موقع محمد جكيب


تأملات في قضية المذهبية الإسلامية في الأدب


من أهم قضايا الفكر الإسلامي المعاصر المثيرة للنقاش والجدل، والمراكمة للمواقف، والمؤسسة للرؤى والتصورات، قضية مدى مشروعية ارتباط الأدب بالدين، وخاصة بالإسلام أو بالرؤية الإسلامية. 

وبعبارة أخرى؛ قضية مدى ارتباط الإبداع الأدبي بالإسلامية، في ضوء البعد المذهبي لــ”الإسلامية”، أي كون “الإسلامية” مذهبا يَبُزُّ المذاهب الفكرية والثقافية الأخرى، التي ملأت العالم منذ صعود نجم الثقافة الغربية.

لقد تراكم في موضوع هذه القضية العديد من المواقف والتصورات، والعديد من الإبداع وتجارب الكتابة الأدبية، وهي تستحق أن تكون عنوان زاوية من زوايا بحث الذات عن الانبعاث، واستعادة الأدوار الحضارية، وإعادة الاعتبار للذات في ضوء الخصوصية الدينية والثقافية والحضارية والتاريخية، وتستحق كذلك أن تكون عنوانا شاهدا على مرحلة تاريخية، قد تكون مستمرة حتى الآن.

بريق القضية جذاب جدا، في ظل البعد المقابل للذات، بما مَثَّلَهُ من حِمْل ثقيل على مدى أكثر من قرن ونصف من الزمن، منذ وعت الذات واقعها الوجودي في مقابل الشعور بالآخر، الذي جسدت تهديداته المختلفة أهم هواجس الذات في معركة النهوض والانبعاث الحضاري؛ لكن، الهاجس الثقافي كان أعمق تلك الهواجس، وأعمق القضايا التي كان يجب التصدي لها على الإطلاق، لدى عدد من التيارات الفكرية والمذهبية المختلفة، وفي مقدمتها تيار المذهبية الإسلامية.

لم يكن الغرب مجرد طرف أت من الضفة الأخرى لحوض البحر الأبيض المتوسط، ولا مجرد مهدد عسكري واقتصادي، ولا حتى مجرد طامع في خيرات الشرق الاقتصادية والطبيعية والجغرافية وغيرها، بل كان فضلا عن ذلك كله مكونا ثقافيا، متطلعا إلى بسط نفوذه الثقافي وغرس فلسفته وحضارته، لوعيه بأن بسط النفوذ وضمان استمراره ينبغي له قوة ثقافية وفكرية وحضارية تلغي، أو على الأقل تمسخ الشرق وثقافته، وتحول دون سعي الذات الشرقية إلى استعادة المبادرة الحضارية في ظل الخصوصية الدينية على وجه التحديد.

تعددت مظاهر التهديد الثقافي، لكنها لم تكن في الأصل سوى واجهة بهيجة لطموح ديني كنسي قديم في محاربة الإسلام وحضارته؛ طموح كان يذكيه خلف الستار نار حرب صليبية مقدسة، لم تطفئ الأيام جمار لهيبها، ولا النهضة المادية والفكرية والعمرانية، التي تحققت بتجاوز الفكر الكنسي نفسه.

ولذلك؛ فقد ظلت جذوة الحرب مستعرة خلف الستار توجه ضمنيا سعي الغرب إلى سبل بسط السيطرة الثقافية والفكرية، بالحث على ربط الذات الشرقية بشروط الثقافة الغربية، بشتى السبل والوسائل.1

وعلى العموم؛ لم يكن التهديد مجرد تطلعات غربية، بل «شكل بالنسبة لأغلب شعوب الأرض، ومنها شعوب الشرق خاصة، أقوى التحديات الحضارية والثقافية من القادم الأوروبي المحتل عسكريا لأراضيها، والمستعمر سياسيا لإرادتها، والناهب اقتصاديا لثرواتها، والقاهر إنسانيا لهويتها الفكرية وتقاليدها الاجتماعية التي باتت أكثر عرضة للتحديات الغربية من أي شيء آخر، وربما كانت هذه التحديات أكبر من طاقة الشعوب على تحملها ومواجهتها والتعامل الإيجابي معها فأثرت الوفادات الحضارية الأوروبية من الصناعات والعلوم والآداب والفنون والتقاليد الغربية في البنى الاجتماعية لأغلب هذه الشعوب الشرقية، بعامة، فضلا عن تأثيرها الكبير في الثقافة العربية والإسلامية الحديثة والمعاصرة بخاصة».2

وبعبارة أخرى، لقد كان الوجه الثقافي للآخر أكبر تهديد واجه الذات وهي تحاول الانبعاث والتخلص من شراسة الآخر.

2

وبطبع؛ فإن الذات لم تكن في غفلة عن هذا، فقد أدركت منذ وقت مبكر أن أزمة ثقافية قد أرخت بظلالها على الشرق وثقافته، كما أدركت بأن سبل الاستمداد قد أصابها الوهن، إذ لم تعد تتبين طريقها، بعد أن ولجت مرحلة غامضة من وجودها رغما عنها بأثر ظروف كثيرة وعوامل عديد، وصارت عاجزة عن تحويل مصادر الاستمداد لديها إلى إشعاع حضاري وعمراني جديد، يخدم مصلحة الإنسان في كل مكان معروف ومطروق فضلا عن الذات نفسها.

أيقظت حوافر خيل الغربِ الشرقَ من غفلته، وهي تطرق أبواب حصونه المعنوية فضلا عن حصونه المادية، لتنطلق الأسئلة عما جرى، وكيف جرى ذلك، ومتى بدأ ذلك، والأسباب والعلل التي أجرت المجاري، ولم تحل دون سيل السيول، التي جرفت كل شيء، حتى النخوة الثقافية، وخلقت شرخا أصاب الذات بالدوار، وكادت تغرق وهي تحاول الخروج من بين الأمواج المتلاطمة.

في خضم هذا الحال، تشبث بعض الذات ببعض القش، الذي جرفته السيول من تحت حوافر خيل الضفة الأخرى، ظنا بأنها قد تحفظها من الغرق، وأما بعضها الآخر فظل يجذف يريد شاطئ النجاة الذي بدا بعيد المنال، لكنه بدا مع ذلك بهيجا ومفعما بالأمل، فهو على الأقل ورغم بعده ليس سراب ولا وهما، ولكن إدراكه يفرض أضعافا من الجهد والتجديف المستمر دون توقف. ومن غير شك بأن الذات كانت تعي بأن إدراك الخلاص لا يعني نهاية الطريق، بل هو مجرد بداية، تقتضي بداية النظر إلى بعض الذات الآخر، الذي تشبث بقش – حسب تقديرها – يحاول النجاة، لعلها تسعفها بل وعلاجها.

ورغم ذلك؛ فإنه لا يمكن القفز على ما راكمته الذات رغم تشظيها من أدبيات ومساع لاسترجاع النخوة الثقافية والفكرية، وطلب انطلاق جديد، فتعددت المساعي، وبرز أعلام وعقليات فكرية وأدبية فذة من شتى التيارات والمشارب الفكرية. وحاول أغلب هؤلاء الأعلام بكل السبل الفكرية الممكنة والمتاحة العودة بالذات إلى ساحة الشهود الحضاري.

ويجب التأكيد بأن ما راكمته الذات لم يكن بالتراكم الهين ولا التراكم الغث، وهو تراكم ساهمت فيه كل التيارات وكل الاتجاهات الفكرية، وهو ما بعث روحا حيوية في وعي الشرق ونمط تفكيره. لقد سيطرت دعوات الإصلاح المختلفة على كل مشارب الحياة الاجتماعية والثقافية في الشرق، حتى لم يبق حقل دون عناية ذوي الاختصاص واهتمامهم.

3

كان الفن والأدب والإبداع أحد أهم المجالات، التي ولج منها أثر ثقافة الغرب إلى الشرق، فانقسمت على أثر ذلك الذات إلى اتجاهات ومذاهب تراوحت بين من أقبل على مختلف تلك المذاهب بالتمجيد والترويج، وبين من رفضها ودعا إلى حملة تأصيل حينا أو إلى حملة أسلمة حينا آخر، وكان من بين هذه التيارات من اختار التوسط والملاءمة.

مرت الإصلاحية الفكرية بعدة مراحل، وظل البحث عن الانبعاث، مبتغى واحدا لم يتغير كثيرا لكنه ازداد عمقا بفعل ضغوط الواقع الثقافي والسياسي والاجتماعي، واتخذ أشكالا مختلفة، وطبع كل مرحلة بأسلوب خاص في التناول وفي إثارة القضية، وربما غلب على مرحلة ما طابع الاندفاع الوجداني العاطفي في الفعل وردود الأفعال، لأن عدم أخذ الذات المسافة بينها وبين مكونات قضيتها أجج الشعور العاطفي وطبع خطاب بالطابع الاندفاعي. والغالب أن أخذ المسافة كان سيتيح للذات فرصة إعادة طرح القضايا بوعي أكثر خبرة وأكثر تجربة، مقارنة بالمرحلة التي غلب عليها رد الفعل المباشر.

وبالمجمل؛ ففي إطار بحث الذات عن وعي متجدد، عُدَّ الإبداع الفني والأدبي أحد أهم المجالات، التي طالها تفكير التأصيل والتجديد.

وبكلام آخر؛ إن فكرة إصلاح كافة مجالات الإنسان والرغبة في الانبعاث من جديد، هي التي كانت تحفز الذات وتدفعها إلى البحث عن سبل ذلك، لشعورها بشمولية الأزمة حسب تصورها، ولذلك كانت مقترحات الحلول عبارة عن مقاربات مطبوعة بعقلية شمولية.

لكن؛ لماذا سيطرة النزعة الشمولية، ولماذا تعاملت الذات مع مختلف القضايا المرتبطة بالهوية بوعي شمولي، حتى لم يبق مجال من مجالات الإنسان إلا وحظي باهتمام التيارات الفكرية المختلفة، في الوقت استهين فيه بالمجال المادي؛ والشمولية من هذه الزاوية تقتضي استحضار كل ما يمت بصلة لحياة الإنسان المادية والمعنوية.3

ولعل أحد أهم القضايا التي شغلت الفكرة الشمولية الإسلامية قضية علاقة الأدب والفنون عموما بالدين ، وبالإسلام على وجه التحديد.

لقد أثارت قضية “الأدب الإسلامي” جدلا كبيرا مازال صداه يتردد إلى الآن، وهو جدل غير مفصولة عن قضية الإصلاح والانبعاث باعتبارها القضية الأم، ولا يخفى أن القضية الأم هذه قد سيطر عليها بروزها قضية الهوية الثقافية والحضارية الأهم.

ومن هنا، فقد طغى على قضية “الأدب الإسلامي” من زاوية الشمولية، ومنذ مرحلة التأسيس الموجه الأيديولوجي، بمعنى أن التعامل مع ظاهرة الفن والأدب باعتبارهما موكونيين من مكونات الإنسان في بعده الجوهري، قد تم ببعد أيديولوجي منافح ومدافع عن سلطة اعتبار الهوية الدينية وصيا على الفن والأدب، وعلى مجالات أخرى.

تناولت “المذهبية الإسلامية” في الفن والأدب قضايا نقدية ونظرية كثيرة، وواجهت من داخل الفكر التأصيلي الإسلامي مختلف تيارات الفن والأدب، وركزت على خطاب التحذير من المخاطر المحدقة بالهوية الثقافية في مجال الأدب والفن.

4

ولا مجازفة في القول: إن فكر سيد قطب قد أثر سلبا في بعض الرؤى النقدية المتصلة بالأدب والفن، في ظل التأثير أدبياته الواضح، باعتبارها صورة نموذجية لرؤية تيار إصلاحي ممتد، وتيار لم يكن يخفي أيديولوجيته القائمة على التصدي لتيار التغريب. ليبرز السؤال الإشكالي الآتي: هل دعوة “الأدب الإسلامي” كانت دعوة نابعة من حاجة ثقافية وحضارية، أم مجرد دعوة أيديولوجية، غايتها العليا هي الدفاع عن “المذهبية الإسلامية” في كافة مجالات الحياة.

كتب سيد قطب الكثير في مجال النقد والأدب، ورغم أنه لا يمكن إلا الإشادة بما تركه في مجال النقد والدرس الأدبي، إلا أن موقفه من ثقافة الغرب وحضارته قد طبع تصوره النظري في مجال الأدب ببعد التعصب للمذهبية الإسلامية.

قد يلتمس لسيد قطب عذر الرغبة في قطع الطريق دون التهديد الثقافي والحضاري الذي أرخى بظلاله، وعمت مظاهره الحياة الثقافية والاجتماعية وغيرها في الشرق، لكن هذه النزعة انزلقت بنقده في أغلب الأوقات إلى نقد أيديولوجي صارم سيؤثر بصورة من الصور في أغلب نقاد مذهب “الأدب الإسلامي” ومنظريه من خلال التعصب لتصور خاص؛ يقول على سبيل المثال: «نحن – أصحاب المنهج الإسلامي للحياة – نملك للبشرية ما لا يملكه أحد آخر على ظهر هذا الكوكب… منهجنا هذا لا يجعل الدين مجرد ذلك النشاط الروحي.. إنما هو يجعل الدين بوتقة الحياة كلها.. تصهر فيه».4

ليست هذه التصورات مجرد نزعة خطابية، بل هي رؤى وتصورات مؤسسة نابعة من اقتناع أيديولوجي واضح، فرضه وعي سائد لدى شريحة واسعة من المجتمع، وتدرك أبعاده في العديد من كتابات سيد قطب ككتاب “مهمة الشاعر في الحياة” وكتاب “دراسات إسلامية” وكتاب “هذا الدين” وكتاب النقد الأدبي أصوله ومناهجه” وغيرها.

المواقف المناهضة بشدة، قد تحمل في طياتها رغم ذلك أبعادا إيجابية، وقد تترجم إلى سلوك معتدل ومتوازن، لكن الاندفاع العاطفي يصير – رغم ذلك – حجابا يحجب الموضوعية، وقد يتحول إلى تطرف يمنع الارتفاع إلى آفاق أكثر رحابة، وأكثر اتساعا.

النزعة التي سيطرت على فكر الانبعاث والفكرة الإصلاحية، تحولت هي نفسها، ودون وعي إلى نزعة تحاكم المعطى الأدبي عموما، وانتهت إلى نزعة تصنيفية صارمة حاكمت جما مهما من أهل الفن والأدب وحاكمت أدبهم، محاكمة أخلاقية غير متصلة بالضرورة بمدى التزامهم الأخلاقي.

5

لقد اجتهد بعض النقد الإسلامي في بناء منظومة معيارية حُوكِمَ الفن عموما والأدب خصوصا في ضوئها، ولم تكن هذه المنظومة سوى هواجس أيديولوجية قائمة – وللأسف – على الصراع الثقافي والفكري، الذي ظل يؤثث المشهد في عالم المسلمين.

ما يؤيد ذلك هو اللجوء الاضطراري إلى بعض النماذج من الأدب العالمي بحثا عما يكون نموذجا يوجه الأديب المسلم أو الأديب، الذي يستحق شرف الالتحاق بحقل “المذهبية الإسلامية”، من زاوية نظر النظرية، وهو ما أتاح لبعض نقاد “الأدب الإسلامي” وهم يبحثون عن موطئ قدم لنظريتهم طلب النموذجية في بعض الأدب أو الإبداع الذي كتبه أو أبدعه أدباء غير مسلمين. لقد كان هذا هو جوهر ما قام به محمد قطب في كتابه “منهج الفن الإسلامي” حين بدا وكأنه ينظر للإبداع الأدبي من زاوية منهج إسلامي آخذ في التبلور.

والمتأمل فيما كتبه محمد قطب سيلمس أنه قد عمل بأسلوب غير مباشر على إرساء جملة من المعايير الصارمة التي ينبغي نقد – حتى لا نقول محاكمة – الفن ومن أبدعه من خلالها وبها.

وبعبارة أخرى لقد حاول محمد قطب التنظير لفن ولأدب يرجى تحققه، يقول:

«الأدب الإسلامي – في صورته المتكاملة التي استعرضنا أسسها من قبل – شيء لم يوجد بعد في الإنتاج البشري!

ولكن هذا لا ينفي وجود بواكير متفرقة من هذا الأدب ، تنبئ بأنه قد ولد بالفعل ، وأنه في طريقه إلى التكامل والنضوج .

وهذا وحده شيء ليس بالقليل …

فحين يطمئن الإنسان إلى هذه البواكير ، وإلى دلالتها على النضج المقبل ، يستطيع أن يتطلع إلى اليوم الذي يتكامل فيه هذا الأدب – والفنون الأخرى كذلك – فتعطي الإنسانية كلها ذلك القبس المشرق الذي لم تهتد إليه بعد ، وإن كانت قد وفقت إلى لمحات منه بين الحين والحين ؛ وتعطيها ذلك الطعم المتكامل الذي افتقدته منذ مولدها ولم تصل إليه في تمامه، وإن كانت قد ذاقت بعض نكهاته متفرقة هنا وهناك : «القبس الكوني» الذي يعبر عن معنى الوجود كله .. والطعم الإنساني الذي يعبر عن كل وجود الإنسان.

والأمر في حاجة إلى مسلمين .. فنانين!

مسلمين يعيشون الإسلام في حسهم حقيقة واقعة، ويتلقون الحياة كلها بحس إسلامي، ومن خلال التصور الإسلامي؛ فنانين في ذات الوقت، يعبرون عن هذه الحقيقة الواقعة في حسهم بصورة جميلة موحية، تتحقق فيها شروط الفن ومقاييس الجمال التعبيري.

والعنصران لازمان معاً في ذات الوقت.

فليس يكفي أن يكون الإنسان مسلماً لكي ينشئ فناً إسلامياً تتحق فيه شروط الفن.

وليس يكفي بطبيعة الحال أن يكون فناناً – أي فنان – ليصل إلى التعبير عن الفن الإسلامي»5

ورغم ما قد يلمس في خطاب محمد قطب من روح إيجابية متطلعة إلى ممارسة فنية وأدبية تتغنى بالوجود وتحقق المبادئ السامية للرؤية الإسلامية، إلا أن الصراع الأيديولوجي كان هو الخيط الرفيع الذي وجه أغلب هذه الرؤى في هذا المجال.

قد تكون طبيعة المرحلة التاريخية التي نظَّر فيها محمد قطب للفن والأدب فرضت ذلك، لكن الممارسة النقدية ما لبثت أن تحولت إلى سيف سلطه بعض النقاد على الأدب والأدباء. بالنظر إلى تأثير البعد النظري لمحمد قطب في أغلب منظري “الأدب الإسلامي”

اختار محمد قطب جملة من الشخصيات الفكرية والأدبية اعتبرها نماذج تحقق الأدبية الإسلامية فيما تبدعه، أو هي كما عنونها بـ”في الطريق إلى الأدب الإسلامي” ويجد المتأمل من بينها شخصيات غير مسلمة كطاغور، الذي عد أدبه في نظر محمد قطب فنا وأدبا ذا عذوبة وجمالية يمكن أن تكون نبراسا يضيئ طريق الأدب المأمول في إطار الإسلامية، بالإضافة إلى رؤيته الإنسانية التي تقترب من جوهر الأدب الإسلامي. وعلى هذا الأساس صنف أدبه نموذجا يمكن لأدباء الصنف الأدبي الإسلامي الاقتداء به.

لقد وجد محمد قطب في بعض إبداع طاغور الشاعر الهندوسي غير المسلم ما يجسد ذلك النموذج الإبداعي الذي يتطلع إليه، أي ما يجسد تلك النموذجية المتطلع إلى تحقيقها.

وإذا كان هناك من شيء يمكن استخلاصه مما ذهب فيه محمد قطب، ومن سار في ضوء تصوره، فهو حقيقة وجود هذا الأدب المتطلع إليه وجودا فعليا، الأمر الذي يقلص التصور النظري الذي آمن به محمد قطب إلى مجرد تصور يتطلع إلى ذات مبدعة متدثرة بدثار أيديولوجي ينتصر لمذهبية أدبية محدد، منحدرة من مذهبية فكرية هي “الإسلامية”

وعلى الرغم من المكانة الفكرية التي يحتلها محمد قطب وفكره في حقل الإصلاحية الفكرية الإسلامية، فإن بعض الغموض قد شاب تصوره ففي الوقت الذي يورد فيه نماذج أدبية لأدباء مسلمين كمحمد إقبال المفكر والشاعر الهندي المعروف، وبهاء الدين الأميري الأديب السوري، بالإضافة إلى تحليله لبيتين شعريين لسكينة بنت الحسين، على أساس أنهما يجسدان الرؤية الأدبية الإسلامية، أو يجسدان الرؤية الإسلامية للحياة في الأدب، يقول في نهاية تحليله للبيتين:

«وهنا كذلك نلتقي مع أحد المفاهيم الإسلامية للكون والحياة والإنسان، ونلتقي في نطاق الفن، فهي لا تجيء إلينا مبلورة في صورة فلسفية، وإنما تجيء من خلال تجربة إنسانية حية، ومن خلال وصف فني لخلجات النفس، يبرز التجربة بلغة المشاعر النفسية لا بلغة الذهن والتجريد»6

وفي خضم هذا التصور نلتقي مرة أخرى في الكتاب مع تحليل لنموذج فني آخر عبارة عن نص مسرحي للكاتب الإيرلندي ج.م سينج بعنوان “الراكبون إلى البحر” وهو يعترف بأن سينج في هذه المسرحية يلتقي والتصور الإسلامي التقاء جزئيا، الأمر الذي يدفع المتأمل إلى التساؤل عن طبيعة هذه الانتقائية ومدى مشروعيتها في بناء نظرية أدبية وفنية متطلع إليها؟

والغالب أن ما وجه هذا التصور هو هاجس ثقافته الآخر، الذي يظل حاضرا بظلاله بصور شتى، ويأبى إلا أن ينعكس في مرآة التصور النقدي، من خلال الرغبة في تقديم الدليل على أن أخذ موقف من الثقافة الوافدة ليس مطلقا، ولكنه قائم على منطق طلب الحسنة أنا وجدت، وقائم على مبدإ المثاقفة باعتبارها سلوكا لجأت إليه الحضارة العربية في أوج عطائها، يقول:

«تتمثل في الأدب العربي الحديث نهضة فريدة، قد لا تكون لها شبيه في تاريخ هذا الأدب كله إلا في العصر العباسي، حين اتسعت آفاق الأدب، وشملت كل المجالات المتاحة في ذلك الحين

وهذه النهضة الحديثة التي ترجع جذورها إلى نهاية القرن التاسع عشر، والتي امتدت في النصف الأول من القرن العشرين حتى شملت كل مجالات الأدب والفنون من قصة ومسرحية وشعر وملحمة ومقالة وخاطرة وبحث. تشبه مثيلتها في العصر العباسي، في أنها لم تكتف بالأصول العربية، وإنما استمدت مما جاورها من الثقافات والحضارات والآداب والفنون ثم صاغت ذلك كله في أسلوب عربي وإطار عربي».7

اتجه محمد قطب من خلال هذا الخطاب إلى القبول بأن فكرة تأثير الثقافة الغربية في نهضة الشرق وخاصة في مجال الأدب والفن أمر شبه حتمي ومنطقي، إلا أن الروح التأصيلية التي أبان عنها محمد قطب في السطور التي تلت الإلحاح على المثاقفة باعتبارها سنة كونية، تؤكد بأن منطق الصراع ظل هو الموجه القوي لنمط فكري يدعو إلى نموذجية تأصيلية نابعة من الخصوصية الثقافية، وخاصة من الخصوصية الدينية المتمثلة في الإسلام. وأما طلب هذه النموذجية فيما يمكن اعتباره مشتركا إنسانيا، فلن يتجاوز حدود اكتمال شخصية المذهبية الإسلامية في الأدب والفن.

لقد منهج محمد قطب البدايات النظرية لنقاد آخرين يطلبون رؤية أدبية وفنية كعماد الدين خليل، الذي حلل في كتابه “في النقد الإسلامي المعاصر” مسرحية للكاتب الاسباني أليخاندرو كاسونا عنوانها “مركب بلا صياد” وقد آل على نفسه في تحليله لهذه المسرحية إبراز القيم الإيمانية من وجهة نظره. يقول فيما يشبه خلاصة فكرية للمسرحية، ويضفي المشروعية على اعتبارها عملا فنيا وأدبيا يستحق إدراجه في حقل “نظرية الأدب الإسلامي”: يقول

«في مسرحية (مركب بلا صياد) يلتقي الشعر بالخيال الجميل بالإيمان، ويتعانق الفن والحياة في تكوين رائع هادف، ويتقابل قدر الله وإرادة الإنسان في تناغم وجداني مؤثر، وينتصر الخير على الشر والحياة على الموت والقيم على الانحلال في غنائية تنساب في جنبات الوجدان..

في مسرحية (مركب بلا صياد) نجد نموذجا للأدب والفن اللذين ينبثقان عن تصور إيماني للحياة والعالم دون اعتساف ولا مباشرة ولا روح تعليمية»8

كاد عماد الدين خليل يقول إن الأدب الإسلامي ورؤيته يعم صنفا من الآداب العالمية، بغض الطرف عن طبيعة الدين الذي ينتمي إليه صاحب الإبداع أو المبدع.

في ظل ما تقدم من ملاحظات؛ يمكن التقرير بأن الصورة النموذجية التي تطلع إليها جيل رواد “نظرية الأدب الإسلامي” لم يكن شيئا مفقودا، بل إن نماذجه موجودة في الآداب العالمية، ومنذ زمن بعيد، وهي تحتاج إلى أن ترصد ويبحث عنها ويعتنى بها، كنماذج أدبية وفنية يحتضنها حقل القيم الإنسانية النبيلة، في أفق محاصرة القيم الفاسدة وهذا هو صلب ما يذهب إليه محمد قطب وعماد الدين خليل، وغيرهما.

6

يؤكد هذا البعد؛ التفسير الوحيد، الذي تحكم في هذا التوجه ، وهو هاجس الصراع الثقافي والصراع الحضاري، بين ثقافة الذات، وثقافة واردة تمكنت من أن تغرس بعض لوازمها، وصارت تمد أغصانها في كل مكان، الأمر الذي استفز الذات، فانتفضت تريد التصدي لهذا الوباء –من وجهة نظرها- ، لكن بعض نتائج هذا التصدي انجرفت دون وعي إلى مجرد دعوات أيديولوجية في مجال الأدب والفن.

ويبدو توجه سامي مكي العاني في كتابه “دراسات في الأدب الإسلامي” مختلفا بالنظر إلى تركيزه على البحث عن ملامح الإسلامية في أدب المرحلة، التي تلت نزول الإسلام، والتي أثرت بصورة من الصور في عدد من الشعراء وفي الأدب، يقول سامي مكي العاني:

«اعتاد معظم دارسي ومؤرخ الأدب العربي أن يلحقوا “الأدب الإسلامي” بالأدب الأموي، أو أن يجعلوه تتمة للأدب الجاهلي أو خصه بوريقات معدودة فقط، بدعوى أن ملامحه لم تتضح بعد، ومميزاته لما تتبلور.

ومن هنا حرم القارئ من الاطلاع على جوانب أدب تلك الفترة العزيزة من تاريخ أمتنا المجيدة.

ومما عمق الاتجاه وأكده، ما أشاعه بعض الباحثين من العرب والمستشرقين عن ضآلة أثر الإسلام في الأدب العربي إبان تلك الفترة

وهذا وهم ينفيه ما وصل إلينا من شعر ونثر ، كان صدى لتعاليم الإسلام وأحداثه».9

يؤكد هذا الموقف، حضور وعي يطلب “الأدب الإسلامي” في المرحلة القريبة من نزول الوحي، وتأسيس المجتمع الإسلامي في المدينة على وجه التحديد، قبل أن يمتد إلى مناطق مختلفة من جزيرة العرب، وإلى أبعد من ذلك.

تقوم نظرية سامي مكي العني على لفت الانتباه إلى تأثير الإسلام في الشعر وفي النثر، أو على الأقل في بعض الشعر وبعض النثر، بفعل ما أحدثه من تغيير في القيم والأخلاق. وعند استعراض ما ضمنه كتابه سنلمس الأبعاد النقدية التي ارتكز عليها في وضع تصوره، واللافت للانتباه فيما يذهب إليه سامي مكي العاني، هو الربط بين التحولات التي عرفها المجتمع وما رافق ذلك من وعي معين، أسهم بدوره في ظهور نزعة أدبية مدافعة عن قيم معينة كانت قائمة حين نزل الوحي ووضعها أمام أزمة وجودية، وهو ما أبرزه ابن سلام الجمحي بوضوح في كتابه “طبقات فحول الشعراء” حين بين بأن قريش لم يكن بينهم نائرة أي صراع وخصومة حتى يتطور الشعر مثلا، ولذلك عندما بدأ الصراع بين المسلمين وقريش بعد الهجرة كان الشعر والأدب أحد أهم السبل الموظفة في الصراع والمواجهة، وهو ما أسهم في ظهور خطاب شعري ينافح عن الدين الجديد وعن قيم. ومما دعم به العاني موقف هو ما ورد في القرآن من ذكر للشعر والشعراء، يقول بعد استعراض موقف القرآن من الشعراء والشعر:

«..يمكن أن نستنتج أن القرآن قد ميز بين فريقين من الشعراء.

فريق استغل فنه فيما ينافي هدى الدين وآدابه فهو الفريق المعيب الذي حاربه القرآن. وفريق اتجه بشعره إلى عمل الخير الجميل وإلى نصرة الحق أنَّى وجد، فهو الفريق الذي أخرجه من ذلك الوصف العام، وأيده بكل ما أوتي من طاقة مادية ومعنوية.

فالقضية إذن فيما يتناول من المعاني والأغراض وليست في الشعر ذاته لأنه سلاح ذو حدين.

ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: إنما الشعر كلام مؤلف، فما وافق الحق منه فهو حسن، وما لم يوافق الحق منه فلا خير فيه»10

وعلى العموم؛ لقد أثارت هذه القضية الكثير من الجدل والنقاش، الأمر الذي يؤكد أهمتها النقدية، ويؤكد في الوقت نفسه تحولها إلى قضية للصراع الفكري والمذهبي ما يزال مستمرا، يستعر جدلها حينا ويخبو حينا آخر، لكنه في ظل ذلك يؤكد حيوية الذات في البحث عن شهودها في ظل التحولات الكبرى التي يمر منها عالم اليوم.

7

يكمن جوهر القضية في التعرض لماهية الأدب وجوهره، ومعرفة المقومات التي تصنع أدبية الأدب، ومعرفته فلسفة الأدب، وهو ما يفرض إثارة السؤال أثير منذ القديم إن بصورة مباشرة، كما أثير بصورة ضمنية، ومفاده ما مكمن جوهر الأدب، أو ما الذي يصنع أدبية الأدب، وشعرية الشعر، وروائية أو حكائية السرد، قصة كانت أم رواية، على أساس الوعي بأن هناك فروقا بينهما تسمح للتجنيس بأن يجد مكانه في المقاربة النقدية؟

قضية جوهر الإبداع الأدبي قضية مركبة ومتشابكة في الوقت نفسه، والذي يصنع التركيب، هو تعدد زوايا النظر إلى هذا الموضوع باعتباره قضية إنسانية. وأدق سياق تثار فيه ا هو سياق “المذهبية الإسلامية” في ظل نظرتها الدينية لمختلف القضايا المتصلة بالواقع الحضاري لأمة تدين بالإسلام، والحرص على استحضار مجهر التصور الديني في كل سعي إلى الفهم وبناء الاقتناعات.

حرص دعاة “المذهبية الإسلامية” على تناول مختلف القضايا الفكرية والحضارية وحتى الفنية في ظل الرؤية الإسلامية، ولقد أثرت هذه المذهبية تأثيرا واضحا في التصورات، وراكمت معطى تصوريا تأصيليا لمعرفة العصر في إطار ما يعرف بـ”أسلمة المعرفة”، ولم تكن هذه “المذهبية الإسلامية” مجرد شعار يوظف في القضايا السجالية، بل كان تيارا واعيا بالبعد الحضاري والثقافي لهذه المذهبية، يقول محمد عبيد حسنة في تقديمه لكتاب محسن عبد الحميد، “المذهبية الإسلامية والتغيير الحضاري”:

«إنه إلى جانب المعارك الكثيرة والمتعددة التي تدور رحاها على الأرض الإسلامية في إطار الاستعمار ومحاولات الاحتواء الثقافي هناك معركة يمكن أن تكون الأخطر في مجال الصراع الحضاري، وهي معركة المصطلحات، حيث تقذف مجتمعاتنا يوميا عن طرق وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية بكثير من المصطلحات السياسية والفكرية والجغرافية … البديلة لما ألفنا وعرفنا إلى درجة الإغراق لتخرجنا من مواقعنا الفكرية، وتسلب شخصيتنا الحضارية، وتطارد مصطلحاتنا وتحدد لها المعاني التي تريدها…وقد تكون المشكلة أو الكارثة – إن صح هذا التعبير – أن معظم المثقفين في عالمنا الإسلامي اليوم أصبحوا أسرى المصطلحات والأفكار الأوروبية بشكل عام، ينطلقون منها ويفكرون من خلالها، ومن الصعوبة البالغة التحرر منها لأنها صورة من صور الاحتواء الثقافي نتيجة الإصابة بمركب النقص أمام التحدي الحضاري الغربي، وقد ينتصر بعض البسطاء عاطفيا للإسلام، فيحاول إسقاط المفاهيم والمصطلحات الغربية على المفهومات الإسلامية فتعييهم عملية التوفيق، لكن كثير من الخبثاء يحاولون الالتفاف حول القضية، ويتسللون إلى الشخصية الإسلامية من خلال إسقاط هذه المصطلحات على المفهومات الإسلامية، أو يمارسون الخداع لجماهير المسلمين بادعاء أن هذه المصطلحات ليست غريبة عن طبيعة الإسلام ووجهته ليخفوا بذلك حقيقة أمرهم ودعوتهم في المجتمع الإسلامي…»11

إن القول بالمذهبية الإسلامية كما يبرز ذلك محسن عبد الحميد قول يمنع التخبط المصطلحي في الدلالة على حقيقة الإسلام باعتباره دينا وعقيدة، يقول: «..ذهب عدد من الكتاب الإسلاميين في السنوات الأخيرة إلى استعمال “المذهبية” للدلالة على ما ذهب إليه الإسلام في أمور الكون وخالقه والحياة والإنسان، أي القضايا التي تتعلق بالكليات وليس الجزئيات.

والحق أن هذه اللفظة زيادة على أنها دالة على معناها لغة، يمكن أن تتحول إلى اصطلاح يحقق هدف الإسلاميين من إطلاق لفظ “الفكر الإسلامي” الذي رفضناه بالمعنى الذي استعمل (الوحي) كتابا وسنة. ثم إنه يخصنا بلفة تميزنا وتحول بيننا وبين استعمال “الأيديولوجيا” الأجنبية بمعنى الأصول والكليات الإسلامية

وقد يقول القائل: لماذا لا نستعمل “العقيدة الإسلامية” للدلالة على المعنى الذي نريد، حتى نتخلص من المصطلحات الأخرى.

نقول: إن “العقيدة الإسلامية” مصطلح مستعمل منذ القديم، يشمل الإلهيات والنبوات والمعاد والقضاء والقدر فقط، بينما نحن نريد مصطلحا أشمل من هذا. “فالمذهبية الإسلامية” تشمل العقيدة الإسلامية وتشمل غيرها من الكليات التي ارتضاها الإسلام في العالم المادي لضبط حركته، سواء في الحياة عموما أو في المجتمع، أو داخل عالم الإنسان من حيث هو فرد»12

المذهبية التي يتطلع إليها محسن عبد الحميد باعتباره مفكرا إسلاميا، بل مفكرا إصلاحيا يؤمن بتجدد الفكر الإسلامي، مذهبية يجب أن تعم كل مجالات الحياة، ويجب أن تكون هي الموجه للإنسان في كل أموره وأحواله الخاصة والعامة. فهي مذهبية شمولية وليست مجرد رؤية تجزيئية، تهتم بكل ما يتصل بالإنسان، وهو تصور يحمل العديد من الأبعاد المشرقة، إلا أنه ابتعد عن هذه الروح المشرقة حين تحول إلى مجرد موجه للصراع وإلى مجرد منظومة أيديولوجية لتبرير الموقف من الآخر ومن حضارته، بمعنى أنه تحول إلى مجرد مذهب فكري يدخل مع المذاهب الفكرية ومختلف التيارات في صراع.

لقد فرض الواقع الفكري والحضاري على هؤلاء الرواد اتخاذ هذه المواقف والتصورات، فالشعور بضرورة مرور الأدب بمخاضه الطبيعي، قبل خلق التراكم الفني والأدبي، لم يكن غائبا عن تصورهم ووعيهم، لكن الباعث الأيديولوجي فرض عليهم الإصرار على تأكيد وجود روح “الإسلامية”، أو روح “المذهبية الإسلامية” في نماذج أدبية كثيرة، حتى وإن لم تكن مسلمة، وغير منتمية لعالم المسلمين، فضلا عمن هم مسلمون.13 وتجدر الإشارة في هذا الإطار إلى أن العديد من النقاد والأدباء، قد حققوا مثل هذا التراكم، دون أن يكون لهم أدنى وعي بهذه المذهبية الإسلامية.14 15

وإذا كان جيل الرواد الذين حاول التأسيس لنظرية جديدة في الأدب في ظل “المذهبية الإسلامية” أو من زاوية الرؤية الإسلامية، قد عملوا على تبين ملامح هذا الطموح في نماذج أدبية أبدعها غير المسلمين كما أشير إليه سالفا، فإن المجال الإسلامي لم يكن خاليا من تجارب أدبية تحضر فيها المقومات المأمولة، لكن دون أن تقبل الانضباط لمذهبية إسلامية صارمة.16

وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى وجود أدباء ينمون إلى عالم المسلمين جغرافيا ويبدعون بتوجيه من هويتهم الثقافية، لكن دون أن يكون لهم أدنى شعور ببناء مذهبية الإسلامية، وقد حققوا بعض التراكم الأدبي خارج دائرة المذهبية الإسلامية هذه، وعلى هذا الأساس لا يجد المتأمل أي مبرر لإقصاء علم مثل العقاد على سبيل المثال عن دائرة الأدبية الإسلامية. فالمشكلة «لم تعد مشكلة حوار وجدل، حول التنظير بالدرجة الأولى، ولكنها في الحقيقة مشكلة ممارسة وإنتاج وإبداع، وعبر التجارب يتبلور وجه الحق والصدق ، فلا قيمة للجدل دون تقديم النماذج المعبرة عن نظرية الأدب الإسلامي ، مدعومة بالنقد الذي يعرف كيف يرعى القابليات ، ويكشف العثرات، ويمهد لأدب إسلامي حقيقي ، ذي صفات مميزة.»17

تتأسس النظرية – فيما نرى – على التراكم، ولا يمكن تصور نظرية في الأدب تسبق الأدب نفسه، إلا إذا كانت النظرية نظرية تحركها دوافع أيديولوجية وذات أبعاد صراعية.

8

يفرض المقام ضرورة التعرض لقضية الجمال أو الاستيطيقا ، على أساس أنه إذا تم تحديد ماهية الفن عموما وماهية الإبداع، و تحديد ماهية الفنان وماهية المبدع، فإن الكثير من مقومات نظرية الأدب تتوضح. ومن هذا المنظور فإن القرآن قد أعطى بعض الإشارات التي يمكن اتخاذها منطلقا للتحديد ذلك، فقد نفى عن الرسول صلى الله عليه وسلم صفة الشاعرية، وأكد أنه لم يعلمه الشعر وبأن ذلك لا ينبغي له، لأنه مبلغ رسالة، لكن القرآن في الوقت نفسه أبرز أن للشاعر مكانة مهمة، وصنف الشعراء إلى صنفين كبيرين، وألح في الوقت نفسه على البعد الفني والجمالي الذي يأتيه الشعراء، وعلى طابع الغواية الذي يجلب به الألباب، لكنه أطر ذلك بعدم الخروج عن توازن محدد.

وعلى هذا الأساس؛ اتجهت نظرية الأدب الإسلامي تبني المعايير التي تسمح بحشر السلوك الأدبي والأدباء بنزعة يتحكم فيها البعد المذهبي والبعد الأيديولوجي وبعد الصراع، لكن كَمّاً مهما من الإبداع الأدبي، وعددا مهما من الإبداع صار بحكم التصنيف الذي فرضته المذهبية خارج نطاق الأدب الإسلامي.

في إطار علاقة الديني بالأدبي باعتباره موضوعا إشكاليا تبدو المواقف متباينة ومتناقضة، وغير مقتصرة على فترة دون أخرى، أو مذهب دون آخر. فقضية علاقة الديني بالأدبي علاقة قديمة يتجدد جدلها دائما؛ فكما ناقشها القدماء ناقشها المحدثون، وليست مقتصرة على العربي دون العجمي، فكما ناقشها النقد الأدبي العربي، نالت حظها من النقاش في كواليس الآداب الغربية.

ونقف في هذا الإطار على موقفين:

الموقف الأول يرفض أي علاقة تقوم بين الديني والأدبي.

والموقف الثاني يقر بالعلاقة، لكن عبر مستويين متباينين:

ينظر الأول منهما لهذه العلاقة على أساس أنها علاقة احتضان تام،

ويرى الثاني، أنها تقف عند حدود الأخذ والعطاء، أي تبادل التأثير والتأثر، بل وحتى الحضور الضمني.

رفض أصحاب الموقف الأول أن تقوم أدنى علاقة بين الديني والأدبي، بل عدوا هذه العلاقة سيفا مسلطا على الأدب، ويحول دون أداء الأدب لوظيفته المنوطة به نظرا للبون الشاسع بينهما، ونظرا كذلك لبعد الأدب عن المعيارية، ولانفلاته من الرقابة، خاصة إذا حضرت المعيارية الدينية بكل صرامتها.

تبنى هذا التصور عدد من النقاد القدامى حين اعتبروا الشعر في معزل عن الأخلاق والدين، فالأصمعي كان يرى أن الشعر إذا خالطه الدين ضعف ولان، والأمر الذي يبرر ضعف الشعر الإسلامي لعدم طرقه للمواضيع، التي كان يأتيها الفحول، ولاقتصاره على تناوله المواضيع الدينية يقول د. محي الدين صبحي : « وظلت قضية العلاقة بين الشعر من جهة، والدين والأخلاق من جهة أخرى، سلاحا يشهره غير النقاد في وجه الشعراء. وأما النقاد فقد التزموا هذا الفصل على طول الخط. فنجد أبا بكر محمد بن يحيى الصولي (335) في كتابه “أخبار أبي تمام – يدافع عن مكانة شاعره بالفصل بين معتقد الشاعر وشعره. فقد يكون أبو تمام ملحدا، لكن شعره يظل جيدا18… وقد واجه المشكلة ذاتها أبو الفتح عثمان بن جني (392) حين أراد الدفاع عن شاعره المتنبي ضد الذين يطعنون في صدق معتقده، توصلا إلى الطعن في شعره ». 19 20

ولم يقتصر هذا على الأصمعي والصولي، بل نجد نقادا آخرين ممن تشبعوا بالفلسفة اليونانية كقدامى بن جعفر، الذي استحضر في تقسيمه المنطقي لفن الشعر وموضوعاته تقسيم أفلاطون لفضائل الشعر : العقل، والشجاعة، والعدل، والعفة، التي تثبت في المدح والرثاء، وتنفى في الهجاء، إلا أن قدامة مع ذلك كان يجيز «الفحش والرفت في الشعر لأن الهجاء فن من فنون الشعر يتناول تصوير الجوانب السالبة، ولا يتوجب على الشاعر إذا شرع في غرض من أغراض الشعر إلا أن يتوخى البلوغ إلى النهاية المطلوبة من التجويد».21

وفي السياق نفسه، أثــار موقف القاضي الجرجاني حفيظة الكثير من النقاد الذين أضمـروا في أذهانهـم فكرة فصل الدين عن الأدب، أو الفصل بين ما هو أدبي وما هو ديني. إلا أن تصوره هذا، فهم معــزولا عن إطاره الموضوعي، الذي ورد فيه كما يـرى –أسامة يوسف شهاب- حيث أخذت قانونا يجــري تعميمه معيارا رسميا يستدل به على فصل الديني عن الأدبي. خاصـة وأن الأمر يتعلق بناقد كبير كالجرجاني يقول أسامة يوسف شهاب فـي هذا الصدد : «وقد أعلــن هذا الموقف الجرجاني على أن يرد على خصوم المتنبي الذين رفضوا شعره لأنهـم وجدوا عنـده أبياتا تدل على وهن العقيدة».22 ويضيف « واحسب أن أهل الجاهلية لديهم من الخلق، والصفات النبيلة ما يفوق أخلاقيات عصر الجرجاني – من نقاد القرن الرابع وشعرائه – بل عصرنا – والإسلام لا يرفض الشعر الجاهلي رفضا قاطعا وإنما وجه الشعر وجهة إسلامية إنسانية عالمية».23

أولى إحسان عباس هذه القضية النقدية عناية خاصة، ووقف عند موقف الأصمعي، الذي عرف بالورع والتقوى، وبكونه أحد أبرز علماء اللغة إن لم يكن أبرزهم، والذي يرجع له الفضل في جمع رصيد مهم جدا من اللغة العربية من بطون البادية العربية خدمة للقرآن الكريم، الأمر الذي جعل موقفه من معتقد الشاعر، وعلاقة ذلك بشعره وأدبه أمرا يدعو إلى التفكير والتأمل، يقول إحسان عباس: «من العجيب أن الأصمعي الذي كان يتحرج تدينا من رواية أي شعر فيه ذكر الأنواء، يقيم حدا فاصلا بين الشعر والدين، ويراهما عالمين منفصلين لا يتصل أحدهما بالآخر، وفي اتصالهما حيف على الشعر نفسه، ومن تم نسمعه يقول في لبيد راوياً هذا القول عن أستاذه أبي عمرو بن العلاء : «ما أحد أحب إلي شعراً من لبيد بن ربيعة لذكره الله عز وجل وإسلامه وذكره الدين والخير . ولكن شعره رحی بزر»، يريد أنه ذو جعجعة وطنين، وليس وراءه كبير شيء؛ ويسند الأصمعي رأي أستاذه بقوله: «شعر لبيد كأنه طيلسان طبري، يعني أنه جيد الصنعة وليست له حلاوة». وأوضح من هذا في تبيان موقفه من العلاقة بين الشعر والدين ، قوله الذي لا يزال يقتبس دائماً في هذا المعرض: وطريق الشعر إذا أدخلته في باب الخير لان، ألا ترى أن حسان بن ثابت كان علا في الجاهلية والإسلام فلما دخل شعره في باب الخير – من مرائي النبي (ص) وحمزة وجعفر رضوان الله عليهما وغيرهم – لان شعره. وطريق الشعر هو طريق شعر الفحول مثل امرئ القيس وزهير والنابغة، من صفات الديار والرحل والهجاء والمديح والتشبيب بالنساء وصفة الحمر والخيل والحروب والافتخار ، فإذا أدخلته في باب الخير لان . . . ففي هذا النص القيم الغريب نجد الأصمعي قد قصر مجال الشعر على الشئون الدنيوية التي كانت سائدة في الجاهلية ، وحدد موضوعاته التي تصلح له»24

وعلى أثر الأصمعي، صار قاضي القضاة الجرجاني، فقد جهر بأن الأدب غير الدين، واعتبر بأن ورود ما يعارض الدين في الأدب، لا يضير الأدب، ولا ينقص من قيمته الفنية والأدبية، يقول القاضي الجرجاني: «فلو كانت الديانة عاراً على الشعر، وكان سوء الاعتقاد سبباً لتأخر الشاعر، لوجب أن يمحى اسم أبي نواس من الدواوين، ويحذف ذكره إذا عدت الطبقات، ولكان أولاهم بذلك أهل الجاهلية، ومن تشهد الأمة عليه بالكفر، ولوجب أن يكون كعب بن زهير وابن الزبعرى وأضرابهما ممن تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاب من أصحابه بكما خرساً، وبِكاء مفحمين؛ ولكن الأمرين متباينان، والدين بمعزل عن الشعر»25 فالعبرة المستخلصة هي أن الدين والمعتقد لا يمكن أن يكون معيارا في الحكم على أدبية الأدب وشعرية الشعر، ويرجع محمود السمرة سبب ذلك إلى طبيعة المرحلة والظروف السياسية، فقد كان الأدب سلوكا يعكس طبيعة المجتمع، ويعكس، على وجه الخصوص، حال طبيعة التوجه الفكري والثقافي، وحتى نمط الوعي والذوق العام الذي قد يندرج الفن والأدب ضمنه.26

9

هذه الملاحظات وغيرها تدفع إلى البحث عن العلل التي جعلت رواد الأدب الإسلامي يتغافلون عن هذه المواقف النقدية القادمة من عمق التراث الثقافي والحضاري للأمة في ظل تصورهم، ثم يحرصون كل الحرص على جعل الثوابت الدينية مقياسا للحكم على الأدب عموما، مع التنبيه إلى موقفهم الواضح من التراث الثقافي للحضارة الإسلامية. ومن هنا يمكن القول بأن الدافع إلى مثل هذا الموقف هو الدافع الأيديولوجي الذي فرضه وضع حالة عدم الاستقرار الفكري والثقافي في ظل الحضور البارز لضغط الغرب وثقافته وحضارته.

وبعابرة أخرى؛ إن الفكرة التأصيلية والفكرة الإصلاحية التي عمت عالم المسلمين والعالم العربي جزء منه كان هو المحفز لفكرة المذهبية الإسلامية.27

لقد أسس موقف المذهبية الإسلامية على رفض ثقافة الغرب، وعلى إعادة الاعتبار للرؤية الإسلامية في كافة مجالات الحياة وخاصة الحياة الثقافية والفكرية، وكان الفن والأدب مكون مهم جدا جرى أطر خطاب الهوية والتأصيل.

يضاف إلى هذا الموقف موقف آخر له أهميته القصوى وهو موقف خطاب الاستشراق، الذي انحرف جله عن الموضوعية في إنصاف الثقافة والحضارة الإسلامية، فقد مال هذا البعض إلى التشكيك في أصالة قدر مهم إن لم يكن كل مكونات الثقافة الإسلامية وميله إلى تأكيد أن مصدر هذه الثقافة لم يكن نابعا من التحول الكبير الذي أحدثه الإسلام في أصل مجتمع عربي كان رصيده من الحضور الحضاري بسيطا في ظل مقاييس الحضارات السائدة حين نزول الوحي. وقد عم هذا التشكيك أغلب مكونات البناء الحضاري وخاصة اللغة والوعي الفكري والعمراني. ولذلك فإن المتأمل فيما كتبه عدد من المثقفين والمفكرين بخصوص نظرة الإسلام إلى الفنون سيلمس روح الدفاع عن الحضارة الإسلامية وثقافتها باعتبارها معطى أسهم وحده في بناء الشخصية الحضارية الإسلامية وطبعها بطابعها. ولذلك فإن الدعوة التأصيلية إلى الفن عموما، والأدب على وجه التحديد، كان جله محكوما بهذه النزعة، قد ظلت أغلب المواقف والتصورات في هذا الباب مرهونة إلى الموقف من الآخر وثقافته وحضارته، ومحكومة ببعد الصراع الحضاري، الأمر الذي حكم على أغلب هذه الرؤى في هذا الباب بأن تتدثر برداء الخطاب الأيديولوجي لحيلولة دون تسرب الخطر الثقافي والحضاري الغربي.

10

اتسم الفكر الغربي إبان عصر النهضة بنوع من الثورة على العنصر الديني في الأدب وهذا الرفض لم يكن وليد عشوائية في التصور، أو الرؤية أو مجرد محاولة لبناء نسق متحرر، بل إن الظروف الفكرية، والخلفيات الإيديولوجية لعصر النهضة الأوربية، كانت الدافع الوحيد لهذه الثورة.

عاشت أوربا قبل عصر النهضة ظروفا حالكة من تاريخها، استبد فيها رجال الدين وبسطوا سلطان نزواتهم بدعوى الدين، والكنيسة كما سلف الذكر في مدخل هذه الدراسة. وكان من المنطقي أن يكون رجال الدين، والدين نفسه محط سخط الرجل الأوروبي النهضوي، الذي حرم الدين في كافة المجالات الحياتية، وخاصة منها الثقافية؛ فكتب «المؤرخون والمؤلفون عن آباء وقساوسة غرقوا في مستنقعات الرذيلة، وإن تظاهروا بالبراءة والتقوى، وسطروا الأحاديث الطوال عن رجال الدين الذين استغلوا واحتكروا وأثروا وكانوا عونا على الفساد والمظالم، حتى كانت الحكمة الفرنسية “اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قيس”».28 لقد كان رجال الدين محط غضب المثقفين هؤلاء «الذين اقتطعوا الاقتطاعات وتسلموا أعلى المراكز، وصادروا الحريات وحاربوا حركات الإصلاح الديني والاجتماعي، والسياسي بكل ما يملكون من قوة هؤلاء الرجال كان من الحتمي أن يحمل عليهم صاحب كل ضمير حي، وكل فاهم لحقائق الدين، مدرك لروحها متشبع برحيقها العذب النظيف».29

وفي خضم هذه الأوضاع كان لابد للأدب من أن يسلك مسلك الفضح لأسرار رجال الدين وممارستهم البعيدة عن الدين، والعقل، والمنطق. فقد وصف الكاتب الفرنسي فكتور هوجو (Victor Hugo) في رواية “أحدب نور تردام” قسا يمضي وقته في التبتل والترانيم حتى إذا وقعت عينه على فاتنه عجرية جرى خلفها، وعمل على نيلها بكافة الأساليب والحيل ويشخص د. نجيب الكيلاني هذا الوضع فيقول : «وفي خضم هذا الصراع الدرامي. نشأ بالتحلل والانطلاق من أسار الدين ومثله وأخلاقياته ويعتبره صورة للتخلف».

لكن؛ هل الثورة على الدين في الفكر الغربي وفي الأدب الغربي كانت مطلقة

لكن الثورة على الدين لم تأخذ انطلاقتها الخطيرة إلا مع القرن التاسع عشر عندما فرض سلطان التحولات الفكرية قانونه، فتنكر الإنسان الأوروبي للقيم الأخلاقية الصادرة من الكنيسة، وكان من نتائج ذلك ظهور العديد من الاتجاهات الأدبية المنحلة والإباحية، التي ستتعمق بقوة مع هذا القرن العشرين، خاصة بين الحربين حيث جلجل صوت كل من بودلير، ورامبو وغيرهما الآفاق.

ورغم كل ما يقال عن حداثة الاتجاهات الأدبية في أوروبا وتحررها، يمكن لمس ملامح التصورات الدينية تخالط مواقف بعض النقاد. يقول د. محمد أحمد حمدون: «ليتروى الذين لا يرون الغرب إلا خليطا من الكفر والإلحاد والعلمانية واللاأخلاقية ويتناسون الجانب الأفضل منه، إذ بتمثلهم لهذه النواحي السلبية وحدها وأسرارهم عليها إنما يبلورون أمام الناشئة خيارا خاطئا. مهما خلفوه بالتحذيرات والعظات، وفي الغرب لاشك جانب دين وأخلاق أسهم في بناء عمارة الإنسان الغربي ».30

فمنذ الستينات من هذا القرن بدأ البون بين الأدب والدين -كما يرى د. محمد أحمد حمدون – يختفي ويتوارى مع ظهور عدد من الدراسات النقدية التي تناولت العلاقة الفاصلة، أو الرابطة بين الدين والأدب. فهذا أحدهم يصرح في دراسة له تحت عنوان الأدب والدين Littérature and religion بأنه «مما أخطأت فيه الدراسات السابقة في الغرب هو طلب المعرفة، مفصولا فيها الفرد عن النواحي الإنسانية، وأن النقد الحديث كان قد جعل الناقد يقلل اهتمامه بالنسق الكلي للعمل الأدبي، وينصرف إلى النجاح في شكل. ولكن الأمر لم يكن كذلك عند أصحاب الاهتمام الأدبي والالتزام الديني. ثم يؤكد أنه: لم يعد يكفينا الآن – كما كانت عادتنا إلى وقت قريب – أن نقرأ الأعمال الأدبية لمجرد الاستمتاع بكمال شكلها».31

لقد أحس الناقد الغربي أن الأدب قد انزلق إلى مرحلة أصبح من الواجب عليه فيها أن يحرر الأدب من سلطة الحقائق الاقتصادية، والمعرفة التاريخية، وأن يعود إلى التجربة الإنسانية بما فيها من قيم أخلاقية مع رفض أن يكون الأدب قالبا شكليا، أو جماليا معزولا عن القيم الإنسانية، والدين، والحضارة فأريستوفانيس كان قد أقام تفاضله بين الشعراء اليونان الثلاثة الكبار : اسخيلوس، وسوفوكليس، وبوريبيدس على أساس من الدين والقيم … ولقد سجب .تس اليوت (1888/1935) السريالية والتأثرية، وغيرها من المذاهب المتحررة، وذلك من خلال «أعماله الشعرية نفسها التي تعكس اثر الدين في ثقافته واهتمامه، وأعماله النقدية المباشرة التي تربط الدين والأدب مثل مقاله المشهور “الأدب والدين” أما الذي نشير إليه هنا بصفة خاصة فهو موقفه من التراث، فلا شك أن الصلة بين الدين والأدب ترجع إلى العلاقة الوطيدة بين الدين والتراث من ناحية، والتراث والأدب من ناحية أخرى. ومن هذه الصلة المزدوجة للدين تجعله عنصرا جوهريا في الأدب الجيد الذي يجب أن يتسم بالاستمرارية ويمزج الماضي والحاضر والمستقبل … في وحرة ماثلة في العمل الأدبي ». 32

ولو ذهبنا بعيدا في تقصي عمق مذهب الفن للفن، لوجدناه يضمر في عمقه علاقة وطيدة بالدين. صحيح أن هذه العلاقة أحادية الجانب بحكم اقتصارها على الأديب دون العمل إلا أن الدافع المركزي إلى مذهب الفن للفن يكمن في خلفية فكرية مفادها الهروب من سلطة الدين، والرقابة، فهذا يوهان جوته قد تلقى ثقافة مختلفة إلى جانب الثقافة الدينية لأن والده كان «شديدا لسهر على تعليمه، وهو الذي وضع لهذا التعليم برنامجه، الذي يشمل التاريخ، والجغرافية… فضلا عن الدين ».33

وغير خاف أن (غوته) كان عرف في مرحلة من حياته بكتابته لعدد من القصص رغم ثورته على ذلك فيما بعد. لكن مع ذلك كان يستبطن في داخله رجلا مسيحيا متدينا وما تعلقه بمذهب الفن إلا دليلا عن ذلك، وسبب ذلك هو الرغبة في الفرار من أية محاسبة قد توجه إليه على المستوى الفني.

11

وإلى جانب هذا النهج المتشدد في القضية. نصادف تيارا يميل نحو المرونة، والاعتدال في تناول الموضوع، وهو ينظر إليه من جانب فكري حداثي فيعالج الموضوع فيضوء الحالة الثقافية والفكرية السائدة. أي أنه يراعي عنصر الذاتي المتمثل في الأصول، ويراعي كذلك الموقع الذي تحتله الآداب الأخرى عربية كانت أو غربية يقول د. محمد حمدون : « في معرض البحث عن العلاقة بين الدين والأدب عامة لم تنبثق بالطبع طريقة محددة يجب على الباحثين اتباعها. ولكن هناك على الأقل تحذير وضحت صياغته البداية، وهو أن جر أي من المادتين لتدور كاملة في فلك أخرى يضر أكثر مما ينفع، ولا يخدم إلا أغراضا محدودة النظرة ضيقة الأفق ».34

الشاهد في هذا الحديث هو اعتبار الدكتور محمد أحمد حمدون أن الأدب يدخل في حوار مع الدين، بعبارة أخرى أن الدين لا يحشر نفسه في العمل الأدبي بحيث لا تظهر آثاره فيه واضحة، بمعنى أن العنصر الديني يظل حاضرا في مكان ما من مجموع العمل الأدبي، بما في ذلك الأديب نفسه وعلى هذا الأساس يرفض أن يكون الأدب مرآة تعكس العنصر الديني، لأن ذلك في اعتقاده يقلل من قيمته الأدبية ويجهز على الجانب التأثيري منه « فالمشكلة أنه قد يصير الأدب عند البعض مرآة تعكس الغاية أو وسيلة إيضاح للفكرة الدينية وهو ما يقلل من قيمة الأدب أحيانا ويحوله في الواقع إلى أداة أقل تأثيرا، حيث تنظر من وجهة نظر دنيوية تفصل الدين عن حسابها ولا ترى أن المعنى الديني، والخلقي داخل في مفهوم الأدب … ومن تم تصبح علاقته بالدين في تلك النظرة محصورة في نطاق ما يتردد فيه من موضوعات وأفكار دينية، وهو ينزل لمستوى الديني إلى مجرد موضوعات توجد – أو لا توجد – في الأدب، على حين أن فعله الأدبي أكثر من ذلك ».

وكما أن العنصر الديني إذا طغى – حسب تصوره – يفقد العمل الأدبي تأثيره فكذلك الأدب إن تخلى تماما عن البعد الديني فإنه يفقد الكثير كذلك من مقومات. وأهميته الموضوعية فالعلاقة بين الدين والأدب أعمق بكثير من مجرد الالتقاط فلكل منهما ميزته الخاصة باعتباره نشاطا إنسانيا ليس إلا.

ويذهب د. محمد أحمد حمدون إلى أبعد من هذا حيث يبسط إشكالا آخر يواجه الدراسة وهو كيف يتطرق لدراسة كل من الأدب، والدين متضافرين في عمل واحد ذلك أن بعض النقاد الغربيين وكذلك العرب يرون في دراسة الأدب من وجهة نظر دينية قد يحمل الأدب ما لا يحتمل، ولا يطيق، ويعبر عن ذلك بقوله : « وواضح منذ البداية أن دراسة كهذه تصعب لأسباب عديدة :

منها أولا : أن كثيرا من النقاد – في الغرب ويتبعهم بعض نقادنا – لا يزالون يعترضون على مثل هذه الدراسة بحجة استقلال الأدب، ويرون أن الدراسة الأدبية فيها خلط أو تشويش وأنها لذلك تخرج بالنص الأدبي عن محتواه …

ثانيا : ان الدراسة المتداخلة قد تميل غالبا إلى اعتبار الأدب مطية تحمل – بطريقة مباشرة أو غير مباشرة – أفكار ومعاني الدين وتعاليم، وقد تقومه من هذه الناحية وحدها ».35

لائحة المراجع

تحولات المصطلح في لغة الفن الإسلامي، ادهام محمد حسن، الفن في الفكر الإسلامي، تحرير فتحي حسن ملكاوي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط/1 1434هـ – 2013م

الإسلام ومشكلات الحضارة، دار الشروق، بيروت والقاهرة الطبعة الشرعية السابعة 1402 هـ – 1982م

منهج الفن الإسلامي، محمد قطب، دار الشروق، الطبعة الشرعية السادسة، 1403هـ – 1983م، القاهرة، بيروت.

في النقد الإسلامي المعاصر، عماد الدين خليل، مؤسسة الرسالة بدون سنة

دراسات في الأدب الإسلامي، سامي مكي العاني، ساعدت مطبعة بغداد على نشره، مطبعة المعارف، 1968م.

المذهبية الإسلامية والتغيير الحضاري، محسن عبد الحميد، سلسلة كتاب الأمة، الكتاب السادس، جمادى الآخرة 1404هـ.

سيمياء الأدب الإسلامي، المصطلح والدلالة، د. حسن الأمراني

مدخل إلى نظرية الأدب الإسلامي، عماد الدين خليل، دار ابن كثير، دمشق – بيروت، الطبعة الأولى 1428 هـ – 2007م

أخبار أتي تمام، أبو بكر محمد بن يحيى الصولي، تحقيق خليل عساكر، ورفيقيه، القاهرة 1937.

نظرية النقد الأدبي العربي، الفكر العربي، مجلة الانماء العربي للعلوم الإنسانية، كانون الثاني (يناير) شباط (فبراير) 1982، العدد الخامس والعشرون، السنة الرابعة.

نحو أدب إسلامي معاصر، أسامة يوسف شهاب، دار البشير، عمان، ط/1، 1405هـ – 1985.

تاريخ النقد الأدبي عند العرب، نقد الشعر من القرن الثاني حتى القرن الثامن الهجري، دار الشروق للنشر والتوزيع، ط/1 الجديدة المزيدة والمنقحة، خريف 1993، عمان/ الأردن.

الوساطة بين المتنبي وخصومه، للقاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني، تحقيق وشرح: محمد أبو الفضل إبراهيم وعلي محمد البيجاوي، طبع بمطبعة عيسى البابي وشركاؤه.

القاضي الجرجاني، الأديب الناقد، محمود السمرة منشورات المكتب التجاري للطباعة والنشر والتوزيع.

الإسلامية والمذاهب الأدبية، نجيب الكيلاني، مؤسسة الرسالة، ط/4 1405 هـ – 1985.

نحو نظرية للأدب الإسلامي، محمد أحمد حمدون، إصدارات المناهل، ط/1 1407ه – 1986م.

الشرق والغرب في أدب جوته، عبد الرحمن صدقي، كتاب الهلال العدد 195 صفر 1387ه أ يونيو 1967

1 لقد ذاق الإنسان الغربي ويلات الكنيسة وسقطاتها الأخلاقية التي دمرت كل القيم النبيلة التي ظلت مشدودة بخيط رفيع جدا إلى ذلك الأصل الأخلاقي الصافي الذي ورثته النصرانية من الأصل، لكن الكنيسة لم تلبثت أن تنكرت لهذا الرصيد فتسلطت على الإنسان وعطلت تفكيره ووعيه ونصبت نفسها إلاهة باسم الإله وصارت تتحكم في مصير الإنسان تدخل الجنة وتخرج منها وفق نزوتها ووفق المقابل، والحقيقة أن سقطات الكنسية لم تكن دينية رغم الانحراف الذي وقع في أصلها، بل كانت سقوطا أخلاقيا مذلا عانا منه الإنسان الذي لم يفوت فرصة محاسبة الكنيسة على ما قامت به فانتفض ضدها وضد قيمها وتبنى قيمه الخاصة التي نحثها من صخر الثورة على الفكر الديني عموما، لكن نشوة الانتصار على الكنيسة وعلى قيمها أنسته ما عاناه من ظلم وويلات فتطرف في قيمه وهو يحاول نشر ثقافته وبسط سيطرتها، بعد مخاض طويل أنجبت النهضة الأوروبية مولودا تمركز حول ذاته وأنتج نرجسية وغرورا لم يكن يرى سوى نفسه وهو ما برر لهذا المولود المشوه الرغبة في تهميش كل ثقافة أخرى منافسة أو معارضة في أفق الحكم عليها بالإعدام والشنق حتى الموت. وأمام الكنيسة فلم تجد من خيار أمامها في ظل دعوات التسامح التي فرضتها فلسفة النهضة عليها لم تجد سوى الانصياع، بعد أن وجدت في فكر النهضة بعض آمالها القديمة والدفينة، فغضت الطرف وابتعدت ابتعاد الحاضر الغائب. ووجدت في فكر النهضة بعض آمالها الأخرى في محاصرة الدين الجديد باعتباره دينا سماويا منافسا لأنه كشف زيف التحريف الذي لحق ما جاء به عيسى عليه السلام، والذي لم يكن سوى كاشف للتزييف الذي لحق اليهودية من قبل.

2 تحولات المصطلح في لغة الفن الإسلامي، ادهام محمد حسن، الفن في الفكر الإسلامي، تحرير فتحي حسن ملكاوي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط/1 1434هـ – 2013م، ص ص 19-49: ص 24.

3 يثار في هذ الإطار سؤال عميق هل الشروط التي وجَّهت رغبة الانبعاث في العالم العربي هي نفسها التي وجَّهت العالم الإسلامي، كما يثار السؤال كذلك هل هذا البعد العربي هل تم ببع قومي أساسه اللغة المشترك بين مختلف مكونات المجتمع العربي وخاصة في المشرق، وذلك باستحضار العرب المسحيين الذين كانت لهم دعوة خاصة للإصلاح ودعوة خاصة للانبعاث على أساس اللغة العربية.

4 الإسلام ومشكلات الحضارة، دار الشروق، بيروت والقاهرة الطبعة الشرعية السابعة 1402 هـ – 1982م: ص 172 – 173.

5 منهج الفن الإسلامي، دار الشروق، الطبعة الشرعية السادسة، 1403هـ – 1983م، القاهرة، بيروت، ص181.

6 منهج الفن الإسلامي: ص 205.

7 نفسه: ص 222.

8 في النقد الإسلامي المعاصر، مؤسسة الرسالة، بدون سنة نشر: ص 69.

9 سامي مكي العاني، دراسات في الأدب الإسلامي، ساعدت مطبعة بغداد على نشره، مطبعة المعارف، 1968م: ص 3.

10 دراسات في الأدب الإسلامي: ص 26

11 أنظر محسن عبد الحميد، المذهبية الإسلامية والتغيير الحضاري، سلسلة كتاب الأمة، الكتاب السادس، جمادى الآخرة 1404هـ، الطبعة الأولى: ص 7 – 8 – 9.

12 المذهبية الإسلامية والتغيير الحضاري: ص ‍18 – 19.

13 المقصود هنا أولئك الذي ينتمون للإسلام، لكن يؤبون أن يحشروا في دائرة مذهبية فنية تجعل الدين، مع استحضار فئة واسعة ممن هم مسلمون اسلاما ثقافيا.

14 وهو بعد يعم حتى أولئك الذين تبنوا رؤى فكرية ومذهبية من واقع حضاري مختلف وفي الغالب من الغرب، واللافت لانتباه هو أن هذا النوع من التمذهب غالبا ما يتم في مقابل موقف من الإسلام باعتباره منظومة فكرية عفى عليها الزمن من وجهة نظرهم، ولكونها استنفدت كل مخزونها، ولم تعد قادرة على مواكبة مستجدات العصر وتطور الحضارة والعمران.

15 أثار د. حسن الأمراني هذه القضية في كتابه: سيمياء الأدب الإسلامي، المصطلح والدلالة، وعمل على تقديم رؤية منصفة من زاوية نظره

16 يبرز في هذا الإطار على سبيل المثال علي أحمد باكثير الذي كتب العديد من الروايات البعد الإسلامي، وكتب انطلاقا من رؤية إسلامية واضحة، لكنه كان أبعد ما يكون عن المذهبية الإسلامية، رغم إصرار تيار المذهبية الإسلامية على إدراجه في هذه الدائرة.

17 محمد عبيد حسنة، من تقديم كتاب مدخل إلى نظرية الأدب الإسلامي، ص13

18 ومما ورد في “أخبار أبي تمام” « وقد ادعى قوم عليه الكفر بل حققوه، وجعلوا ذلك سببا للطعن في شعره وتقبيح حسنه؛ وما ظننت أن كفرا ينقص من شعر ولا أن إيمانا يزيد فيه » (أخبار أتي تمام، أبو بكر محمد بن يحيى الصولي، تحقيق خليل عساكر، ورفيقيه، القاهرة 1937.

19 شرح ديوان المتنبي، لابن جني،

20 انظر نظرية النقد الأدبي العربي، الفكر العربي، مجلة الانماء العربي للعلوم الإنسانية، كانون الثاني (يناير) شباط (فبراير) 1982، العدد الخامس والعشرون، السنة الرابعة، ص ص 283 – 317: ص 384.

21 نظرية النقد الأدبي العربي: ص 285.

22 نحو أدب إسلامي معاصر، أسامة يوسف شهاب، دار البشير، عمان، ط/1، 1405هـ – 1985: ص 10.

23 نفسه: ص 10.

24 تاريخ النقد الأدبي عند العرب، نقد الشعر من القرن الثاني حتى القرن الثامن الهجري، دار الشروق للنشر والتوزيع، ط/1 الجديدة المزيدة والمنقحة، خريف 1993، عمان/ الأردن: ص 38 -39.

25 الوساطة بين المتنبي وخصومه، للقاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني، تحقيق وشرح: محم أبو الفضل إبراهيم وعلي محمد البيجاوي، طبع بمطبعة عيسى البابي وشركاؤه: ص64.

26 ينظر في هذا الموضوع، محمود السمرة القاضي الجرجاني، الأديب الناقد، منشورات المكتب التجاري للطباعة والنشر والتوزيع، ص ص: 160 – 164.

27 الدعوة إلى الأدب الإسلامي، وإلى المذهبية الإسلامية لم تكن دعوة خاصة بالعالم العربي وحده بل كانت تيارا عامة عم أغلب أقطار وجهات العالم الإسلامي. فقد انتشرت فكرة الأدب الإسلامي على طول عالم المسلمين، ويكفي الإشارة إلى أن رابطة اأدب الإسلامي العالمية التي انضوى تحتها أغلب رواد دعوة أسلمة الأدب، وكان أبو الحسن الندوي الهندي هو الداعي إليها وهو مؤسسها.

28 الإسلامية والمذاهب الأدبية، نجيب الكيلاني، مؤسسة الرسالة، ط/4 1405 هـ – 1985: ص21.

29 نفسه: ص 21.

30 نحو نظرية للأدب الإسلامي، محمد أحمد حمدون، إصدارات المناهل، ط/1 1407ه – 1986م: ص21.

31 نحو نظرية للأدب الإسلامي: ص 22.

32 نفسه: 23

33 انظر عبد الرحمن صدقي، الشرق والغرب في أدب جوته، كتاب الهلال العدد 195 صفر 1387ه أ يونيو 1967: ص 15

34 – محمد أحمد حمدون، نحو نظرية للأدب الإسلامي: ص17.

35 نحو نظرية للأدب الإسلامي: 31 – 32.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *