أخرى؛ إن حركة التأليف والنشر، التي تتخذ من قضايا الهجرة والحوار مجالا للاهتمام هي من الحضور والإلحاح، الذي يميط اللثام عن وعي فكري وثقافي وإنساني، يمارس سلطته على الذوات ومن خلالها. إذ تكشف حركة النشر هذه، أن هوسا بالحوار و قضاياه، يوجه الوعي، ويمارس سلطة يترجمها ما تحظى به القضية من اهتمام وعناية بصورة أم بأخرى.
ولا مجازفة في القول: إن إدراك حقيقة الوعي المتصل بالقضية، يطلب فيما يمثله هذا الإلحاح من حضور فكري ووعي يتجلى في صور قوامها ردود الأفعال الدفاعية أو الصراعية، بل وحتى التطرف في الرؤى والمواقف والسلوك والتصرفات.
إن تناول قضايا الحوار الثقافي والحضاري عموما، والحوار بين الأديان على وجه التحديد، «لم يسبق أبدا أن اكتست الحدة التي تثار بها اليوم، إلا منذ الأحداث المأساوية للحادي عشر من سبتمبر 2001. وأن الموضوع أصبح ضربا من الطقوس الخطابية المتواترة في المشهد الدولي (الإعلامي، والديبلوماسي، والفكري). وأنه في نهاية المطاف، واعتبارا لما يجري اليوم من صراعات في عالمنا، يحتمل ألا يؤدي كل هذا إلى تخفيض التوتر أو التنازع الذي يسم العلاقات بين أتباع مختلف التقاليد الدينية في العالم المعاصر»[1] يبدو هذا الإلحاح مؤشرا على أن القضية وليدة الأزمنة المعاصرة، ووليدة أحداث بعينها، لكنها في الحقيقة ذات جذور ضاربة في التاريخ المعروف، وحتى في التاريخ المجهول. وتراثها الغزير وأدبياتها المختلفة تشهد على ذلك،[2] لكن أحداث 2001 المؤلمة خلقت ردود أفعال متشنجة ومتسارعة ومتسرعة وهو أمر طبيعي، لكنه حجب الجذور التاريخية للقضية، وأوجد وهما بارتباطها بحملة أخرى حول صراع الثقافات وتواجه الأديان، وخاصة الأديان السماوية.
الحوار وأنماط الوعي والتفكير
تحتوي البيبليوغرافية، التي أعدتها مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود[3]: تسعا وتسعين، وثلاث مائة وثلاثة آلاف (3399) وثيقة متنوعة، موزعة بين كتب، ومقالات، ومساهمات في كتب، بعضها منشور في سبع مجلات متخصصة في الحوار الإسلامي المسيحي، وموزعة بين عدة لغات في مقدمتها الفرنسية، تليها اللغة العربية، ثم الإنجليزية، وبعدها الاسبانية والإيطالية والألمانية، وأخيرا الكطلانية.[4] والدلالة التي يمكن الخلوص إليها من البيبليوغرافية، هو أن قضية الحوار بين الأديان قضية ملحة جدا، وهي أكثر إلحاحا على العالم الفرنكفوني الذي تتقدمه فرنسا، وليس فقط على العالم العربي، الذي يكون جزءا مهما من عالم المسلمين، إذا ما أخذ البعد اللغوي فحسب بالاعتبار.[5]
يثير هذا الإلحاح جملة من الأسئلة والتأملات، وأهمها: لماذا يلح موضوع الحوار وقضاياه بهذه القوة؟ هل يرتبط ذلك بهم فكري وثقافي وحضاري واجتماعي ملح، أم هو مجرد سلوك أو نزوات تحركها الذاتية والانفعالات بعيدا عن الموضوعية والعلمية؟ وإذا كان ذلك هما حقيقيا، فلماذا هو كذلك، أي لماذا هو هم فكري يحمله المثقف الغربي، وخاصة الفرنكفوني في المقام الأول، ولماذا هو كذلك بالنسبة للمثقف العربي.[6] تثار هذه الأسئلة في ضوء كون قضية الحوار بكل أصنافه الحضارية والثقافية وحوار الأديان، تفترض ضمنا ودائما، وجود مخالف، أو على الأقل، وجود وجهة نظر أخرى، في مقابل وجهة نظر أو موقف آخر أو تصور.
وعلى هذا الأساس؛ فإن القضية تبدو في الغالب متصلة بالأحكام المسبقة، والمصالح والأيديولوجي والذاتي والعاطفي المناقض للموضوعي والعلمي، على أن الموضوعي لا يعني العلمي، لكنه شرط من شروطه.
وقد يرتبط هذا الإلحاح بما يطلق عليه ˮالمركزية الغربيةˮ، أو ˮالنرجسية الغربيةˮ كما يطلق عليها البعض، المدفوعة بوعي منها أم بغير وعي إلى اعتبار المخالف، وخاصة المخالف الفكري والحضاري مكونا مرهونا لنزعة استعمارية تؤمن، ضرورة وليس اختياريا، بحتمية انشداد غير الغرب إلى دائرة الجاذبية الفكرية والحضارية الغربية، في ظل الرؤى الفكرية، التي لا تعتبر الاستعمار رذيلة أخلاقية، بل تعتبرها الحل الذي ساعد الغرب على الخروج «من مشاكله والاستغناء على حساب أمم أخرى. وما نراه نحن كمشكلة في الثقافة السوسيولوجية والسياسة العربية لا تفهمه الأغلبية الساحقة من المفكرين الغربيين كذلك، بل تدافع بوسائلها المتاحة على كل الآليات والأدوات والخلفيات الفكرية والثقافية، التي أسست وساعدت الاستعمار في مناحيه العسكرية والاقتصادية والسياسية والثقافية».[7] وهذا بالطبع لا يعني عدم وجود مفكرين منصفين ومدافعين عن حقوق الشعوب وثقافاتها بكل موضوعية. لكنها تعاني من التقزيم، فبعض الفكر الغربي يعاني من تقزيم فعل المفكر المدافع عن حقوق الشعوب الأخرى، وتنحيته عن مركز القرار.[8].[9] وهناك الكثير من الأدبيات التي تتبنى مواقف تتسم بالموضوعة، وتغرد خارج النرجسية الغربية، من هؤلاء مثلا إنجمار كارسون الذي يؤكد من خلال دراسته للظاهرة الأصولية: «خلصت… إلى أن تعاظم الظاهرة الأصولية ليس دليلا على خطة شاملة لاجتياح الغرب تحت راية الحرب الدينية “الجهاد”، إذ ليس هناك ما يدل فعلا على مثل هذه الخطة، …ولذلك لا يمكن الحديث عن نهوض إسلامي عالمي، بل ينبغي القول: إنه من الدار البيضاء إلى ضفاف المحيط الأطلسي غربا إلى “ألماآثا” على حدود الصين شرقا يجري تكوين الحركات الإسلامية على أساس المصالح القومية لدولها. وعليه فالإسلام السياسي ليس واحدا ولا موحدا في مواجهة الغرب ولا يستغل كوسيلة مناورة جيوـ سياسية إنه ظاهرة اجتماعية ذات جذور سياسية داخلية نشأت جراء الهجرة الواسعة من الريف إلى المدن، وتصاعد البؤس، وفقدان الجذور وأزمة الهوية، وانهيار التعليم، والتفاوت الهائل بين الدول الغنية والدول الفقيرة، والتفاوت بين الفئات المرفهة والفئات المسحوقة في هذه المجتمعات»[10] من أهم الموانع، التي تقف في طريق تأسيس حوار ثقافي وحضاري بناء بين الثقافات هو الأحكام المسبقة والمجحفة بخصوص المخالف، ولذلك فإن بناء الثقة بين مختلف الثقافات والحضارات والديانات، أهم الأوراش الفكرية التي ينبغي الاعتناء بها.
هموم الهجرة وجدالاتها
وغير بعيد عن قضايا الحوار تبرز القضية الأخرى وهي قضية الهجرة، التي صارت هما ثقيلا يؤرق الإنسانية كلها، بما تخلقه من جدالات وانشغالات، بالنظر إلى طبيعة القضايا المحيطة بها، والتي تثيرها، والتي تختزل غالبا في المسببات الاجتماعية والاقتصادية والطبيعية؛ لكن أسباب الهجرة في الوقت الراهن تتنوع وتتشعب، وتتخذ أبعادا مختلفة، تتعدى الأسباب التقليدية المعروفة إلى عوامل أخرى ثقافية وجيوسياسية وأمنية، بل هي في نظر البعض وسيلة من وسائل الضغط السياسي والجيوسياسية، التي توظفها الدول للحصول على الامتيازات السياسية والاقتصادية، وممارسة الضغط. [11] وأصبحت عنوانا يسم تنافس القوى الدولية التقليدية وحتى الناشئة؛ في ظل حصيلة النزاعات والحروب والتطاحن السياسي، الذي توظف فيه التكتلات البشرية أداة لإعادة ترتيب الخرائط السياسية، وتقسيم مناطق النفوذ المتصارع عليها وحولها. وهي عوامل تتركز بصورة ملحوظة في مناطق محددة من العالم، والتي يخفي بعضها ـ إن لم نقل كلها ـ صراعا غير أخلاقي بين قوى عالمية حفاظا على التفوق وتوسيعا لمناطق النفوذ، ومجالات اقتصادية وسياسية أوسع، وعن مصادر الطاقة والمواد الأولية ذات الأبعاد الاستراتيجية في المستقبل القريب والبعيد.
وبكلام آخر؛ تشكل الهجرة في الوقت الراهن، قضية نقاش واسع وجدل لا يتوقف، الأمر الذي يؤكد جسامة الهم الذي تفرضه على الواقع الدولي بمختلف مستوياته، وبدرجة أكثر إلحاحا على النظر الفكري المعرفي، بحثا عن الأجوبة، واقتراحا للحلول ودراسة للأوضاع.
تبوأت الهجرة في ضوء طبيعة القضايا، التي تفرزها مكانة معرفية تتقاطع فيها مختلف التصورات والأفكار والنظريات، وتتجادبها كل مجالات العلوم الاجتماعية والانسانية؛ فعلم الاجتماع قد يرى أنه الأجدر بالاهتمام بالهجرة نظرا لغلبة أبعادها الاجتماعية، في الوقت الذي قد ترى فيه الفلسفة أن دورها أكثر أهمية، نظرا للبعد العقلاني، الذي تضطلع به ويطبع مجالها، والذي يتيح لها صياغة قضايا الهجرة ببعد عقلاني، يحصل حوله الإجماع المعرفي، لأن الفلسفة تستخلص الحقائق العامة المطلقة من الوقائع الجزئية والخاصة. وبالإلحاح نفسه سينظر الحقل الديني، لأن أحد أهم قضايا الهجرة مرتبطة بوجه من الوجوه بالدين ومشكلاته.
إن قضية الهجرة مفتوحة على قضايا كثيرة، ومن أهمها، قضية العلاقة بين مكونات المجتمع الدولي في الوقت الراهن، وحقيقة مواقف الأمم والشعوب والتكتلات العالمية الاقتصادية والقومية والأيديولوجية والثقافية، ونواياها تجاه بعضها البعض، وبمستطاع الدارس الوقوف من خلال هذه الزاوية على حقيقة العلاقة بين الثقافات، وعلى طبيعة دعوات الحوار والتفاهم، وحقيقة الصراع الحضاري والمواجهة الثقافية، ومستويات التثاقف، وعلاقات محاولات نفي أو اجتثاث نماذج حضارية أو ثقافية، و فرض أخرى.
وكيفما كانت طبيعة التصورات والرؤى، التي يمكن رصدها بخصوص القضية، فإن الأبعاد المعرفية تبقى واعدة بالنظر إلى كون القضية قضية إنسانية لا تتوقف عن إعادة إنتاج أسئلتها، وإشكالاتها تبعا لتقلبات الواقع، وهذا هو صلب تميز الحقول المعرفية المتصلة بالإنسان في مقابل مجالات العلم البحث أو الصرف. [12]
الخصوصية الثقافية والأبعاد المفهومية
مجال العلم ليس حكرا على أحد أو طرف دون الآخر، ولا على أمة دون أخرى، أو شعب دون آخر، عكس المكون الثقافي، فهو يختلف إذ لكل «أمة خصائصها الثقافية المستمدة من تاريخها وحضارتها ومقوماتها، وثقافتنا الإسلامية تختلف في أصولها وجذورها عن غيرها من الثقافات الأجنبية، وإن كانت تلتقي معها، ولربما تعطيها وتأخذ منها في دائرة الحفاظ على المقومات الأساسية التي قامت عليها وهي الدين والأخلاق، وصيانة المثل العليا في الحياة، فهي بذلك تختلف عن الثقافة الغربية القائمة على أسس مادية صرف»[13] وقد يعسر في الوقت الراهن إنكار تفوق الثقافات الغربية، علميا واقتصاديا وصناعيا وحتى سياسيا وفي مجالات أخرى، لكنه تفوق يرتكز على أساس مادي صرف، يلغي المعنى الروحي وأبعاده. لقد نبذت هذه الثقافات خلفها كل أشكال السلطان الروحي أو الديني، واعتبرت ذلك في كثير من الأحيان مجرد أوهام يستحيل إثباتها. وغير خاف؛ ذلك النضال الذي انخرط فيه جملة من المفكرين الفلاسفة واللاهوتيين منذ منتصف القرق الخامس عشر من أجل الفصل بين المعتقد والحياة الروحية للأفراد وحياتهم المادية والواقعية.[14] يتلخص الرقي لدى هذه الثقافات في الرقي المادي، وتطوير الحياة الدنيوية، وتيسير الانتفاع بها إلى أقصى حد دون استحضار لأدنى مقومات سلطة الأخلاق وتوجيهها، وهذا هو صلب الاختلاف بين الثقافة الإسلامية والثقافة الغربية، ومكمنه.[15]
قد يبدو هذا الكلام لدى البعض مجرد حكم قيمة غير مؤسس على أساس علمي، أو على الأقل قد يبدو حكما عاما لا يتجاوز كونه خطابا عاطفيا متحاملا، يوجهه شعور الانتماء الثقافي والروحي والديني، والتعصب لهذا الانتماء، ولتجاوز هذا اللبس ينبغي القيام بمفهمة الثقافة الإسلامية من جهة، ومفهمة الثقافة الغربية من جهة أخرى.
المراد بالمفهمة في هذا السياق، هو تناول الأبعاد الفكرية واللغوية والاصطلاحية لمفهوم “الثقافة” غير مفصول عن الصفة، وغير مفصول كذلك عن الموجهات الفكرية والخصوصيات الدقيقة، التي تحدد التمايز وتطبعه.
يكتسي المنطلق الفكري للمفهوم أهمية دقيقة في تحديد الأبعاد والدلالات وبيانها، ولعل أهمها؛ هو الإلحاح على أن نقل دلالة مفهوم ما من مجال فكري أو ثقافي أو فلسفي إلى مجال وواقع آخر مختلف، والعمل على غرسه في تربة غير تربته، هو نوع من الاستلاب، إن لم يكن هو الاستلاب عينه، وأصل بداية الالتباس الفكري، وضبابية الرؤية وضياعها. من هنا وجب تحديد بعض المفاهيم، لكن ليس بمنهاج أفقي أو وصفي كما سارت عليه دراسات عديدة، بالحرص التي على تتبع دلالات المفاهيم لغويا ثم اصطلاحيا، ولكن من خلال إبراز جوهر المفهوم المتداول في الخطابات الفكرية المختلف، أي في ضوء الجوهر الذي يمارس سلطة على الوعي، وما يبدعه التفاعل الإنساني و الوجود في أبعاده المختلفة المعنوية والواقعية.
في ضوء ما تقدم؛ فإن الثقافة الإسلامية تضع المتأمل، الذي يروم التحديد أمام مفهوم مركب، تركيبا وصفيا، أي أمام مفهوم مكون من عنصرين، بل من مفهومين هما الثقافة من جهة، والإسلام من جهة أخرى، أولهما موصوف وثانيهما صفة. بعبارة أخرى أولهما مخصوصا والثاني هو الخاصية.
يعتبر النحاة والبلاغيون أسلوب الوصف من أساليب التخصيص،[16] أي تخصيص الموصوف، وفي هذا المقام تكون الثقافة هي المكون الذي يجري تخصيصه، وقد يبدو هذا الكلام نوعا من الترف، الذي لا يضيف شيئا، لكن هذا الغموض يزول عندما يتم التركيز على البعد الدلالي والمعنوي والاصطلاحي للإسلام. وكذلك الغرب.
والأمر نفسه يقال بخصوص الثقافة الغربية، إذ يطلب مفهوم الغرب كذلك التحديد، لأن الغرب ليس كيانا واحدا متجانسا بل هو متعدد، ومقومات تحديده تتباين، بين الفكري والتاريخي، والاقتصادي والجغرافي؛ وهي تثير في الوقت نفسه استفهاما حول طبيعة محددات الإنجاز في ضوء العلم الحديث وما يحققه من تقدم وتطور مطرد لا يتوقف، ناهيك عما يثيره مفهوم الثقافة في المرجعية الغربية من أبعاد تختلف دلاليا ومعجميا عما هو موجود في الفكر الإسلامي.[17]
الإسلام اسمٌ على دين ونعت وعنوان، وعلى منظومة من القيم الأخلاقية الموجهة إلى الإنسان من أجل الارتقاء بسلوكه وتصرفاته والسمو بوعيه، وربطه بمصدر مفارق وسلطة مطلقة هي مصدر الوجود، وفق منهج محدد. وهذا هو صلب ما يحرص الخطاب القرآني على إبرازه، لأن الدين عند الله هو الإسلام؛ فالإسلام هو عنوان الدين الرامز إلى المنهج، الذي يضمن للإنسان الانسجام المعنوي والمادي مع كل مكونات هذا الوجود، ومع خالق الوجود.
من هنا؛ إن الدين ليس هو ما أرسل به محمد صلى الله عليه وسلم فقط، بل هو كل الأديان السماوية، التي تكلف رسل الله عليهم السلام بتبليغها لبني البشر، خصوصا نبي الله موسى ونبي الله عيسى عليهما السلام، دون صرف النظر عما يخبر به الخطاب القرآني ويؤكده، بخصوص التحريف الذي لحق رسالتيهما.
تبدو الصورة غامضة في هذا المستوى حول مفهوم الثقافة الإسلامية من جهة، ومفهوم الثقافة الغربية من جهة أخرى. فهل الإسلامية باعتبارها صفة وتخصيصا، تحضر بالبعد الذي يحيل عليه مرتكز كون الدين عند الله الإسلام، أم تحضر ببعد آخر مختلف وحادث، هو ما حققه تراكم السلوك الإنساني ثقافيا وحضاريا في ضوء الإسلام باعتباره دينا. الغالب أن البعدين مختلفين، وهذا الاختلاف في المقدمات يقتضي تباينا في النتائج والمحصلات.
الثقافة والهوية، الثقافة والحداثة:
قضية الثقافة الإسلامية موصولة بقضايا الهوية وبقضية الحداثة، وهي صلة كانت دائما وما تزال مثار جدل بين حقيقة الهوية الإسلامية وقضية الحداثة، وخاصة بالنسبة لمن ينظر للحداثة من زاوية الأخلاقية الدينية، والقيم عموما، وليس القيم الدينية فحسب، فدعاة الحداثة باعتبارها نزعة إنسانية يقدسون الإنسان ويرفعونه إلى مستوى التأليه، واعتباره مركز الكون وعلته بعيدا عن الرؤية الدينية – وخاصة نظرة الديانات السماوية – التي تعتقد أنه مخلوق من مخلوقات الله تعالى.[18] وعلى هذا الأساس اعتبرت الحداثة وما تأسس عليها من قيم، أَسَاسَ الفكر الغربي الحديث، وأفضل ما توصل إليه العقل البشري، من وجهة نظرها بالطبع.[19] ويرى طرف آخر أن الحداثة طمست الهوية الإنسانية وفرضت هويتها، وغيبت كل السمات الروحية والفكرية والقومية، التي تميز جماعة عن أخرى.[20] وابتدعت الليبرالية وجها سياسيا لها منذ أن تبلورت شخصيتها الفكرية التي تدعو إلى التحرر المطلق، إلغاءً لكل ما تتمايز به الإنسانية ثقافيا، في ظل كون الثقافي هو أساس التمايز، وعلة تفرقها إلى جماعات وطوائف متناحرة، وسبب استفحال نزعة الحروب بينها.[21] وبعبارة أخرى لقد سعت الحداثة منذ مرحلة تبلورها في القرن الخامس عشر إلى بلورة رؤية خاصة للإنسان، هي الرؤية الحداثية التي تفصل الإنسان عن جذوره الثقافية. لأن الجذور الثقافية من هذا المنظور كانت دائما سبب الصراعات والنزاعات حسب منظور عدد من فلاسفة النهضة ودعاة الحداثة. لقد تربعت الحداثة منذ تبلورها على عرش التبشير بعهد يركز فيه على جوهر الإنسان بما هو كيان مادي، مفصول في الوقت نفسه عن الثقافي بكل مكوناته، وخاصة الأخلاقية الدينية، ومفصول عن كل روحانية لاستحالة تأكيد حقيقتها عقلانيا. لكن وجب الإشارة في هذا السياق إلى تلك الفظاعات، التي اقترفتها اللبرالية باسم الحداثة في حق ثقافات كثيرة اعتبرتها بدائية ومتخلفة لأنها تحول دون بسط الإنسان سلطته المطقة في الزمان والمكان.
لكن؛ ألا يعد هذا المنزع في حد ذاته منزعا ثقافيا، يلغي كل الأصول أو الجذور الثقافية ما قبل حداثية، ليؤسس نزعة أخرى، هي في الأصل نزعة ثقافية أخرى، هي الحداثة، بمعنى أن الحداثة هي في جوهرها نزعة ثقافية تقدس العقل وتمجد التجربة والواقع. لكنها في الوقت نفسه سمحت لنفسها باسم العقلانية وباسم اللبرالية الدوس على الخصوصيات والدوس على القيم. والأغرب أن هذه الفظاعات قد تمت باسم الدين في بعده الكنسي التبشيري، فقد أعطى الفكر اللاهوتي الكنسي للحداثة المبررات الأخلاقية لتنفيذ رؤيتها في أماكن كثيرة من العالم، وفي مقدمتها معاداة الدين، وخاصة معاداة الإسلام بتوظيف تراث لاهوتي مسيحي خفي.[22]
يورغن هبرماس والنقد الناعم للحداثة
ينعت تصور هابرماس في نقده للحداثة بكونه تصورا ناعما، لأنه يعد الحداثة وأداتها التنويرية التحريرية قيما ثقافية خاصة تبشر بها، وهو ما يقتضي عدم التنكر للثقافات القائمة في أوربا على وجه الخصوص، وهي ثقافة قائمة على أساس ديني مسيحي كنسي، وهي حقيقة لا تتجاهل، لأنها تستحضر ضمنا ذلك الفساد الثقافي الذي ميز تاريخ الفكر المسيحي الكنسي، والذي أسهم في بلورة مختلف الأفكار المناوئة للدين في أوربا عصر النهضة.
يمكن القول بنوع من التركيز؛ إن الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس الذي جعل من نقد الحداثة اهمامه المقدم عن كل الاهتمامات الأخرى، قد ركز على التعامل مع الحداثة من زاوية الثقافي، وخصص للدين بصورة عامة حيزا مهما في رؤيته الفلسفية، وسعى إلى إظهار «الإشكال الملح والمعاصر لوضع الدين في المجتمعات المعاصرة، وما الذي يستوجبه ذلك الحضور والوضع من تأويلات لمقابلاته مع السياسة والثقافة والحالة الاجتماعية. ولأجل ذلك عمد إلى أن يجعل من خطاب الحداثة إطارا يضمن كل من محتوى الدين والعلم، وتلك هي إشكالية».[23] ولذلك، فإن تفاعل العالم الذي تسود فيه ثقافات أخرى ذات خلفية دينية، كما هو الحال في العالم الإسلامي، ينبغي استحضار هذا البعد، لأن القيم الثقافية في ظل الجذور التي تنتمي إليها وتحيل، لم تتعرض للتشويه، ولم تكن في يوم من الأيام عرضة للتحريف. ووجب التنبيه في هذا الصدد إلى أن الأمر هنا لا يتعلق بالفهم البشري وتأويلاته، فهذه قد تتسم بالفهم المنحرف وكذلك بالتأويل الفاسد، أو حتى بالتشويه، بل إن الأمر متصل بمرتكز يؤكده الخطاب القرآني.
إخفاق الحداثة في خلق التجانس العقلاني
إن البحث عن تجانس ثقافي بتوظيف بعض آليات الحداثة كالديمقراطية اصطدم وما يزال بالعديد من الصعوبات، وهو ما أدى إلى بروز قضية التعدد الثقافي التي فرضت نفسها حَقِيقَةً لا يمكن إغفالها. لقد بشرت الحداثة بالعقلانية، وتبنت العلم الطبيعي مصدرا وحيدا للحقيقة، واحتضته تعبيرا يجسد هذه العقلانية، وهو العامل نفسه الذي فرض على الحداثة إنكار الثقافي لأنه غير عقلاني، واستحالة النفاذ إلى بعض المسلمات الثقافية وخاصة المسلمات الدينية[24] من زاوية العقلانية وزاوية العلمية.[25]
الأزمنة الحديثة جعلت التفكير الفلسفي يتصور جوابا بخصوص اندراج الثقافة ضمن الموضوعات الفلسفية، لأن الثقافة هي النمط الوجودي الخاص بالإنسان. «فالوجود البشري في جوهره وجود ثقافي، وكل الأبعاد الأخرى التي يتكون منها هذا الوجود(البيولوجية، السيكولوجية، الاجتماعية، السياسية) هي تابعة للبعد الثقافي»[26]
يعود مشروع عودة الثقافي إلى حضن مباحث الفلسفة إلى واقعة لقاء الفلسفة بالحداثة في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، حيث كان ذلك إيذانا بتشابك العلاقة بين الفلسفي والثقافي.[27] هو ما أثر في طبيعة الثقافة وحول طبيعتها لأن تصير مبحثا فلسفيا أو تتصف بخصائص الفكر الفلسفي من وحدة وشمولية ومساواة وحرية وعقلانية.[28] يقول محمد المصباحي في هذا الإطار: «وهذا هو ما يفسر إعلان الفلسفة بأن التنوير هو أفقها الأعلى، إذ بفضل تستطيع تحقيق وحدة البشرية وإجماعا على القيم التحريرية، عن طريق درعه السياسي، اللبرالية. وهذا ما يدفعنا إلى تعريف التنوير، بما هو حداثة، بأنه ثمرة سريان النفس الفلسفي في الثقافة»[29]
يؤكد محمد المصباحي أن الفلسفة تهتم باستخلاص الحقائق العامة المطلقة [30] من الوقائع الجزئية والخاصة «وصياغتها صياغة كلية وضرورية في مفاهيم ومبادئ ومقولات نظرية. وحتى عندما تهتم الفلسفة بأمور العقل العملي، كالسياسة والأخلاق، فإنها تروم صياغة قواعدها ومعاييرها صياغة كلية جازمة نابعة من مبادئ عملية…»[31] ومعني هذا أن الفلسفة توجه خطابها للإنسان بما هو إنسان بغض النظر عن انتماءاته الاجتماعية أو الثقافية أو الزمانية.
الجوهر الديني يطبع الثقافة
يعد الدين خارج الحداثة أحد أهم مكونات الثقافة، فهو يسهم بصورة عميقة في طبع الثقافة بطوابع خاصة لا تنمحي، ومن هذه الزاوية يحرص على اعتبار اللغة مكونا قويا من مكونات الثقافة،[32] وتكمن دلالة ذلك في ضرورة النظر إلى الدين واللغة وكأنهما شيء واحد، وأحد أهم الأسس، التي تطبع الشخصية الثقافية، إذ: «ينبع مفهوم “الثقافة” في اللغة العربية من الذات الإنسانية ولا يغرس من الخارج، ذلك لأن الثقافة تتفق مع الفطرة، وأن ما يخالف الفطرة يجب تهذيبه، فالأمر ليس مرده أن يحمل الإنسان قيما – تنعت بالثقافة – بل مرده أن يتفق مضمون هذه القيم مع النظرة البشرية.. ومفهوم “الثقافة” في اللغة العربية يعني البحث والتنقيب والظفر بمعاني الحق والخير والعدل، وكل القيم التي تصلح الوجود الإنساني، ولا تدخل فيه تلك المعارف التي تفسد وجود الإنسان، وبالتالي ليس أي قيم وإنما القيم الفاضلة، أي أن من يحمل قيما لا تنتمي لجذور ثقافته الحقيقية فهذه ليست بثقافة وإنما هي استعارة وذوبان في قيم الآخر»[33] هذا هو المنظور الغالب لدى أنصار التأصيل الذين يعتبرون الدين وكذلك اللغة من مرتكزات الثقافة لارتباطهما القوي بالدين ، بل يعدون ذلك مدخلا إلى الهوية التي يصعب، بل يستحيل حجبها. أي يصعب حجب كون اللغة مكونا من مكونات الثقافة بما هي هوية.
من هنا اعتبرت الثقافة هي كيان الأمة، يقول محمود محمد شاكر بأن الثقافة تكاد «تكون سرا من الأسرار الملثمة في كل أمة من الأمم وفي كل جيل من البشر. وهي في أصلها الراسخ البعيد الغور، معارف كثيرة لا تحصى، متنوعة أبلغ التنوع لا تكاد يحاط بها، مطلوبة في كل مجتمع إنساني للإيمان بها أولا عن طريق العقل والقلب، =(كذا) ثم للعمل بها حتى تذوب في بنيان الإنسان وتجري منه مجرى الدم لا يكاد يحس = ثم للانتماء إليها بعقله وعقله وخياله انتماءٌ يحفظه ويحفظها من التفكك والانهيار، وتحوطه ويحوطها حتى لا يفضي إلى مفاوز الضياع والهلاك»[34]
إن الثقافي مكون أساس في الهوية، وهي بهذه الأبعاد لا تغادر الذات أينما حلت، والسعي إلى إلغائها منفذ واسع لخلق التناقض في العلاقات الاجتماعية والنفسية والسياسية، وغيرها، وعلى هذا الأساس وجب الإلحاح على اعتبار الهجرة فرصة وليس إشكالية شريطة أن توظف في الاتجاه الإيجابي.[35]
الهوية: الأبعاد والقضايا والإشكالات
في ضوء ما تقدم؛ تبدو الثقافة الإسلامية مشدودة إلى الهوية، والهوية هي ماهية الشخص وحقيقته، وكل ما يعرف به ويتصف فكرا وعقلا وخُلُقاً وخِلْقَةً؛ فالهوية هي الأبعاد، التي تعين الناس أفرادا وجماعات على تبين ذواتهم، ومن أهم هذه الأبعاد تبرز اللغة والدين باعتباره منظومة أخلاقية وقيمية.[36]
لا تخلو ثقافة من الثقافات المكونة للنسيج الإنساني من سؤال الهوية ونسله. ويرد الاهتمام بقضية الهوية في الوقت الراهن إلى واقع العولمة الثقافية وما أنتجته من تضييق على الخصوصيات المحلية وإحراجها؛ زيادة على ما تعرفه المجتمعات ومنها مجتمعاتنا من تحولات كبرى في دائرة البحث عن النهضة التنمية والانبعاث.[37] جوهر الهوية هي جملة الخصائص المختلفة، التي تستقل بها الذات عن الآخر، والتي إذا انتفت عرضت الذات للذوبان في الآخر.[38]
بالرجوع إلى المعنى اللغوي لمادة “هوية” فإن أهم دلالة مستخلصة هو العميق الغور،[39] والجذور التي تستند عليها الذات، وترجع إليها، فذات الإنسان المقطوع عن هويته وجذوره، ذات تفتقد بوصلة التوجيه الوجودي. والهوية موصولة بالهوى، أي بما تميل إليه نفس الإنسان وروحه، قال صاحب التعريفات «الهوية الحقيقة المطلقة، المشتملة على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة في الغيب المطلق» وأضاف «والهوية السارية في جميع الموجودات ما إذا (أخذت) حقيقة الوجود لا بشرط شيء، ولا بشرط لا شيء»[40] والهوية كذلك منفتحة على الفلسفة، ولها من هذه الزاوية:
ـ تعريف أول وضعها في مقابل لفظة Identité الفرنسية وIdentity الإنجليزية و Identitas اللاتينية.
ـ وتعريف ثان يضعها مقابل (مبدأ)،[41] ويعنى ذلك أن مكونات الاشتراك بين دلالة المفهوم في العربية، ودلالتها في اللغات الغربية بارزة، الأمر الذي يؤكد أن كل الثقافات متصلة ببعد هوياتي يطبع شخصيتها.
مفهوم ” L’identité “مأخوذ من المفهوم اللاتيني “identitas” الدال على “الكيف الذي يجعل من الشيء الشيء نفسه” والمشتق من “idem” ويعني “الشيء نفسه”، ويوظف بمعنيين، عام وخاص، فأما العام فيتمثل في الدلالة على الإحساس بالذاتية واعتراف الغير بهذه الذاتية، وأما المعنى الآخر فهو معنى منطقي ويدل على علاقة التكافؤ والتساوي بين أمرين لا يتميز أحدهما عن الآخر، ويمكن لأحدهما أن يقوم مكان الآخر. [42]
واسم هوية ليس عربيا في أصله، ذكر ذلك ابن رشد، الذي يقول: «وإنما اضطر إليه بعض المترجمين، فاشتق هذا الاسم من حرف الرباط، أعني الذي يدل عند العرب على ارتباط المحمول بالموضوع في جوهره، وهو حرف هو في قولهم زيد هو حيوان أو إنسان»[43].[44]
ولفظ هوية مرادف لاسم الوحدة والوجود، كما يفسر ابن رشد، واستشهد بما قاله الفارابي في كتاب التعليقات، وقال: «هوية الشيء وعينيته ووحدته وتشخصه وخصوصيته ووجوده المنفرد له كل واحد. وقولنا: إنه هو، إشارة إلى هويته وخصوصيته ووجوده المنفرد له، الذي لا يقع فيه اشتراك.»[45] ويقول (أقصد الفارابي): «الهوهو معناه الوحدة والوجود. فإذا قلنا: زيد هو كاتب؛ معناه زيد موجود كاتب»[46]
ومفهوم “الهوية” عند القدماء عدة معان، هي التشخص، والشخص نفسه، والوجود الخارجي، يقول أبو البقاء في بيان المراد بالهوية: «… لفظ الهوية فيما بينهم يطلق على معان ثلاثة: التشخص والشخص نفسه والوجود الخارجي. قال بعضهم ما به الشيء هو هو باعتبار تحققه يسمى حقيقة وذاتا، وباعتبار تشخصه يسمى هوية، وإذا أخذ أتم من هذا الاعتبار يسمى ماهية، وقد يسمى ما به الشيء هو هو ماهية إذا كان كليا كماهية الإنسان، وهوية إذا كان جزئيا كحقيقة زيد، وحقيقة إذا لم يعتبر كليته وجزئيته، فالهويتان متلازمتان صدقا، والماهية باعتبار الثاني أخص من الأول، والحقيقة بالعكس. وقال بعضهم: الأمر من حيث مقول في جواب (ما هو) يسمى ماهي، ومن حيث ثبوته في الخارج يسمى حقيقة، ومن حيث تميزه عن الأغيار يسمى هوية، ومن حيث حمل اللوازم يسمى ذاتا. ثم الأحق باسم الهوية من كان وجود ذاته من نفسها وهو المسمى بواجب الوجود المستلزم للقدم والبقاء».[47] وتركيزا على تعريف أبي البقاء يظهر أن التميز ضرورة لا يمكن أنكارها، وهو ينقسم إلى تميز خاص بالفرد في حد ذاته، وإلى تميز عام تشترك فيه جماعة واسعة، وهو تميز تحدده المشارب الثقافية التي أثرت في الذوات الفردية والجماعية، ويوجد الدين واللغة وكل العناصر المكونة للوعي الجمعي وللشعور الجماعي ضمن أسسها.
ويذكر المعجم الفلسفي، الذي نشره مجمع اللغة العربية، في جمهورية مصر العربية، وجود حقل فلسفي يطلق عليه فلسفة الهوية philosophie de l’identité وهي حسب المعجم؛ وبوجه عام، كل نظرية لا تفرق بين المادة والروح، ولا بين الذات والموضوع، وتنظر إليهما على أنهما وحدة لا تنفصل. وهي عند شيلنج مذهب يقرر أن الطبيعة والروح في جوهرها شيء واحد هو المطلق.[48] وهو ما يؤكد بأن الهوية هي قضية الفكر الإنساني كله، ويؤكد عمق ارتباط الإنسان أفرادا وجماعات بجذور ثقافية ينتهي إليها.
ومما يضيفه هذا المعجم بوضوح جلي هو حديثه عن “مبدإ الهوية”وهو «مبدأ يعبر عن ضرورة منطقية تقضي بأن يكون كل معنى يتصور على أنه عين ذاته، فلا يتغير بحال، وما هو صادق دائما في مختلف الأحوال. والموجود هو ذاته دائما. فلا يختلط به غيره ولا يلتبس به ما ليس منه، ويسمى مبدأ وحدة الذات»[49] وقد لخص هذا المعجم دلالة مفهوم هوية أو دلالة هذا المصطلح بالقول: الهوية «حقيقة الشيء من حيث تميزه عن غيره وتسمى كذلك وحدة الذات»[50] فالهوية صفة لما يميز عن الأغيار، وهذه الدلالة بالغة الأهمية في قضية حوار الثقافات والأديان، وقضية الحوار بصورة عامة، وتبدوا القضية أكثر إلحاحا بالنسبة، للذات المهاجرة في أوربا.
الهوية Identité أمر تشترك كل الأمم والشعوب الشعور بها، فلكل أمة، ولكل شعب، ولكل ثقافة هوية وجذور ترجع إليها، وثقافة تتموقع في العالم من خلالها، وتحرص على الانتماء إليها، وكما عرف الحقل العربي الهوية عرفتها مختلف الحقول المعرفية الغربية، معجميا واصطلاحيا واجتماعيا وثقافيا وفكريا، فجميع الحقول المعرفية اهتمت بقضية الهوية ليس فقط على المستوى التعريف، بل تجاوزت ذلك وبإلحاح إلى مناقشة مختلف الأبعاد الفلسفية والاجتماعية والثقافية بل حتى السياسية التي تثيرها قضية الهوية. بعبارة أخرى؛ إن الفكر الغربي قد اهتم وما يزال يهتم بقضية الهوية، ويعقد لها حيزا مهما في أدبياته الأمر الذي يؤكد وجودها في صلب التفكير الغربي، ويؤكد في الوقت نفسه حرصه على النظر إلى الهويات الأخرى من زاوية هويته الخاصة. وهذا هو صلب الإشكال، الذي لم يستطع الفكر الغربي المعاصر، المتعصب للمركزية الغربية التخلص منه في تعامله والهويات الأخرى، وخاصة الهويات المهاجرة.
وغير خاف أن بعض هذه الهوية قد يكون حادثا في ظل التحولات الكبرى التي أوجدتها الحداثة، لكن قدرا آخر أكثر أهمية تعود جذوره إلى التاريخ وإلى الجذور الدينية، والمتمثلة على الخصوص في التراث اليوناني، وفي الإرث المسيحي بما يمثله من فكر لاهوتي، ولا يخفى في هذا المقام التأثير الذي أثرته الثقافة الإسلامية بصورة أم بأخرى في الفكر الغربي وفي الهوية الغربية.
ذات المهاجر والتمظهر الديني
لا يخفى ما باتت تحتله قضية الهجر من عبء على الإنسانية كلها، لأن قضايا الهجرة قضايا كثيرة ومتعددة ومتشعبة بما تثيره للأمم والشعوب من هواجس أمنية وثقافية واقتصادية. والهجرة متصلة بالهوية لأن المهاجر كما سلف الذكر حين يهاجر يحمل معه ثقافته ويحمل معه هويته، فالمهجر عندما ينتقل إنما ينتقل إلى واقع آخر ذي هوية وقيم ثقافية محددة ضاربة هي الأخرى في الجذور الثقافية، دون إغفال حقيقية الهويات المصطنعة في بعض البلدان الأكثر جلبا للمهاجرين وخاصة الغربية منها، والأكيد أن الوعي الغربي يبدو اليوم أكثر تشبتا بهويته وهو يعمل على الدفاع عنها، ويؤكد كلما أتيحت المناسبة لذلك طبيعة هويته وإصراره على عدم التنازل عنها، بل ونجده يعبر صراحة بأنه مستعد للدفاع عن هويته بكل السبل المتاحة بما في ذلك الخيارات العسكرية، والأزمة الأكرانية خير دليل على ذلك.
الهجرة في بعدها الفعلي، أو العملي مارسها الإنسان منذ فجر التاريخ؛ فلقد عاش الإنسان القديم الهجرة ومارسها بفعل عوامل كثيرة وبتأثير أسباب عديدة، وتاريخ الهجرة يجسد تاريخ إعمار الأرض وبناء الحضارة، بل إن في كل حضارة وفي كل مرحلة تاريخية توجد عنصر هجرة أثر بكثير أم بقليل في طبيعة تلك الحضارة. واليوم تبدو الهجرة أكبر إشكال يواجه الحضارة المعاصرة، والخوف من نتائج الهجرة هو خوف من المخاطر التي تهدد الهويات الحضارية، قد تكون اقتصادات الدول المتقدمة والتي هي هدف الهجرة وخاصة الهجرة غير الشرعية في حاجة للقوة العاملة التي تحتاجها الآلة الصناعية والآلة الاقتصادية، وتحتاجها مجالات أخرى دون تكاليف باهضة، مقارنة بما تتطلبه اليد العاملة القانونية، ورغم ذلك فإن الخوف الأكبر من الهجرة غير القانونية يأتي مما تشكله الهجرة من تهديد للهوية المحلية.
في ضوء ما تقدم؛ تثار بعض الأسئلة من قبيل هل التمظهر الديني سمة ثقافية، وهل الهوية تقتضي التمظهر الديني، أي الحرص على تمثيل الهوية الدينية بكل تجلياتها في المهجر؟ وألا يشكل ذلك عائقا في طريق التواصل والحوار؟
تحمل القضية بعدا إشكاليا، لارتباطها بسلطة خفية تمارس تأثيرا وتوجيها بصورة أم بأخرى، وهذه السلطة هي سلطة الهوية والجذور الثقافة؛ يستوي في ذلك كل الهويات الإنسانية وكل البشر كما سلف الذكر، فتشبت المهاجر المسلم في بلد هجرته الأوربية بهويته على سبيل المثال، وثقافته والاستمات في ذلك (دون عنف بالطبع)، يقابله حرص طرف آخر أكثر حرصا على هويته وأكثر حرصا على إخضاع كل مكونات المجتمع لمرتكزاتها، والراجح أنها في الغالب هوية حادثة، لأنها قامت على أثر تهميش وحتى إلغاء هوية سالفة أو هوية تاريخية كالهوية المسيحية، التي تأبى أن تنمحي باعتبارها خصوصية، رغم كل ما بشرت به الحداثة من عقلانية وليبرالية وحرية وديمقراطية، في حضور الآخر المختلف الذي يقتسم المجال المجتمعي ويطالب بالحقوق باسم العقلانية والحرية والديمقراطية.
يرى بعض أهل الاختصاص أن الغرب، وخاصة الغرب الأوروبي هو من يصنع متطرفيه، فهوية فرنسا العلمانية على سبيل المثال، لم تتأثر رغم ضخامة أعداد المسلمين المقيمين على أرضها، نظرا لفشل سياسة الهجرة والاندماج، ولا يتعلق هذا بفرنسا وحدها، بل كل دول أوربا الغربية.[51]
قد يبدو الشعور القومي أحد سمات الهوية التي تطفو إلى السطح كلما أتيحت لها فرصة الطفو والبروز، ففي كأس العالم الأخير في قطر شكل الإنجاز الكروي للمنتخب المغربي مثيرا لمشاعر الانتماء الثقافي ومثيرا للهوية القومية، حتى بالنسبة لأولئك الذين ولدوا في دول غربية في أوربا وفي أمريكا، فقد وجد بعضهم أنفسهم مدفوعين إلى التفاعل بكل حماس مع ما حقق. وقد يكون الدين باعتباره مكونا من مكونات الهوية سببا من أسباب هذا التفاعل. لكن وجب التنبيه إلى أن عددا واسعا من ذوي الديان المسحية العرب قد تفاعل التفاعل الإيجابي نفسه، الذي تفاعل به المسلم، ليبرز بصورة قوية عامل الشعور القومي، باعتباره مكونا هوياتيا يتجاوز الهوية الدينية في بعض الحالات.
هذه الملاحظات تدفع إلى التساؤل بخصوص الطابع الهوياتي، الذي يمكن النظر منه لقضية الهجرة ولذات المهاجر من خلال سؤال كبير هو: كيف ينظر إلى بعض مكونات الهوية وخاصة اللغة والدين في بلد الهجرة، خاصة عندما يتعلق الأمر ببلد تسوده لغة أخرى، كما هو الحال في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية؟ لا يمكن في هذا المقام الحسم في تقديم جواب مقنع لأن القضية تحتاج دراسة علمية ذات أبعاد مختلفة اجتماعية ونفسية ولسانية وثقافية، وحتى سياسية تدرس مدى تأثير إلغاء أو استعمال لغوية الهوية أو لغة ذات المهاجر في الحياة الاجتماعية للمهاجرين في بلد الهجرة.
الهوية المتحدث عنها هي الهوية المتصلة بالدين عموما وبالإسلام على وجه التحديد، ولا يخفى أن عمق الأزمة التي يعيشها المهاجر إلى أوروبا متصلة في بالهوية، التي تأبى الذوبان وتأبى الانحاء، وتأبى التهميش، وتأبى الإلغاء.
وحتى إذا فرضنا جدلا، بأن ذات المهاجر قد تميل إلى إخفاء أو حتى إلغاء مكونات الهوية بالنظر إلى ما يفرضه واقع بلد الهجرة وخاصة في أوربا من شروط، فإن نظرة الآخر أو الهوية المضادة تستحضر دائما مكونات الهوية في التعامل مع المهاجر، وهو ما يعني منهجيا استحضار طبيعة نظرة الآخر الغربي لتلك الذوات، التي انتقلت للعيش في العالم الحداثي والديمقراطي، الذي بشر بالحرية وضرورة احترامها في الاعتقاد والتدين. فهل يحق لدول الاستقبال باسم السياسي والثقافي والأيديولوجي، وباسم حق المواطنة التدخل في الخصوصية الثقافية، والسعي إلى التحكم فيها ثم توجيهها تجاه ما يخدم المصالح، ويتحكم في الهواجس الثقافية، ويضبط الانشغالات الأمنية والسياسية على وجه التحديد، مرورا بما تتسم به هذه النظرة من شيطنة واتهام لذات المهاجر وما يمثله من انتماء ثقافي، في ضوء الأحكام الشمولية المغرضة في التطرف في بعض الأحيان، والتي قد تلصق يافطات وعبارات مسكوكة بالإسلام من خلال خطابه القرآني على أنه دين عنف[52] على سبيل المثال، وبأن كل مسلم إرهابي في حالة انتظار.[53]
الهوية واللغة:
لقد ارتبط الإسلام ـ كما سلف الذكر ـ بالمكون اللغوي ارتباطا وثيقا، من خلال نزول القرآن الكريم باللغة العربية باعتبار ذلك لسان محمد صلى الله عليه وسلم وعلى أساس ما يخبر به القرآن الكريم في مواضع كثيرة بكون كل الرسل إنما بعثوا بألسنة ألأقوام الذين بعثوا إليهم، ولقد بعث محمد بلسان قومه وهو اللسان العربي، وهو تشريف للغة العربية، بكونها اللغة التي بلغ بها الرسول المبعوث رسالة ربه، وبكونها صارت لغة المكون الهوياتي الذي طرأ على من بعث فيهم محمد صلى الله عليه وسلم يقول عبد العلي الودغيري:«لقد أكرم الله تعالى اللغة العربية ورفعها إلى مقام الشرف الأعلى حين أنزل بتا كتابه الذي لا يأتيه الباطل من خلفه ولا من بين يديه. وحين كتب لهذا القرآن الخلود الأبدي وجعله متميزا عن سائر الكتب السماوية بمعجزة أخرى هي معجزة الحفظ من أي تغيير أو تبديل أو تحريف كما حدث لغيره من الكتب والصخف الأولى»[54] إن العلوم التي نشأة على أساس الحفاظ على اللغة العربية ضمانا لتحصين الهوية الجديدة الطارئة في حياة العرب.[55] قد نشأت من رحم الهوية العربية والدينية فهي ليس ناشئة عن تلاقح ثقافي بل نشأن من خلال الروح الإبداعية التي أوجدها القرآن والإسلام. «وأما ما جاء بعد ذلك من العلوم العقلية كالمنطق والفلسفة والجبر والحساب والهندسة والطب والفلك والكيمياء وغيرها، فعي علوم نشأت نتيجة الاحتكاك بثقافات الأمم الأخرى وترجمتها ونقلها»[56] وبصورة عامة لقد أعطى الإسلام والقرآن للغة العربية هوياتيا مهم جدا، وصار ذلك جزءا من هوية أمة هي الأمة التي تدين بالإسلام وتدين بثقافة هذا الدين. إن بناء الهوية أو بناء هوية ما قضية متصلة بالعلاقة التي تتأسس على الذاتي والاجتماعي وفق أبعاد تواصلية بين الفرد والمحيط، واللغة تدخل في أساس هذا التواصل.[57] «تتموضع اللغة الأم في نقطة الالتقاء بين استعداد المرء لاكتساب نظام الرموز، من جهة، وتأثير محيطه الاجتماعي واللساني فيه، من جهة أخرى. والواقع أن هذا الـتأثير يبدأ منذ الولادة، ويستمر في سن الطفولة، ولا تمحى آثار اللغة الأم مهما تغيرت الألسن التي يستعملها المرء عندما يتخطى مرحلة المراهقة»[58] العديد من علماء اللغة يؤكدون على ارتباط اللغة الأم أو لغة الأم بالمكون الثقافي وبالهوية والبنية الاجتماعية، «تعد لغة الأم من اهم الروافد الثقافية ومكوناتها، فعالم الأنتروبولوجيا، إدوراد سابير يدرج اللسانيات وفلسفة اللغة والحياة الاجتماعية في دراسة شاملة للثقافة والهوية والنية الاجتماعية، ويركز على أمرين أساسيين…
الأول …إن اللغة التي تنتمي إلى مجتمع بشري معين، والتي يتكلمها أبناء عذا المجتمع، ويستعملونها للتفكير، هي المنظم لتجربة هذا المجتمع، وهي تصوغ بالتالي “عالمه” “وواقعه الحقيقي”. فكل لغة بالنسبة له تنطوي على رؤية للعالم، وهي بالتالي تتضمن ثقافة مستقلة تشمل رؤية الداخل (علاقة الإنسان بنفسه)، ورؤية الخارج ( علاقة الإنسان بمحيطه)
الأمر الثاني، وهذا يعني أن اللغة مؤسسة ثقافية تختلف باختلاف الشعوب، وتحمل وظيفة أساسية هي وظيفة التواص » [59]
الهوية وقضية حوار الثقافات
في ضوء الملاحظات السالفة وغيرها تثار قضية حوار الثقافات أو حوار الحضارات، ليبرز ذلك السؤال العميق هل هناك حوار حضاري أو ثقافي بين مكونات المجتمع الإنساني في الوقت الراهن؟ لا شك بأن دعوات الحوار والأدبيات الداعية إليه هي من الكثرة والتنوع بحيث لا يمكن القفز عليها ولا تجاوزها، وإلى درجة الجزم بأن الاقتناع بضرورة الحوار قد تجاوز مرحلة الوعي إلى ضرورة تنزيل تلك الدعوات وترجمتها إلى فعل وممارسة وسلوك. لا يمكن في هذا المقام تجاهل تلك الدعوة الصريحة التي دعاها روجي جارودي وجعلها نوعا من الاعتراف بأن الغرب غير مستعد للقيام بحوار ثقافي وحضاري حقيقي مع ثقافة الشرق، ودعوة جارودي لم تكن مجرد دعوة حماسية ولا مجرد أشواق تبحث عن إثبات أمر، بل هي نابعة من تجربة طويلة ومن تطور فكري وفلسفي وعلمي عميق انتهى بالرجل إلى تأكيد ضرورة قيام هذا الحوار.
وأما ما يمكن استخلاصه بخصوص تحول هذه الدعوات وخاصة الصادقة منها، إلى سلوك وممارسة حقيقية وفعلية، فهو تحكم بعض الحواجز التاريخية السياسية بصورة أم بأخرى في تحجر الرؤية تجاه الآخر، وهي في الغالب حواجز دينية؛ يقول عبد الرزاق الدواي: «هل يمكن القول، في هذه مطالع الأولى للألفية الثالثة، إن الحوافز والشروط والإمكانات الكفيلة بخلق وتفعيل وإنجاح مبادرات إقامة حوارات مثمرة ومستمرة بين الثقافات، تتوفر فعلا؟ عند
إمعان النظر في الأمر، يبدو أن تمة عراقيل حقيقية تنتصب أمام محاولات إيجاد أرضية ومبادئ عامة لحوار ثقافي على الصعيد العالمي يقبل بها الجميع، والظاهر أن كل واحد من الكينات الثقافية المتواجدة في عالم اليوم، يتشبث بمنظومته المرجعية والقيمية الخاصة، بدرجات متفاوتة من التطرف، …وأنه بدلا من حوار ثقافي إيجابي ومنتج لا نجد في نهاية المطاف إلا التنافس وصراع المصالح وإلا لغة التعصب والعنف وإرادة التسلط، وبسط الهيمنة»[60]
إن الرؤى الدينية ماتزال مارس تسلطتها الخفية، يستوي في ذلك الشرق والغرب؛ فالغرب الذي حسم موقفه من الفكر الديني الكنسي، وخاصة المتحجر منه والمتطرف في نظرته للإنسان نظريا وعمليا، لم يستطع مع ذلك التخلص من تلك السلطة الخفية، أو من سلطة الهوية الدينية التي ماتزال قادرة على التأثير في رؤية الغرب الراهن في ظل الحداثة وأبعادها المختلفة. وبعبارة أخرى إن علاقة ذات/آخر شمال/جنوب وشرق/غربي مازالت واقعة تحت أثر سلطة الديني، رغم محاولات التصحيح التي دعت إليها الكنيسة. والقول بأن الثقافة الإسلامية أو الحضارة الإسلامية.[61] تستحضر إشكالا مهما وهو هل تأثير الثقافة الغربية في الثقافة الإسلامية يلغي البعد الإسلامي في هذه الثقافة. [62]لقد فرضت الظروف العامة، التي فرضت على الفكر الإسلامي في ظل ما آل إليه واقع المسلمين من توقف ملكة الابداع والتجديد لديهم ومواكبة التحولات التاريخية التي عصفت بعالم المسلمين بفعل تأثير عوامل كثيرة، بعضها داخلي ذاتي وبعضها خارجي، لكن ذلك كله لم يمنع الثقافة الإسلامية والفكر الإسلامي من الانفتاح على رؤى أخرى وعلى ثقافة أخرى، وهذا أمر يحسب للثقافة الإسلامية التي استطاعت التكيف مع مستجدات وقتها لكن دون فقدان هويتها، يقول محمد الكتاني: «..الثقافة الإسلامية من هذا المنظور لم تتقيد بلغة واحدة، فهي حتى اليوم تعبر عن ذاتها باللغات العربية والفارسية والأردية والتركية وربما بلغات أخرى، وتذخر تراثا ضخما بهذه اللغات….وهي لذلك تتجدد وتصحو وتتحدى كلما اصطلحت عليها العوامل المضادة.
هل كان بإمكان أحد في القرن الماضي أن يكشف عما كانت ستؤول إليه الثقافة الإسلامية عندما هيمنت أوروبا على مجموع الشعوب الإسلامية، وحاربت ثقافة هذه الشعوب بكل الوسائل وعزلتها عن تراثها ووجهت تعليمها وجهة علمانية؟ لم يكن لأحد أن يشك في التوقعات. ولكن ما حدث قد كذب كل التوقعات بما فيها حسابات المستعمرين أنفسهم، فبعد مرور قرن من الزمان خرجت تلك الشعوب أقوى ما تكون تعلقا بكيانها وثقافتها ولغتها»[63] وبعبارة أخرى لقد ندح الغرب في إعادة إنتاج الثقافة الغربية بما ينسجم وخصوصياتها، ويرجع ذلك إلى جملة عناصر ومكونات، وأهمها هو متانة المرتكزات التي تقوم عليها الثقافة الإسلامية، وتقوم عليها الهوية الإسلامية، والتي يؤدي فيها المرتكز الديني دور الحاسم. لم تكن العلاقة بين الثقافة الإسلامية والثقافة الغربية دائما علاقة مثاقفة ولا علاقة أخذ وعطاء، بل لقد تميزت كذلك بنوع من الصراع والتدافع والغزو، تبعا لما تتميز به كل ثقافة على حدة من خصوصية يمتزج فيها السياسي والعقلي والانفعالي والعلمي والعقدي.[64] وقد يرجح أن تكون نظرة بعض من الفكر الغربي لهويات المهاجرة وخاصة الهويات الثقافة المرتبطة بالإسلام محكومة بنزعة الصراع ونزعة الخوف من أخطار ثقافية قد تأتي من هذه الهويات، المختلفة في المستقبل، وهو الأمر الذي يضع الهويات المهاجرة أما مسؤولية طمأنة الهويات المضادة.
المشترك الإنساني في قضية الهوية
بهذه الأبعاد المختلفة، فإن جميع الأمم والشعوب تشترك في الانتماء إلى هوية وتشترك في تبني مفهوم الهوية ببعد عام كما سلف الذكر، وكذلك بأبعاد خاصة نابعة من الخصوصية الثقافية والتاريخية ومن طبيعة الهوية نفسها. وبعبارة أخرى؛ إن كل الشعوب موصولة بهوية محددة مرتبطة بها وتتصل. والهوية بهذا المنظور موصولة بمجموعة من المكنونات الثقافية والقيم الفكرية الضارب جذورها في القدم في كثير من الأوقات.
إن القضايا المتصلة بقضية الهوية باعتبارها قضية إنسانية تتناسل كلما توحد النظر الافقي والنظر العمودي في القضية، وتبدو أكثر إلحاحا عندما تتعارض مرتكزات الهويات وتتضارب فيما بينها، واللجوء إلى التنظير وإلى الدفع الأيديولوجي ببعض التصورات والتنظيرات إلى ساحة الفعل الفكري بقوة، كنظرية نهاية التاريخ ونظرية صراع الحضارات والثقافات. [65]ولعل أهم مجال تبرز فيه هذه العلاقة هو عندما يتعلق الأمر بالمهاجر أو بذات المهاجر في بلد الهجرة. والغالب أن مثل هذه التصورات والنظرات هي من أهم معيقات الحوار، والتي يتم توظيفها بأبعاد تخدم مصالح ضيقة.
[1] حوار الأديان، بين الأمس واليوم، بيبليوغرافيا مختارة من رصيد مكتبة المؤسسة، بمناسبة انعقاد الندوة الدولية، لقاء الأديان، من أجل حوار إسلامي ـ مسيحي متجدد، الرباط 2 – 3 مايو 2014؛ مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية، الطباعة منشورات عكاظ 2014: ص 7.
[2] ينظر في هذه القضية: عدنان سيلاجيتش، مفهوم أوربا المسيحية للإسلام، تاريخ الحوار بين الأديان، ترجمة وتقديم: جمال الدين سيد محمد، المركز القومي للترجمة، العدد: 2376، ط/1 2016.
[3] مؤسسة توثيقية وعلمية وثقافية، وأسست على شكل جمعية تتوفر على الشخصية المعنوية سنة 1985، وهي حاصلة على صفة المؤسسة ذات النفع العام، وتشتغل ضمن ثلاثة محاور رئيسية: مكتبة متخصصة في خدمة البحث العلمي، مركز توثيق وإعلام بيبليوغرافي، وفضاء للنشاط العلمي والثقافي.
[4] نفسه: ص 8 (التأمل فيما ورد في هذه البيبليوغرافية يؤكد أن قضايا بعينها تجثو بكلكلها على الذوات، وتؤثر حتما في طبيعة المواقف والتصورات بخصوص نظرة هذا الطرف أو ذاك للطرف الآخر، ويلمس ذلك من خلال الثيمات التي رصدتها البيبليوغرافية: حوار/صدام الحضارات والثقافات – الحوار الإسلامي المسيحي )
[5] قد يظن بأن المنشور باللغة العربية، سيكون هو الغالب والأكثر حضورا، لكن الواقع هو أن المنشور باللغات اللاتينية (الفرنسية في هذه الحال) أكثر حضورا، ولا يستبعد أن يكون ذلك مرتبطا بعامل النشر.
[6] قد يوجد في هذه البيبليوغرافية عناوين كتبها مستغربون، أي ذوات مهاجرة أو مستغربة تكتب بإحدى اللغات الأوربية، وهو ما يثير في حد ذاته أسئلة، فهل هو تعبير عن وعي آخر مختلف؟ وما طبيعته؟ وهل هو مجرد وعي تبريري، متعدد ومركب يحضر فيه السياسي والثقافي والتاريخي؟ وإلى أي حد يمكن اعتباره نقدا ذاتيا للذات الغربية وللفكر الغربي، وهل يخفي موقفا ما من المخالف في المجتمعات العربية؟
[7] حميد الأشهب، شرفات حوارية في الفكر والهجرة وحوار الثقافات، منشورات النورس، ومطبعة دار القلم، الرباط، ط/1. 2021: ص 106
[8] نفسه: ص 106.
[9] ولعل روجي جارودي نموذج يمكن الاستشهاد به في هذا المقام، فقد كان من المدافعين عن القيم الثقافية والحضارية للشعوب غير الغربية، ودعا إلى ضرورة فتح حوار حقيقي في هذا الإطار، لكن دعوته قوبلت بالتهميش وفرض عليه هو نفسه الحصار للحيلولة دون انتشار أفكاره، التي لقيت صدى إيجابيا في العالم كله.
[10] الإسلام وأوروپا ـ كذا ـ، ترجمة سني بوتاني، مكتبة الشرق الدولية، ط/1 1424هـ ـ 2003م، القاهرة جمهورية مصر العربية: ص6.
[11] أحيل هنا على المحاضرة الافتتاحية التي قدمها د. حسن اعبايبة الوزير السابق، يوم 12 ماي 2023 في ندوة: الهجرة وحوار الأديان والثقافات، مفاهيم ومنظورات، من تنظيم: جامعة الأخوين، ومجلس الجالية المغربية بالخارج، وجامعة محمد الخامس، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ومركز ابن خلدون لدراسات الهجرة والمواطنة.
[12] للتوسع في الموضوع، ينظر: د محمد جكيب، ذات المهاجر وسبل تدبير قضايا حوار الثقافات، ضمن أعمال ندوة ˮالهجرة وحوار الأديان والثقافات، مفاهيم ومنظوراتˮ، ص ـ ص 31 ـ 52
[13] أبو بكر القادري، كلمة افتتاح ندوة: الثقافة الإسلامية والثقافة الغربية الأخذ والعطاء، مكناس 26 – 27 جمادى الأولى 1412هـ 4 – 5 1991م، مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية، سلسلة ندوات: ص 8.
[14] من الأسماء التي ساهمت في هذا النقاش، نقولاوس الكوزي، وجيوفاتي بيكو ديلا ميراندولا، ذريدريوس اراسموس، ومارتن لوثر وغيرهم، للتوسع في اهم الأفكار التي قال بها هؤلاء المفكرون ينظر: الأصول النهضوية لفكر التسامح، تنسيق وإشراف أحمد العلمي ومحمد المحيفيظ، منشورات مؤسسة الملك، عبد العزيز آل سعود، سلسلة ترجمات، الدار البيضاء 2023.
[15] نفسه: 8.
[16][16] التخصيص مصدر خصص وهو ضد التعميم، ومعناه التفرد بالشيء مما لا تشاركه فيه الجملة.
[17] ينظر للتوسع في الموضوع، نصر محمد عارف، الحضارة ـ الثقافة ـ المدنية، منشورات المعهد العالمي للفكر الإسلامي، سلسلة مفاهيم ومصطلحات، الطبعة الثانية، 1415 هـ ـ 1994م.
[18] تنظر الحداثة للإنسان نظرة مادية مفصولة عن جوانبه الروحية، وإن كانت تولي أهمية بالغة للجانب النفسي في الإنسان، لكن الحداثة في الوقت نفسه تكاد تُصْبِغُ على الإنسان قداسة تذهب إلى حد التأليه، وليس في هذا أي مبالغة لأن الفكر الغربي الذي لا يستطيع إنكار جذور الدينية اليونانية ولا إنكار جذوره المسيحية؛ وكلاهما تؤله الإنسان، الأولى من خلال قولها بوجود جوانب إلهية في الإنسان، والثانية من خلال تأليه عيسى.
[19] سؤال الهوية بين الحداثة والتقليد، محمد عبد الرحمن بن الطالب، بدون دار نشر، قلعة مكونة 2013: ص40.
[20] سؤال الهوية بين الحداثة والتقليد: ص41.
[21] محمد المصباحي، هابرماس: التعدد الثقافي والمفهوم الناعم للحداثة والتنوير، ضمن يورغن هابرماس، العقلانية التواصلية في ظل الرهان الاتيقي، في نقد العلموي والديني والسياسي، ص ـ ص 143 – 163؛ إشراف وتحرير: علي عبود الحمداوي، والناصر عبد اللاوي، الرابطة العربية الأكاديمية للفلسفة، ابن النديم للنشر والتوزيع، الجزائر، ودار روافد الثقافية بيروت، الطبعة الأولى 2013: ص146.
[22] للتوسع في مدى مساهمة بعض الفكر اللاهوتي المسيحي في معاداة الإسلام، ينظر جوسلين داخلية، الإسلام والغرب من إيديولوجيا الصدام إلى جدلية النزاع، ترجمة خالد بن الصغير، نشر مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود، الدار البيضاء،( سلسلة ترجمات) 2019. وينظر على الخصوص الفصل الرابع ص ـ ص 187 ـ 220.
[23] علي عبود المحمداوي، هابرماس والمسألة الدينية، الوضع الديني في المجتمع ما بعد الالماني، ضمن المرجع السابق نفسه، ص ص243 – 269:ص 244.
[24] يمكن استحضار المسلمات المسيحية بخصوص تأليه عيسى، واعتباره ابن الله.
[25] محمد المصباحي، هابرماس: التعدد الثقافي والمفهوم الناعم للحداثة والتنوير،: ص 144.
[26] نفسه: ص 144 – 145.
[27] نفسه: ص 145.
[28] نفسه: ص 145.
[29] محمد المصباحي، هابرماس: التعدد الثقافي والمفهوم الناعم للحداثة والتنوير: ص 145 – 146.
[30] أو لنقل أنها تستخلص جوهر الأشياء.
[31] محمد المصباحي، هابرماس: التعدد الثقافي والمفهوم الناعم للحداثة والتنوير، مرجع سابق: ص144.
[32] اللغة العربية مكون أساس من المكونات الإسلام، من زاوية نزول القرآن الكريم باللغة العربية، ومن هنا تبدو هوية الثقافة الإسلامية مرتبطة بهذا المكون ارتباطا وثيقا.
[33] مفهوم الثقافة عند محمود شاكر، ضمن آل شاكر عطاء وتجديد، أشغال ندوة شعبة الدراسات الإسلامية وشعبة اللغة العربية، 25 – 26 يناير 2005؛ منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، سلسلة: ندوات ومناظرات 01/2010: ص – ص 269 – 275: ص 269.
[34] عبد اللاوي محمد، محمود محمد شاكر، رسالة في الطريق إلى ثقافتنا، دار الهلال، سلسلة كتاب الهلال العدد 489 سبتمبر 1991: ص 39.
[35][35] تقدم المملكة المغربية في ظل توجيهات أمير المؤمنين نموذجا يحتذى في التعامل مع الهجرة والمهاجرين، من خلال العمل على إدماج المهاجرين القادمين من الدول الإفريقية جنوب الصحراء في النسيج الاجتماعي والثقافي والحضاري والاقتصادي للمملكة.
[36] انظر، رشيد بلحبيب، الهويات اللغوية في المغرب من التعايش إلى التصادم، ضمن كتاب اللغة والهوية في الوطن العربي، إشكاليات تاريخية وثقافية وسياسية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط1، بيروت 2013.
[37] انظر امحمد جبرون، ضمن الكتاب الجماعي: اللغة والهوية في الوطن العربي، إشكاليات تاريخية وثقافية وسياسية، المركز العربي للأبحاث، ودراسة السياسات، ط/1 يناير 2013؛ لبنان بيروت؛ ص ص 49 – 115: 49 – 50.
[38] أنظر، عبد العلي الودغيري، اللغة والدين والهوية، مطبعة النجاح الجديدة، ط/1؛ الدار البيضاء 2000: ص 68.
[39] في اللغة الهوية هي البئر البعيدة القرار أو الغور.
[40] كتاب التعريفات، معجم فلسفي منطقي صوفي فقهي لغوي نحوي، علي بن محمد الشريف الجرجاني، (740هـ ـ 816هـ) تحقيق د. عبد المنعم الحفي مكتبة لبنان، دار الرشاد، القاهرة، 1991: ص286.
[41] المعجم الفلسفي، جميل صليبة، عضو مجمع اللغة العربية بدمشق، دار الكتاب اللبناني، بيروت ومكتبة المدرسة بيروت طبعة 1982: مادة “الهوية مبدأ” ج2/ص 5321994، المقالة الأولى؛ الهوية: ص38
[42] د. حمو النقاري، مفاهيم التفلسف الغربي، معجم تحليلي عربي، المؤسسة العربية للفكر والإبداع، بيروت لبنان، الطبعة الأولى 2018. مادة Identité ص: 148.
[43] عن جميل صليبة، المعجم الفلسفي، مادة “الهوية” ص529 – 530.
[44] هناك بعض الاختلاف بين ما أورده صليبة في المعجم وبين ما في “رسالة ما بعد الطبيعة” تحقيق وضبط وتعليق: د. رفيق العجم، د. جيرار جهامي، رسائل ابن رشد الفلسفية، دار الفكر اللبناني، بيروت، ط/1
[45] كتاب التعليقات، الفارابي، الأعمال الفلسفية، تحقيق وتقديم وتعليق، د. جعفر آل ياسين، دار المناهل للطباعة والنشر والتوزيع، ط/1 1416 هـ ـ 1992 م، بيروت لبنان: المادة رقم 89؛ ص 399.
[46] نفسه: المادة 90؛ ص 399.
[47] الكليات، معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، أبو البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكوفي، (توفي 1093هـ ـ 1283م) أعده للطبع د. عدنان درويش ومحمد المصري، مؤسسة الرسالة الطبعة الأولى 1412هـ – 1992م: مادة: “هوية” ص 961.
[48] المعجم الفلسفي، مجمع اللغة العربي، جمهورية مصر العربية، تصدير إبراهيم مذكور رئيس مجمع اللغة العربية، أعيد طبعه بمطابع دوكيو سسنة1441هـ ـ 2020م. مادة 719 “فلسفة الهوية” ص 140.
[49] نفسه، مادة 869 “مبدأ الهوية” ص168.
[50] نفسه، مادة 1083. “الهوية”: ص 208.
[51] ستيفان غيري، فرنسا ومسلموها، مجلة الشؤون الخارجية الأمريكية، عدد أكتوبر 2006 ص ـ ص 87 ـ 104، عن مجلة التسامح، العدد 15، صيف 1427هـ ـ 2006م
[52] ينظر في هذا الإطار مناظرة ريمي براغ وَ سليمان بشير ديان، الجدل حوار حول الإسلام، ترجمة محمد الحاج سالم، ابن النديم للنشر والتوزيع، ودار الروافد الثقافيةـ ناشرون، الجزائر ووهران وبيروت، ط/1، 2021.
[53] الهويات المضيافة، المصطفى بوعزيز، مجلة زمان، العدد 26/ 2015 دجنبر الافتتاحية
[54] اللغة والدين والهوية، مؤسسة الإدرسي الفكرية للأبحاث والدراسات، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، فبراير 2017: ص 27.
[55] لعباس محمود العقاد كتيب صغير في حجمه، لكن عظيم في شأنه يمكن اعتباره كتابا في تأصيل الهوية المتصلة بالعرب واللغة العربية، فهذه الهوية ترجع أبعد من مرحلة نزول القرآن الكريم وظهور الإسلام في حياة أهل الجزيرة، والتي كانت تحوي تنوعا ثقافيا دينيا كالديانة المسيحية واليهودية بالإضافة إلى عقائد أخرى كانت معروفة. وعنوان الكتاب هو: الثقافة العربية أسبق من ثقافة اليونان والعبرانيين، عباس محمود العقاد.
[56] عبد العلي الودغيري، اللغة والدين والهوية: 30
[57]يرى عباس محمد العقاد أن الثقافة العربية أقدم من الثقافة اليونانية والعبرانية، ذكر هذا في الكتاب: الثقافة العربية أسبق من ثقافة اليونان والعبرانيين، عباس محمود العقاد.
[57] عبد العلي الودغيري، اللغة والدين والهوية: 30
[57]كما مكونات أخرى كالتفاعلات والجماعية.
[58] الترجمة إلى العربية، دورها في تعزيز الثقافة وبناء الهوية، بسام بركة، في اللغة والهوية في الوطن العربي، إشكالية التعليم والترجمة والمصطلح، مجموعة من المؤلفين، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط/1، يناير 2013 بيروت، لبنان؛ ص ص 21 – 50: 27.
[59] بسام بركة، الترجمة إلى العربية، دورها في تعزيز الثقافة وبناء الهوية، في: اللغة والهوية في الوطن العربي، إشكالية التعليم والترجمة والمصطلح، ص ص 21 – 50، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى، بيروت، يناير 2013: ص 21.
[60] في أخلاقيات الحوار بين الثقافات، حول مبدإ التسامح وحق الاختلاف، مجلة التسامح، عدد 15، صيف 1427 هـ ـ 2006 م.
[61] هناك من يعتبر أن «الثقافة والحضارة مفهومان متداخلات أو متكاملان لا ينفك احدهما عن ملابسة الآخر، إلا في اصطلاحات الدارسين المتخصصين» أنظر محمد الكتاني، جوانب من تأثير الثقافة الغربية في الفكر الإسلامي الحديث، في: الثقافة الإسلامية والثقافة الغربية الأخذ والعطاء، مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية، سلسلة: “ندوات” ندوة مكناس 26 – 27 جماد الأولى 1412 ه – 4 – 5 دجنبر 1991، ص ص 57 – 77.
[62] من القضايا التي ينبغي مقاربتها قضية مدى امكانية تكيف الإسلام ومبادئ الحداثة، هنا من ينظر لبعض المحطات في التراث الإسلامي ولبعض أعلامه على أنها محطات تنويرية يمكن اعتبارها منطلقا لتفاعل قوي وفلسفة التنوير والحداثة في صورتها الغربية، يحال في هذا الإطار علىChebel Malek في:
pour un islam des lumières, 27 proposition pour réformer l’islam Manifeste,
[63] نفسه: ص 76.
[64] عبد المجيد مزيان، أخذ وعطاء، وتقبل وإقصاء بين الثقافتين الإسلامية والغربية، في: الثقافة الإسلامية والثقافة الغربية الأخذ والعطاء، ص ص 79 – 88: ص 79
[65] بالطبع إن فكرة نهاية التاريخ ليس فكرة حديثة مرتبطة بفوكوياما المفكر الأمريكي ذي الأصول اليابانية، بل حي فكرة قديمة وتاريخ الإنسانية بحضارات المختلفة كان يبطن بصورة أم بأخرى فكرية توقف حركة التاريخ عند النموذج الحضاري والثقافي السائد لحظة الوصول إلى الأوج، الإغريق والرومان والبابليون والحضارة الفرسية كانت تؤمن بذلك وتعتقده، حتى الإسلامية التي قامت على أساس تبليغ الخيرية للناس ومحلصرة النقيض