موقع محمد جكيب

اللغة العربية وخطاب حفظ الهوية

نعيش في الآونة الأخيرة على إيقاع اليوم العالمي للغة العربية، وهي مناسبة لعدد كبير من المهتمين والمثقفين والفاعلين في مجالات مختلفة، فكرية وتربوية وتعليمية وسياسية، لمناقشة دور اللغة العربية في مجتمعاتنا المعاصرة العربية وغير العربية. لكن الموضوع الذي يشد المهتم ـ بوعي منه أم بغير وعي ـ هو علاقة اللغة العربية بالهوية، ومن يثير الهوية يثير معها مختلف التهديدات المحدقة بالذات وبالخصوصيات المميزة للشخصية. وهي القضية، التي تستحضر الجدال المتواصل حول دور اللغة العربية في الحفاظ على الهوية الذاتية وتقويتها، ومدى أهميتها في توفير الحصانة الحضارية والثقافية والفكرية اللازمة، ضد كل ما يهدد الكيان الذاتي، ويهدد الخصوصية.

تعيش الذات مخاضها العسير في ظل التحولات الكبرى التي يمر بها العالم المعاصر، مخاض لا يكاد يتوقف بحثا عن استعادة الروح والمعنى، وبحثا عن شهود حضاري تركها منذ قرون خلت، وبحثا عن مجد مشرق لم يبق منه سوى الأثر، وأفق تطلعها لا يغض طرفه عمن يتصدرون المشهد الحضاري، والفاعلين الحقيقيين فيه في وقت الراهن. في ظل هذا الوضعءؤر لةعغح الجاثي بكلكه على صدر الذات، تجد دعوات البحث عن سبل الخروج من الأوضاع الشاذة، سببا معقولا، ومبررا موضوعيا، للدعوة إلى حملة جديدة للإصلاح وإعادة ترتيب الأولويات. طلبا لأفق جديد يخرجها من مأزقها الوجودي في ظل واقع عالمي تتجاذبه الأفكار والأيديولوجيات المختلفة، وتتقاذفه المصالح والصراعات، وظل جغرافية سياسية يعاد تشكيلها، وخارطة ثقافية والحضارية تتنازعها الأهواء والنظريات والسفسطات.

من أهم مميزات هذه التحولات، أن الخطر الذي قد يتهدد الذات في خصوصيتها لم يعد محصورا في الخطر الخارجي القادم من الشمال، أو من الغرب، بل صار خطرا داخليا يهدد الهوية من داخلها في ظل طفو أثر هويات طفيلية أخرى مشوهة وهامسية، تتخذ من الهوية غطاء يخفي تضارب المصالح الأيديولوجية والسياسية والاقتصادية وصراعها، ويخفي نزعة توسيع مجال النفوذ بصورة غير مباشرة.

ـ الصراع بين نهاية مرحلة وبداية أخرى

عرفت نهاية القرن الماضي حدثا بارزا، تمثل في نهاية مرحلة وبداية مرحلة أخرى، وبتفكك المعسكر الشرقي الاشتراكي، إيذانا بنهاية صراع عرف بالحرب الباردة، ودخول العالم مركزه/مراكزه وهوامشه في مرحلة جديدة مختلفة. وإذا كان الصراع الأيديولوجي عاملا قسم العالم إلى تكتلين كبيرين أثناء الحرب الباردة، فإن مرحلة ما بعد الحرب الباردة، اقتضت محركا جديدا لطبيعة العلاقة بين الدول والأمم. ولم يجد العالم ممثلا في المركز محركا جديدا غير الصراع والنزاع. فالصراع كان دائما وقد يبقى عنصرا مركزيا وضروريا لتفسير العلاقات على المستوى الدولي وتبريرها. وللأسف فقد حشر للصراع والفوضى كل المبررات الموضوعية والفكرية والإعلامية والسياسية، لكي يبقى قائما ويستمرا، لكن المرحلة التاريخية الجديدة لم تعد تستوعب وصف الصراع الإيديولوجي، لأن مبررات ذلك انتفت وصار وضع العالم يقتضي وصفا جديدا وهو علاقة الحضارات فيما بينها، لكن على أساس الصراع، أي على أساس صراع الحضارات.

أعلن المفكر الأمريكي والخبير الاستراتيجي صامويل هانتنغتون أن الصراع ضرورة القرن الواحد والعشرين، لكن طبيعته ستكون حضارية. جعل هذا المفكر المدخل الحضاري مدخلا لتفسير العلاقات الدولية، وتبرير السياسات على المستوى الدولي. وفي ضوء هذا الاقتناع قسم العالم كله على أساس حضاري، واختزل العلاقات الدولية في صراع الحضارات فيما بينها. وداخل هذا الاختزال شدد هذا النموذج التفسيري على أن أهم الصراعات وأقواها، هو صراع الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية.

بعد مرور أكثر من 28 سنة على إطلاق هانتنغتون لأطروحة صراع الحضارات، يبدو للملاحظ أنها ما تزال قابلة لأن تكون مدخلا يفسر طبيعة العلاقات الدولية، علما بأن الفرضية الأساس الذي أطلقها في مقالته الأولى سنة 1993م كانت قائمة على مجرد فرضية أن الصراع الدولي أو الصراع بين الدول لن يكون على أساس اقتصادي أو أيديولوجي، ولكنه سيكون على أساس ثقافي وحضاري. وفي إطار هذا الصراع الجديد الذي تنبأ به هانتنغتون،. سيتم الالحاح على أهمية الدين واللغة مدخلا من مداخل الهوية الحضارية والثقافية، وموجها موضوعيا للصراع الحضاري.

حرك اختزال الصراع الحضاري في صراع الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية هواجس الهوية والخصوصيات، ودفع بقوة بعض الحضارات وخاصة الحضارة الاسلامية إلى الرجوع إلى مكونات الهوية الذاتية في صورة تنزيه لها عن الصراع بداية، ثم ما لبث الأمر أن تحول إلى تبنٍ لأنماط حضارية محلية وجهوية والسعي إلى الاحتماء بها، من خلال البحث عن الخصوصيات، والحفر في التاريخ الخاص وجذور الثقافة الذاتية.

ـ اللغة العربية أسئلة الهوية

في هذا الإطار تندرج قضية اللغة العربية، وجدل دورها الحضاري وضرورة الاهتمام بها، وعلى إيقاع ذكرى اليوم العالمي للغة العربية، يراود الذات شعور ملحاح عن مدى حاجة الذات إلى الاحتماء بمكونات الهوية في مواجهة أزمة الواقع الراهن والمستقبلي، ومدى الاحتياج إلى اللغة العربية لمواجهة تحديات الواقع المجرور رغما عنه إلى الصراع الحضاري، والصراع الثقافي.

قد يرى بعض أن اللغة العربية تعيش أزمة، وأزمتها جزء من الأزمات الكثيرة، التي يعرفها العالم الحضاري المرتبط بصورة أو أخرى باللغة العربية، الأمر الذي يؤكد أن اللغة العربية في حاجة هي الأخرى إلى مقاربة جديدة، وإلى وعي مختلف بقيمتها الثقافية والحضارية. وينطبق عليها ما ينطبق على المجالات أخرى كثير التي تحتاج إلى إعادة النظر وإلى الإصلاح.

لكن الحقيقة هي أن اللغة العربية في حد ذاتها ليست في أزمة، فهي ما تزال حاضرة ومحافظة على قوتها بفعل العديد من العوامل وأهمها هو أنها لغة القرآن الكريم، ويختصر هذا العامل في حد ذاته العديد من العوامل والمعطيات التي تؤكد صحة اللغة العربية، التي يعترف الخبراء في هذا العصر كما في القديم بنضجها وتطورها، وسهولة اكتساب نظامها.

إن السؤال الملحاح، الذي يحضر في هذا المقام هو، كيف بمقدور اللغة العربية أن تكون آلية من آليات الحضور الحضاري ووسبيلا من سبل الاستمرار الثقافي بالنسبة للنماذج الحضارية ذات الارتباط المباشر أم غير المباشر بهذه اللغة؟ وكيف يمكنها أن تكون أداة تواصل وأداة نقل الاشعاع وصله؟ وبالأحرى، ما السبل التي الكفيلة بجعل أهلها، وممثلي أنماط الحضارة الإسلامية وأوجهها الإفادة مما توفره من خصوصيات قد لا تتوفر في لغات أخرى؟

الإجابة على هذه الأسئلة وغيرها، رهن مستوى نمط الوعي الذي يبديه أهل اللغة العربية وممثلو الحضارة الإسلامية من وعي بأهميتها وضرورتها، فقد تتساوى اللغات، لكن فضل بعضها عن بعض يحدده المخزون المعرفي وعمق التجربة الإنسانية المتراكمة من خلالها.

ـ الحضارة الإسلامية والخوصيات

النموذج الحضاري الإسلامي ليس نموذجا واحدا، فقد تكون الأسس الأخلاقية المؤسسة عنصرا مشتركا بين مختلف نماذج حضارة الإسلامية، لكن ذلك لا يلغي تعدد أشكال أو صيغ أو سبل التفاعل وهذه القيم، ولا يلغي كذلك تأثر السلوك الحضاري بالخصوصيات المحلية والجهوية والعرقية، التي يستحيل القفز عليها وتجاهلها. إن الحضارة الإسلامية حقل واسع، يحوي داخله نماذج وصور تتميز بخصوصيات لا تشترك معها فيها أخرى، وليس في ذلك تحقير أو منقصة من النموذج الأم، بل هو إغناء له وإثراء.

عندما يقارن النموذج الحضاري الإسلامي من الداخل، فإن المقصود في الغالب هو النموذجية في بعدها الشمولي من جهة، وبعدها الواقعي من جهة أخرى، لكن هذه النموذجية قد تميزت بالتنوع والغنى والتعدد، عبر تاريخها الطويل وتجاربها الإنسانية المتعددة، وعبر امتدادها الجغرافي، وتميزت بما طبعتها به المراحل التاريخية المختلفة وأحداثها من تحولات ونجاحات وإخفاقات، كل هذا وغيره لا يتنكر له ولا يتجاهل، بل يتخذ عبرة تغني وعي الإنسان الموصول بها، ويضاف إلى هذه النموذجية بما هي عنصر ثراء وعنصر قوة. فكم من إخفاق تحول إلى نجاح وإلى تجربة غنية وإلى عبرة/عبر. لقد ساهم الإسلام باعتباره منظومة أخلاقية وباعتباره دينا في نشأة وتطور نموذج حضاري لا يمكن التغاضي عن منجزه بالنسبة للإنسانية ولا إنكاره. ولا يمنع الأمر وجود نماذج يمكن اعتبارها محلية أو جهوية أو إقليمية تغذيها الخصوصية.

إن الحضارة الإسلامية في راهنيتها ليست كيانا واحدا، وليست بنية واحدة بدون صور وأنماط فهي وجوه لوحدة متجانسة تختلف على طول الرقعة الجغرافية لعالم المسلمين. فعالم المسلمين عالم ممتد في الجغرافيا، لكنه ليس عالما واحدا متجانسا بسبب الخصوصيات، فهي تحتضن أنماطا ونماذج لهذه الحضارة التي نصطلح عليها بالحضارة الإسلامية. فضلا عن أن الدين واللغة العربية بما هي لغة القرآن، والذي هو عماد الدين ومرتكزه، أهم المكونات وأهم الأسس التي تشترك فيها الأقطار، التي تنتمي لهذا الحقل الذي يصطلح عليه عالم الإسلام أو عالم الحضارة الإسلامية، لكن الخصوصية تفرض نفسها.

في أقصى الغرب الإسلامي جغرافيا يبرز المغرب الأقصى بخصوصياته التاريخية والثقافية والحضارية، بل إن الوعي المغربي وبعد الرؤية يؤكد ذلك ويعكسه. لأن معطيات الخصوصية والوعي بها هذه تجعل من المغرب الأقصى نموذجا حضاريا ينتمي إلى النموذج الحضاري الإسلامي.

ـ الخصوصية وجذور المملكة المغرب الممتدة

المغرب الأقصى ينتمي من حيث روحه إلى النموذج الحضاري الإسلامي، وجغرافيا هو امتداد لهذه الحضارة، وتاريخيا كان جزءا منها، وساهم مساهمة فعالة في بناء هذه النموذجية وطبعها بطابعه الخاص، فزيادة على أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، وتؤدي فيه مؤسسة إمارة المؤمنين مهمة غاية في الأهمية وهي الحفاظ على التوازن الروحي والثقافي والسياسي، ليس داخل حدود الوطن القطري وحسب، بل وخارج هذه الحدود، وهو يستمد شرعيته من هذأ الأصل.

وللمغرب الأقصى جذور أخرى ممتدة في التاريخ البعيد قبل دخول الإسلام. إن تاريخ المغرب الحافل وتنوع جذوره منحه خصوصيته التي انعكست على الانسان، وطبعت شخصيته بالمرونة والانفتاح، وحب التفاعل والتواصل، وقابلية التكيف، والأهم هو شخصية العطاء والمشاركة، وعدم الاستئثار بكل ما فيه فائدة الإنسان والإنسانية، وهذه خصوصيات أخلاقية اكتسبتها الشخصية المغربية منذ آلاف السنين و ازدادت عمقا مع مجيئ الإسلام.
هذه الخصوصية المكتسبة، صيرت المغرب مركزا وبوابة انتقلت من خلالها الحضارة الإسلامية إلى مناطق جديدة شمالا ثم جنوبا، وفي هذه المناطق الجديدة انطبعت الحضارة الإسلامية بشخصية جديدة يبرز فيها الطابع المغربي. فقد انصهر الإسلام واللغة في بوتقة واحدة هي البوتقة المغربية، وأبدعت العبقرية المختمرة في حضن تلك البوثقة نموذجها الحضاري الخاص القائم على تقبل التنوع، والتشبث بخصوصية التسامح والتعايش والمرونة، وأتاح لها التكيف ومختلف الظروف التاريخية المحيط بها، لكن دون فقدان الخصوصية ودون التنكر للجذور. لقد حصنت هذه الخصوصية المغرب من الانكفاء على ذاته، وسلحته معنويا بالقدرة على الانفتاح على المحيط القريب والبعيد، وعلى العصر والتحديث والحداثة.

إن قدرا معقولا من الحضارة الغربية موجود في الحضارة المغربية. وفي الحضارة الغربية من الحضارة المغربية قدر ما على أساس مبدإ المثاقفة. بعبارة أخرى إن النموذج المغربي حاضر هو الآخر في الحضارة الغربية وحضوره فيها مكون إيجابي ستبرز تماره عاجلا أم آجلا. لقد استفاد الإنسان المغربي كثيرا من التنوع الثقافي المحيط به، وهو ما أقدره على التكيف وكل الثقافات، لكن دون فقدان خصوصيته.

ـ اللغة العربية وتوظيف الوعي الحضاري

يعيش المغرب على إيقاع تنامي الشعور بخصوصيته الحضارية والثقافية، ولذلك فهو يعيش مرحلة مشرقة من تاريخه الحديث، تتجلى في الوعي بأنه نموذج حضاري مميز، وهو يتصرف على هذا الأساس ويتفاعل مع محيطه من موقعه الاستراتيجي، ويعي ما يستجلب هذا الوعي من مسؤولية تمثيل هذه النموذجية خير تمثيل، وهو ينجح الآن في أن يفرض على العالم التعامل معه على هذا الأساس. وبعبارة أخرى، إن المغرب يعيش مرحلة نهوضه الحضاري الخاص المرتكز على تراثه المادي و اللامادي.

إن العناية باللغة العربية ينبغي أن تكون جزءا من الاهتمام بالخصوصية الحضارية والثقافية المغربية، لأنها أحد أهم أوجه الخصوصية المغربية، ولا تعارض في ذلك من كون اللغة الأمازيغية أو لغات أخرى كاللغات الأوروبية وجها آخر من أوجه هذه الحضارة، فقد تكون الأمازيغية هي لغة الأم بالنسبة لعدد مهم جدا من سكان المغرب الأقصى، لكن هذه اللغة اغتنت باللغة العربية وتقوت بها، واغتنت بما حمله القرآن الكريم باعتباره خزينة لغوية وباعتباره مصدر منظومة أخلاقية.

أعادت اللغة العربية صياغة الشخصية المغربية الأمازيغية بالنظر إلى ارتباطها بالدين، فولد ذلك وعيا قويا، وصاغ رؤية إنسانية جديدة ومتجددة تعتبر من خصوصيات النموذج الحضاري المغربي. وعلة ذلك هو أن اكتساب اللغة مقدرة موجودة في الذهن أو الملكة كما يقول ابن خلدون الأمر الذي رجح اكتسابها وسهله. بل إن اللغة تكتسب، عندما تكون غنية بتجربتها الاجتماعية والثقافية والمعرفية والدينية والحضارية، ولذلك فإن اللغة العربية أغنت اللغات واللهجات التي كانت موجودة وأعادت صياغة الوعي بما ارتبطت به من كتاب مقدس.

وقد يقال إن اللغة في حد ذاتها ليست شيئا مقدسا، وهي كالكائن الحي تولد وتحيا وتكبر وتشيخ ثم تموت، الأمر الذي يسقط عليها صفة القداسة، وهو واقع تشترك فيه جميع اللغات، بما في ذلك اللغة/ اللغات أو اللهجة/اللهجات التي كانت سائدة في المغرب الأقصى قبل وصول المسلمين الفاتحين، وقبل وصول الإسلام، والغالب أن اللغات واللهجات، التي كانت سائدة قد انتعشت بوصول اللغة العربية إليها، بل واكتسبت عمرا جديدة وهو ما أقدرها على البقاء والاستمرار، ومن هذه الزاوية فإن اللغة العربية كانت دواء لهذه اللغات, فاللغة العربية لم تهمش اللغات التي كانت موجودة وحافظت على حقها في البقاء والاستمرارا، لأن المحفز الأخلاقي الذي كان يحرك اللغة العربية لم يكن غرضه محو الخصوصيات ولا الدخول في صراع مع ما كان موجودا وسائدا، بل كان الحافز هو ربط الإنسان بقيم أخلاقية تتميز بالحيوية والنظار والتجدد. إنه الوعي الجديد الذي حمله الإسلام واللغة العربية.

أدرك هذا الوعي الجديد أهمية اللغة العربية، وهو ما أتاح للغة الأمازيغية الانتعاش والاستمرار، فصارت جزءا من مكونات الحضارة الإسلامية، ثم إلى مكون أساس من مكونات الشخصية المغربية. ودليل ذلك على سبيل المثال لا الحصر، علماء سوس الذين صنفوا في مختلف العلوم الإسلامية باللغة العربية، ولم يجدوا حرجا في التصنيف باللغة الأمازيغية واعتبروا ذلك نوعا من التكامل ليس غير.

ـ اللغة العربية وتواصل المغرب الحضاري

بنى الإسلام واللغة العربية في المغرب مركزا للتواصل شمالا، ثم جنوبا، وفي الأندلس ستعرف اللغة العربية بعدا آخر، وستدرك شأوا عظيما، وازدادت رونقا وإشراقا، وكانت أوروبا التي ستتصدر المشهد الحضاري لاحقا، تتحرق رغبة في إدراك سر اللغة العربية والاقتراب من عالمها والاستفادة مما أبدعة المسلمون من كنوز معرفية وعليمة بهذه اللغة. فلا أحد بمقدوره إنكار الحرص الذي أبداه الإنسان الأوربي المتخلف عن ركب الحضارة الإسلامية آنذاك عن قوة اللغة العربية، في سبيل تعلم اللغة العربية وإتقانها ونقل تراثها والتعرف على آدابها ومعرفتها، وكان الشرف كل الشرف هو تعلم المرء في أوربا القرون الوسطى اللغة العربية.

وعبر بوابة المغرب، وبوابات أخرى انتقلت اللغة العربية في إفريقيا، لكن المغرب طبع إفريقيا جنوب الصحراء بطابعه الحضاري المتميز، وتمثلت أهم مظاهر هذا الطابع في المذهب المالكي والمذهب الأشعري والتصوف السني، وكانت اللغة العربية هي الناصية التي حملت هذا الطابع ونشرته على نطاق واسع.

وعلى هذا الأساس فالروابط المعنوية الكثير التي تربط المغرب بإفريقيا متدثرة باللغة العربية، يشهد على ذلك انتشارها الواسع في مناطق عديدة من إفريقيا، رغم انتشار اللغات المحلية كالهوسة والسواحية غيرها، وحتى لغات المستعمر، التي لم تستطع طمس هذه الخصوصية. ولا أحد يستطيع إنكار عمق تشبث إفريقيا المسلمة بقيمها الإسلامية وبانتمائها إلى هذا الدين، فأغلب العلوم الدينية تدرس باللغة العربية باعتبارها لغة متصلة بالقرآن. والذي يقف على التعليم العتيق في إفريقيا من خلال المدارس المنتشرة انتشارا واسعا في البوادي الإفريقية سيدرك أهمية اللغة العربية وقيمتها. ولم يمنع هذا الانتشار اللغات المحلية من التواجد والاستمرار في ظل اللغة العربية.

إن النموذج الحضاري المغربي حقيقة لا يمكن إنكارها، وهذه النموذجية مشدودة إلى اللغة العربية، التي أدت وتؤدي مهمة جليلة في ربط الكيان المغربي بشخصيته القوية ثقافيا وحضاريا ومعرفيا، الأمر الذي يُقدر الحضارة المغربية على احتضان الثقافة الإفريقية من أجل مواجهة التحديات الراهنة والمستقبلية. دون تذويبها وطمسها، فالإفريقي يبقى إفريقيا موصولا معنويا وروحيا بالمغرب وثقافته وحضارته وبعده الاستراتيجي، وموصولا بروح التسامح والتعايش الذي طبع خصوصيته منذ زمن بعيد.

زائر إفريقيا السوداء يستوقفه حرص الإنسان الإفريقي المسلم على التواصل مع الوافد من المغرب باللغة العربية، وحرصه الشديد على تمثل الروابط الروحية التي تربطه بالرموز الثقافية والحضارية المغربية.

في ختام هذه المساهمة إن العناية باللغة العربية من أجل تقوية امتداد النموذج الحضاري المغربي في إفريقا وفي العالم كله، حاجة ثقافية واقتصادية، والأهم هي أنها حاجة حضارية. ولا ينبغي اعتبار هذا التوجه دعوة إلى تهميش اللغات الإفريقة ولا تهميش اللهجات الكثيرة في إفريقيا ولا الدخول في صراع مع التنوع اللغوي المعروف، لأن ذلك هو جزء من المكون الإفريقي الذي تفاعل معه المغاربة منذ القديم، وجزء من كل الذي استطاع تكيف والمقومات الفكرية والثقافية والدينية، التي وفدت إلى إفريقيا عن طريق البوابة المغربية، وأحسنت وفادتها.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *