عندما يكون التأريخ مدخلا لإبراز الشخصية المغربية
تأملات في مشروع عبد الله كنون الفكري
من الواضح جدا؛ ومن الجلي الذي لا يحجبه شيء؛ أن شخصية عبد الله كنون الفكرية والعلمية والأدبية هي من الجلاء والوضوح، الذي يفرض على المهتمين والدارسين والباحثين، وعلى المؤسسات الثقافية والفكرية الاعتناء بشخصه، وقبل ذلك بفكره اعتناء علميا يليق بقيمة هذا العلم المغربي، لأنه في أقل تقدير هو أحد الشخصيات الفكرية والعلمية التي تجسد الشخصية الفكرية والثقافية المغربية، أرقى تمثيل وأعمقه، بل تمثل الشخصية المغربية تمثيلا عاما وتمثيلا خاصا، دون أن يحجب ذلك أبعاده الأخرى، وخاصة البعد العربي والبعد الإسلامي، الذي تمتع به الرجل، و اعترف له به منذ ثلاثينيات القرن العشرين، رجالات مشارقة كثر.
تتعدد الجوانب التي يمكن النفاذ منها إلى شخصية عبد الله كنون، ومرد ذلك هو البعد الفكري المركب (بالمعنى الإيجابي)، الذي تبدو عليه شخصيته، إضافة إلى عمق انتمائه إلى الشخصية المغربية، وتجدر ارتباطه بها ارتباطا روحيا وسلوكيا وفكريا وثقافيا.
إن عبد الله كنون ممثل بارز ونموذجي للنموذجية الثقافية والفكرية والحركية للشخصية المغربية، التي تتميز بخصوصيات دقيقة صقلها التاريخ والدين والثقافة والحضارة، وحتى الجغرافيا والعوامل الطبيعية.1
لا يتسع المجال لسبر غور هذه الخصوصيات، كما لا يتسع لبحث أسبابها وعللها، ولا بحث العوامل المؤثرة فيها، فخصوصيات الشخصية المغربية كثيرة ومتنوعة، لكنها مطبوعة بالطابع المغربي الذي أسبغ عليها صفة الخصوصية والتميز، وعبد الله كنون شخصية تجسد هذه الخصوصية وتدل عليها. والاقتراب من شخصية عبد الله كنون اقتراب من الشخصية المغربية.
وعليه؛ فإن من يريد الوقوف على عمق هذه الشخصية المغربية وحقيقتها فليدخل عالم عبد الله كنون الفكري، وليعمل التنعم والتمعن فيما راكمه من تراث فكري وحركي يؤكد نبوغه، ويؤكد في الوقت نفسه نبوغ الشخصية المغربية.
خلف عبد الله كنون تراثا فكريا وأدبيا مهما جدا، وترك سجلا مهما من المواقف والتحركات، التي تمت في ظل الشخصانية المغربية،2 زيادة على الأثر المعنوي الذي يشهد عليه استمرار الاهتمام بشخصيته واستحضارها دائما تبينا لمعالم الحاضر الفكري والثقافي والحضاري، وإضاءة كذلك للمستقبل.
وهذا العامل؛ هو الذي يبرر العناية الواضحة والعميقة، التي حظيت بها شخصيته، وفكره، وأغلب أدبياته، إن لم نقل كل أدبياته.
وعليه؛ فإنه من المتيسر إحصاء عدد مهم ونوعي من الدراسات والمقالات والبحوث الجامعية، التي تناولت بالدرس والتحليل شخصيته، وتناولت ثقافته الواسعة، بل موسوعيته وانكبت على فكره وأدبه، من زوايا علمية متعددة ومتنوعة، وهو ما يدل دلالة واضحة على مكانته المعرفية في المغرب أولا، وفي باقي أقطار العالم العربي والإسلامي.
لفت عبد الله كنون، هذا العلم المغربي، الإنباه والأنباه منذ القرن الماضي وإلى الآن، في حياته وبعد مماته، وجسدت العناية به عمق اهتمامات الفكر المغربي المعاصر، وطبيعة الأسئلة الحارقة التي اشتغل بها، وحثته على الاجتهاد في طلب أجوبة الأسئلة، من خلال تجربة العقليات الفذة التي ولدت من رحم الشخصية المغربية.
وقد يثار السؤال؛ لماذا الاعتناء بعقليات المغرب الفذة في المرحلة الراهنة؟ والجواب كامن فيما يعرفه المشهد الفكري والثقافي، وكذلك المجتمع المغربي منذ سنوات من تحولات عميقة، وتطلعات انبعاثٍ حضاري، الأمر الذي يستدعي الاعتناء بالشخصية المغربية وبشخصياتها الفذة وعقلياتها النيرة.
ومن هنا؛ يبرز الاهتمام بشخصية عبد الله كنون وغيره، من خلال استحضاره مفكرا وعالما وأديبا وناقدا…في الدرس المعرفي المغربي، ومن خلال العديدة من الندوات والدراسات، التي تتخذ من شخصيه، ومن فكره وتراثه موضوعا للدرس والتحليل واستخلاص العبر والدروس، والتزود من حكمته.
من غير شك؛ إن شخصية عبد الله كنون تستحق الاهتمام كله وأكثر، لتأثيره البارز في المشهد الثقافي والفكري والحضاري المغربي، بل وحتى في المشهد العربي والإسلامي.
لكن العامل الأكثر استدعاء للشخصية المغربية هو الظروف الراهنة، وهي ظروف ذات حساسية كبيرة، لكنها تجسد عمق التحولات، التي يمر بها القطر المغربي باعتباره جزءا لا يمكن القفز عليه، ولا تجاهله في عالم اليوم بتناقضاته وإكراهاته وتحولاته.
تبدو المملكة المغربية اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، مستهدفة استهدافا مباشرا في مكانتها الثقافية والحضارية، التي توفقت وتفوقت في بلورتها منذ تجاوز أزمة الحماية، وانخراطها في إعادة إبراز الخصوصية الحضارية والثقافية بوعي وحكمة.
ومن هنا تأتي العناية – فيما نرى – بشخصية عبد الله كنون، باعتباره شخصية مغربية مثلت الشخصية المغربية، ومنارة فكرية متكاملة قادرة على إنارة طريق المستقبل بمعية شخصيات مغربية أخرى وما أكثرها.
المرحلة الراهنة المطلة على مستقبل الذي تلوح معالمه، تفرض ذلك وتؤكده.
مغرب اليوم في حاجة ملحة إلى قدوات فكرية وثقافية، وإلى حكماء يتميزون بحصافة الرأي ونضج الرؤية والتصور، وتميز الوعي الثقافي والحضاري وعمقه.
ليس المقصود هو أن يعيش مغرب اليوم في جبة هؤلاء الأعلام والعقليات الفذة، ولكن القصد هو أن تستنير الذات في راهنها بما أبدعته هذه العقليات، وما راكمته من تجارب ذات مغزى عميق. وشتان بين من يمخر عباب البناء الحضاري مجددا ذاته وهو متسلح بعدة وتجربة فكرية وثقافية وعلمية ناضجة، ونابعة من الخصوصية، وبين من يريد تحقيق الغاية السامية دون حصانة ثقافية وفكرية وحضارية.
ومن باب الاعتراف؛ فإن هذا الاعتناء مرآة ينعكس عليها وعي يتوخى أفق انتظار يشعر بالاطمئنان، ويشحن الذات (المغربية) بالعدة المعنوية والثقافية والفكرية من أجل الراهن والمستقبل، والراجح أن فكر عبد الله كنون وشخصيته تحقق هذا الأفق.
في ضوء ما تقدم؛ يثار السؤال كيف تلقي هذا العلم المغربي في المغرب عموما؛ فكريا وثقافيا وحركيا؟ وبعبارة أخرى كيف تلقي مفكرا مغربيا تعامل مع الواقع الحضاري للأمة المغربية برؤية توجهها الخصوصية الثقافية العامة والخاصة؟
الاشتغال بالشخصية المغربية ليس ترفا، بل هو ضرورة، واشتغال بحقيقة ماثلة للعيان، وتدرك بالملموس من خلال ما تراكم من معطى أدبي وفكري وثقافي يصب في هذا الاتجاه، كما تدرك ضمنا من خلال الشعور بذلك لدى عدد من رجالات الفكر المغربي وأعلامه.
وعلى سبيل التمثيل، يقف المتأمل على مفهوم “الذاتية المغربية” الذي ورد في مقدمة عبد الجليل لحجمري، أمين السر الدائم لأكاديمية المملكة المغربية، لكتاب “راهنية الشخصانية المغربية، ندوة فكرية حول محمد عزيز الحبابي“، ومما جاء في تقديمه: «ومعلوم أن فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي شكلت ما أسماه بعض مؤرخي الأفكار استئنافا فعليا للفكر الفلسفي في المغرب، وانخراطا في الكتابة العصرية والإبداع من طرف عدد من الفلاسفة، ونزوعا إلى إثبات “ذاتية مغربية” متجددة وقد شاركت مجموعة من المفكرين والمثقفين في معمعة التفكير والكتابة لإعلان الانتماء إلى زمن العالم، والمساهمة في إطلاق حركية ثقافية تعلي من شأن الحرية والإبداع، ومن أهمية الفعل الثقافي والفلسفي لإقامة نهضة تتخذ من الإنسان او من الشخص كما يفضل عزيز الحبابي تسميته، منطلقها وأساسها»3
بهذا الوعي؛ نعتزم تناول عبد الله كنون، باعتباره علما من أعلام الشخصية المغربية، و علما من أعلام النبوغ المغربي، حسب اصطلاحه، وفي ضوء تبادل التمثيل فعبد الله كنون ممثل للشخصية المغربية، مبرز لجوهر هذه الشخصية، التي أنجبت عبد الله كنون وأمثاله.
ـــــــــــــــتصورات عبد الله كنون النظرية والفكرية وحتى المنهجية تظهر عند العلامة عبد الله كنون من خلال المقدمات التي يبدو بأنه يوليها أهمية كبيرة جدا، وتظهر رؤيته النقدية من خلال تلك المقالات النقدية التي جمعت كتب وخاصة كتاب التعاشيب، وخل وبقل، وواحة الفكر.
لقد كان عبد الله كنون مفتاحا، فتح للشرق جانبا من كنوز الشخصية المغربية الأدبية والفكرية، وكان لخطوته الواثقة أثرها القوي في تغيير نظرة المشارقة تجاه المغرب الأقصى وحضارته، ومن غير شك أن الأثر الإيجابي لما قام به عبد الله كنون، قد أثر في الصورة التي تلقي بها عبد الله كنون باعتباره مغربيا فتح الوعي الشرقي على حقيقة الخصوصية الحضارية المغربية، فكيف تلقي عبد الله كنون في الشرق. وأثر في الوقت نفسه – وهو ما كان يرمي إليه عبد الله كنون – في الصورة التي تلقي بها المغرب في بعده الحضاري والثقافي، في ضوء تميزه الثقافي رغم انتمائه إلى إطار حضاري عام هو ذلك الذي يحوي ويضم كل أقطار العالم الإسلامي. يقول عبد الله كنون: «كان قيام الدولة الإدريسية سنة 172ه إيذانا بانفصال المغرب عن الخلافة العباسية، وميلاد شعب متميز في المجموعة الكبرى من الشعوب التي تكون الدولة الإسلامية»4 (…) ويضيف «..لما انتصبت الدولة الإدريسية، قضت على مختلف النزعات المخالفة للسنة، وطاردت الخوارج، وبمن العاصمة الروحية للبلد، وهي مدينة فاس، واستقبلت وفود العرب الفارين من الظلم: أندلسيين وقيروانين، وانتشر مذهب الإمام مالك في العبادات والأحكام بموجب ميل الدولة أليه، أذ كان، رحمه الله، من مناصري دعوة العلويين، وأفتى … بترجيحها على بيعة العباسيين، وأنشئ جامع القرويين بمبادرة من سيدة فاضلة من مهاجرة القيروان، وهو الذي أصبح منارة مشعة للعلم والمعرفة في غرب إفريقيا والعالم الإسلامي قاطبة . وبرزت شخصية المغرب كدولة لها كيانها ومقوماتها الروحية والمادية التي تحفظ وحدتها، وتضمن بقاءها على الدوام والاستمرار»5
يرى عبد الله كنون أن قيام الدولة الإدريسية، واستتباب الأمر وقبول المغاربة للمذهب المالكي لكونه كان من مناصري الدعوة العلوية، قد كان إيذانا بانطلاق الشخصية المغربية ، وبداية إسهام المغرب في الحضارة الإسلامية بطابع مغربي، أو الأحرى بطابع الشخصية المغربية. وهذا الأمر كما يرى عبد الله كنون لا ينفي عن هذه الحضارة صفة الانتماء إلى الحضارة العربية، بل يعتبرها حضارة عربية أصيلة، يقول: «وهكذا وضعت الأسس الحضارية للمغرب متأثرة بحضارة دمشق بحكم التبعية لها أيام الولاة، وما حمله معهم مهاجرة القيروان وقرطبة، وما نشأ بعد ذلك من التمازج بين المغرب وهذه البلاد، فهي حضارة عربية أصيلة حافظ عليه المغرب من عهد الأدارسة إلى أيام المرابطين، حين قوي التأثير والتأثر، واستمرت إلى عهد الموحدين، الذين تبنوا أصولها، ورفعوا قواعدها بالعلم والمعرفة والدولة الواسعة، وفي أيام المرينيين اكتسبت طابعا خاصا، ولا سيما في المعمار والفن، وهو الطابع الذي ماتزال تحافظ عليه إلى الآن، وتتميز به عن البلاد الإسلامية الاخرى، لأنها لم تتأثر بما تأثرت به هذه البلاد من روح العجمة أيام العباسيين، والمماليك، والحكم العثماني الذي طرق أبواب العالم الإسلامي إلى حدود تلمسان، ولكن المغرب بقي خارجا عنه، واوقفا منه موقف الند، وذلك هو ما يعطي للمغرب هذه المكانة الدولية التي تسلكه في عدد الدول الكبيرة، ذات الشأن في السياسة والسلطان، فضلا عن الصورة العربية الأصيلة لحضارته، التي تبهر حتة إخواننا العرب الذين يزورونه لأول مرة، ولا يكونون يتصورونه على هذه الحال » 6 يعرض عبد الله كنون في هذه المقالة لمجموعة من المعطيات العلمية المهمة جدا والتي تدل على ما يطبع الشخصية المغربية، ويؤكد تفرد المغاربة ببعض المعطيات ذات الأهمية البالغة في بيات التفرد والتميز والخصوص ومن ذلك ما يعرف في الفقه بالعمل كعمل أهل فاس، في ظل ما تميز به الإمام مالك من عناية خاصة بعمل أهل المدينة.7
إن ما يرمي إليه عبد الله كنون هو الإشارة إلى المقومات التي تهيأت الأرضية للنبوغ والإبداع، وهو ما عمل عبد الله كنون على إبرازه من خلال جملة مقومات وعناصر، ومن ضمنها عنصر انتماء الأدارسة لآل البيت، فعزيمتهم وهمتهم وطموحهم، وكذلك بركتهم قد أسهمت بصورة من الصور في بلورة روح النبوغ المغربي، بل وطبعت الحضارة في بعدها الثقافي ببعد مميز وخاص، فجدور الدولة الإدريسية كانت أحد الأسباب المباشرة في تعريب جزء مهم من القبائل المغربية وخاصة قبائل الناحية الجبلية، في طار ما يعرفه المؤرخون الدولة الإدريسية الثانية.8
وليس هذا فحسب؛ بل هو يعتبر أن الدولة الإدريسية هي التي مهدت الطريق لقيام دول المرابطين والموحدين والمرينين والسعديين والعلويين، وعلى ذلك الأساس فإن الحضارة المغربية كانت جزءا من الحضارة العربية الإسلامية العامة، فالحضارة المغربية كما يرى عبد كنون كانت خلال القرون الأربعة الأول بعد مجيء الإسلام جزءا من تلك الحضارة التي انطلقت من الجزيرة العربية في ظل روح الثقافة الإسلامية التي عمل المسلمون جميعا على تبليغها إلى ما بلغته رحمة الإسلام، يقول: «أما أن النهضة العلمية والأدبية تأخرت إلى ما بعد القرن الرابع، فإنها كذلك في بقية الأقطار العربية التي لم تكن مركزا للخلافة، وكانت هذه الأقطار تعيش النهضة الكبرى التي شهدتها دمشق ثم بغداد، ومن بعيد، فعلماؤها وأئمتها علماء وأئمة لتلك الأقطار، وأدباؤها وشعراؤها أدباء وشعراء للأمة العربية أينما وجدت…..، لأن المجتمع الذي أوجدهم هو مجتمع النهضة العربية الكبرى، الذي ساهم في تكوينه جميع البلاد العربية والمستعربة، فلما لم يعد له وجود لم يعد لمثلهم وجود؟!»9
هذا فيما يتعلق بالجذور، لكن الحضارة المغربية ستعرف انطلاقتها، وسيبرز إسهامها بتوحيد المرابطين للمغرب الأقصى، ثم الموحدين، بل إن المغرب سيسهم إسهاما قويا في استمرار المد العربي كما يقول كنون لقرون أخرى، وكان ذلك على يد يوسف بن تاشفين.10ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل يتجاوزه عبد الله كنون إلى تأكيد فضل الحضارة المغربية، أو لنقل فضل المغرب على المدنية الغربية إذ من المغرب اطلقت الشرارات الأولى التي تفتقت عنها المدنية المغربية، ففضل المغرب في بعدها الحضاري والثقافي على أوربا كما يرى كنون لا يحجب ولا ينكر. ويرجع ذلك إلى ان ترجمة ابن رشد لفلسفة أرسطوطاليس بإيعاز من يوسف بن عبد المومن، كما يذكر ذلك ابن رشد.
والجدير بالذكر في هذا الإطار؛ هو أن عبد الله كنون يصدر عن رؤية منهجية واضحة في إبراز حقيقة النبوغ الحضاري عموما وقوام هذا التوجه المنهجي هو الحرص على الجانب المعرفي الذي تجسده التآليف الكثير والمهمة التي يذكرها، وكأن كنون يلمح إلى أن العطاء المعرفي في مختلف العلوم والمعارف، هي مجرد رموز دالة على الحضارة المغربية وعلى النبوغ المغربي، بل إن هذا النبوغ ما كان ليتحقق لولا وجود إشعاع حضاري واضح سمح للنوابغ التعبير عما أوجدته الحضارة المغربية من نهضة حضارية انعكست من خلال جملة واسعة من التآليف والأعمال الفكرية والدينية والأدبية.
ومما يدخل في هذا الإطار ويكشف عن مناحي مهمة من شخصية عبد الله كنون ومن خلالها عن طبيعة الشخصية المغربية، حرص عبد الله كنون على إبراز بعض جوانب إسهام اليهود المغاربة في الحضارة المغربية. وهو امر يصدر عن روح منهجية هي البحث عن الموضوعية، التي تؤكد مدى التزام الحضارة المغربية بروح الاخلاق الإسلامية وذلك من خلال طبيعة التعامل مع أهل الذمة وغير المسلمين. فاليهود كما هو معلوم كان لهم دور كبير ومهم جدا في الحضارة المغربية، وهو أمر لم يفت عبد الله كنون الوقوف عنده ثم إبرازه.
الألقاب والصفات التي تسند إلى شخصية فكرية ما لها دلالتها وذات أهمية اجتماعية والحضارية والثقافية، ومن هنا فإن بعض الدارسين لفكر عبد الله كنون يحرصون على ذكر صفة الفقيه، ولفظ “الفقيه” ذو دلالة دينية وفكرية واجتماعية يستحيل القفز عليها ولا تجاوزها، بل إن لهذه الصفة ولهذا اللقب مدلوله الخاص بالارتباط بما يحيل عليه المفهوم أو اللقب أو الصفة من أبعاد ودلالات.
وهي صفة تجد لها في فكر عبد الله كنون حضورا بارزا من خلال ما حرص على بيانه وإبرازه في التأريخ للنبوغ المغربي، وفي تعرضه لمشاهير المغرب، ففي دراسته لبعض المشاهير يبرز بصورة قوية وبارزة ذلك الحرص على إبراز مدى ارتباط الشخصية المغربية بأبعادها الثقافية التي يمثل الإسلام عمودها الفقري، والركيزة التي لا يمكن الاستغناء عنها.
ولذلك فالحرص على إبرازها صفة الفقيه والعالم له قيمته ودلالته، حتى تقديمها على ألقاب وصفات أخرى له أهمته وقيمته العلمية، وله دلالته التي تفرض قراءة العلم في ضوئها.
كان عبد الله كنون فقيها أديبا شاعرا، وناقدا، وكل الألقاب السالفة تستدعي لقب اللغوي والبلاغي، تصريحا وتلميحا، فالشاعر لغوي بليغ، من هنا فإنه إذا كان من اهتموا بشعره قد قلدوه وسام الشعر، فإنهم قد قلدوه ضمنا وسام اللغوي ووسام البلاغة واللغة، وفي باب اللغة فإن عضويته في مجامع اللغة العربية في العديد من أقطار العالم العربي، وكذلك استدراكاته العميقة بخصوص منجد الطلاب أكبر دليل على البعد اللغوي في شخصية عبد الله كنون، وهي ميزة من مميزات الشخصية العلمية المغربية على العموم، فالعديد من الأعلام المغاربة الذين تركوا آثارا بارزة في سجل الشخصية المغربية كان لهم عناية باللغة العربية. وعناية بالعلوم الشرعية.
وفي الحقيقة؛ إنه لا يمكن الفصل، بل لا يجب الفصل، في شخصية عبد الله كنون بين بعده الفقهي أو لنقل بعده الديني، وبعده الأدبي واللغوي وبعده الفكري، فهي كلها تعبر عن شخصية واحدة، تتعدد تمظهراتها، وليس هذا فحسب بل هي تمتاح من مشكاة واحدة هي الثقافة الإسلامية والثقافة العربية، وكذلك الثقافة المغربية، ومن هنا ليس مجانبة للصواب القول بأن عبد الله كنون نموذج للشخصية المثقفة المغربية الأصيلة، ولعل هذا من العوامل التي تدفع المتأمل إلى إثارة قضية الشخصية السلفية المغربية وطبيعتها، فعبد الله كنون صورة من صور الشخصية السلفية الإسلامية عموما، وصورة من صور الشخصية السلفية المغربية. وتكشف جوانب شخصية عبد الله كنون حقيقة الشخصية السلفية وحقيقة المثقف المغربي السلفي، على أن السلفية ليست صفة قدحية بل صفة مشرقة تجسد الصورة التي تأسست عليها الحضارة لمغربية.
فهل عبد الله كنون سلفي؟ نعم عبد الله كنون سلفي بالصورة التي تجعل من الأصالة الثقافية والحضارية والتاريخية مصدرا من مصادر البناء الفكري والرؤيوي والتصوري، وهي كلها مصادر مكنت عبد الله كنون من التفاعل مع الواقع الحضاري والثقافي والاجتماعي، وكذلك الواقع العالمي بكل ثقة وقوة ويقين. فعبد الله كنون في بناء مشروعه الثقافي والفكري والحضاري والاجتماعي، بل والإصلاحي، قد أرسى مع ذلك كله بعدا منهجيا يروم مصلحة ونهضتها وانبعاثها، دون أن تنزل تطلعاتها إلى خدمة الإنسان أينما وجود، في إطار من العدل والموضوعية، وليس ذلك بالأمر الغريب عن أصل المشكاة التي كان يمتاح منها، لأن تلك الأهداف السامية كانت في الأصل ودائما تتطلع إلى السمو بالإنسان والارتقاء به.
وتلمز هذه القضية إلى قضية أخرى وهي هل عبد الله كنون شخصية تقليدية؟ والجواب هو إذا كانت التقليدية تقني الارتباط بالأصول الثقافية، فعبد الله كنون شخصية مغربية تقليدية بارزة، وأما إذا كانت التقليد يعني التشبث بالماضي، والاعتقاد وبأن الخلف لا قدرة لهم على الاتيان بما أتى به السلف، فعبد الله كنون ليس ممن كبلته قيود هذا التصور وشلت شخصيته، ومشروعه برمته يدل كله على أنه لم يكن ممن لم يؤمن ويقتنع بما قاله الشاعر.
ليس الفتى من يقول كان أبي بل الفتى من يقول ها أنا ذا
فعل أقل تقدير يبدو عبد أحد من مجددي المرحلة التاريخية التي عاصرها، بل هو ينتمي إلى روح التجديد التي عمت المغرب منذ أواسط القرن التاسع عشر و امتدت في القرن العشرين، والتي يستمر صداها إلى اليوم، فعلى مستوى المنهج، أو بالأحرى على مستوى الرؤية المنهجية فلقد اختار سبيلا متجدد لتأكيد الهوية وتجسيد الشخصية، والنبوغ المغربي في اللغة والأدب أحد أهم المحطات التي برزت فيها شخصية عبد الله كنون.
قد لا يرى البعض في كتاب النبوغ المغربي في اللغة والأدب إلا البعد التأريخي للأدب المغربي، مع ما يكتسيه ذلك من أبعاد نقدية، لكن الكتاب يمحل الكثير من الأبعاد والدلالات ومن ضمنها البعد السوسيولوجي، فالنبوغ المغربي يندرج في إطار مشروع وطني في بعد الثقافي، فهو ليس مجرد «”تأليف” أو “نص” أدبي وفكري عام ولكن أيضا كـ “وثيقة” أصلية مرتبطة بتاريخ الحركة الوطنية بالمغرب…لا غرابة أن يحتفى بالكتاب في الأوساط الوطنية المكافحة آنذاك كأثر سياسي وطني بالغ الدلالة وتعمد الإقامة العامة في المنطقة السلطانية بالخصوص إلى منعه بموجب قرار عسكري نشرت نصه “السعادة” الحكومية في عددها 4592»11
من الأمور التي استرعت عناية المهتمين بفكر الرجل أو فكر عبد الله كنون قضية اهتمامه باللغة العربية، فالمدافعون على لغة الضاد ولغة القرآن استرعى اهتماهم العناية الخاصة التي تميزت بها شخصية عبد الله كنون ومواقفه بخصوص اللغة العربية، وهو ما يبز طبيعة ما تلقاه أو ما يتلقاه أصحاب اللغة العربية والمنتصرون لها، والمتشبثون باعتبار اللغة العربية أحد أهم مكونات الهوية الثقافية المغربية وأحد مكونات الهوية الحضارية.
مارس عبد الله كنون النقد الأدبي وكانت له مواقفه البارزة في هذا المجال، وعلى سبيل المثال كانت أفكاره بخصوص زكي مبارك متميزة بالدقة والعمق كما أبرز ذلك إدريس أبايا، في كتابه “عبد الله كنون نموذج النبوغ المغربي” وهذا يدفع إلى إثارة السؤال الآتي هل ممارسة عبد الله كنون للنقد كانت تتم من زاوية الشاعر أم من زاوية الناقد أم من زاوية اللغوي، ولما لا من زاوية الفقيه. يقول محمد المنوني: «يسمو الشيخ عبد الله كنون في ثقافته إلى مستوى العالم الواسع المشاركة في مواد منوعة، وذلك هو طابع جيله الذي مر بالتعليم الأصيل، ثم استطاع أن تكييف معلوماته مع متطلبات المعاصرة» كان عبد الله كنون يصدر من موسوعية معرفية، التي تميز بها عدد واسع من مفكري مرحلة النهضة العربية والانبعاث الحضاري، ومن هنا لا يمكن النظر إلى مشروع عبد الله من زاوية التخصص الصارم الذي بات يتمز به مثقفو هذا الزمن، فقد يكون عبد الله كنون ناقدا عميق النظرة لقضايا الأدب واللغة، لكن هذا لا ينفي عنه أن يكون ملتصقا بقضايا الواقع والمجتمع، ولذلك فإن المهتم بعلم الاجتماع سيجد في مشروع عبد الله كنون ما يطلبه من زاد معرفي دي طبيعة سوسيولوجية تجعله يدرك صورة المجتمع وعمق القضايا التي كانت محط اهتمام المجتمع المغربي، في المقام الأول زيادة على قضايا المجتمعات العربية والإسلام، في ظل ذلك الهم الكبير الذي كان الإنسان المنتمي إلى فضاء جغرافي معين، فالالتصاق بالمجتمع وقضياه جعلت من عبد كنون مثقفا، بل عالما متعدد الهتمامات، فهو الأديب والناقد والمؤرخ والمحقق12. وكل هذه الاهتمامات تؤكد البعد أو الأبعاد التي تؤكد الالتصاق بالمجتمع، في ظل مشروع إصلاحي عام لا يخطئه التأمل،
وللتاريخ مكانة خاصة في مشروع عبد الله كنون فالتاريخ عنده هو المشعل الذي ينير طريق الحاضر والمستقبل، وكأن لسان حاله يقول لا سبيل إلى التعامل مع الحاضر، ولا سبيل للسير في المستقبل دون الاعتماد على ما راكمه التاريخ من منجز فكري وأدبي وثقافي مهم جدا، وما يسترعي الانتباه في مشروع عبد الله كنون في هذا الإطار هو وعيه بأهمية التاريخ، وخاصة تاريخ الافكار والمفكرين والعلماء والادباء، فالعلماء والأدباء والمفكرون هم نجوم النبوغ ورموزه، يقول عن أهمية التاريخ في إبراز الحقائق: «إن حقائق التاريخ ليست أوهاما وأباطيل تفترض وتقدر، ولكنها وقائع تحدث فعلا فتنقل وتروى بصدق وأمانة، و قد يعتريها تحريف وتزوير ولكن الحقيقة خالدة، والذي يضمن خلودها هو أنه لا يكون هناك مؤرخ واحد، وحتى لو اتفق أن جازت مؤامرة التزييف على المرخين كلهم، فإن الحقيقة لا تعدم (ابن خلدون) (كذا) جديد يخلصها من الزيف، ويبرزها ناصعة للعيان»13
إن الوعي بأهمية التاريخ في مشروع عبد الله كنون واضحة وجلية، وما يؤكد عمق هذا الوعي هو ما يثيره الرجل بخصوص قضية المصداقية، فعلى أقل تقدير يؤكد هذا التصور عمق الوعي القيمي الذي يوجه الوعي المنهجي عند الرجل، وكأن عبد الله كنون يريد أن يؤكد صدوره عن وعي واثق بأهمية الصدق في التأريخ للنبوغ المغربي.14
كل المؤشرات المتوفرة بخصوص شخصية عبد الله كنون تدل على أنه كان نابغة مغربية، نابغة اعتنى بالنبوغ المغربي وحرص على تعريف العالم عليه كل طرف بحسب طبيعة نظرته للمغرب الأقصى، فإذا كانت حاجة الشرق تتحدد في الرغبة في ابراز الصلات الحضارية والثقافية التي تصل الشرق العالم العربية والإسلامي بغربه الأقصى، فإن الغرب الأوربي الذي كان يبدل كل ما في وسعه لإبراز المغرب دون هوية ودون شخصية حضارية وثقافية، لقد أدرك عبد الله كنون بأن الوعي بالشخصية المغربية والوعي بالهوية الثقافية، وهي مهمة وفق فيها عبد الله كنون أعمق توفيق، بل يمكن القول إنه قد جعل في البحث العلمي، وفي النقد والتأريخ للنبوغ المغربي سبيلا للنضال الوطني من أجل الانعتاق من رقبة الاستعمار والحماية
في ضوء هذه النقطة، يبرز أحد أهم مكونات النضال الوطني من أجل الاستقلال، وهو النضال بالكلمة، ونضال إبراز الهوية الوطنية. وفي هذا الإطار فإن عبد الله كنون يصنف وطنيا ضمن رجالات الحركة الوطنية، وخاصة في منطقة طنجة15 ()، وخاصة بعد صدور الظهير البربري، ويلمس عمله الوطني المباشر من خلال التحاقه بجمعية الطلبة المسلمين لشمال افريقيا، وكان ممثلا لها في طنجة، كما يتجسد بعده الوطني في إسهامه القوي في إنشاء التعليم الحر، ولا يخفى البعد الذي تأسس في ظل التعليم الحر في المغرب، يذكر عبد المجيد بنجلون أن عبد الله كان على صلة بأقطاب كتلة الحركة الوطنية التي كانت تنشط في مناطق النفوذ الاستعماري، لكنه لم ينضم إليها.16
وعلى العموم؛ فإن عبد الله كنون كان نابغة متعدد المواهب ووطني غيور على وطنه، وتنوعه هذا يؤكد بأنه كان يصدر عن بوتقة واحدة ويمتاح من مشكاة واحدة، فالتعدد الفكري والأدبي المرتبط شديد الارتباط بشخصية عبد الله كنون يصدر من مشكاة الشخصية المغربية.
لعبد الله كنون تصوره الخاص بخصوص التأريخ للأدب، وليس بعيدا عن صلب الحقيقة أنه صاحب نظرية في الأدب، وهي نظرية تمتاح ولا شك من روافد الثقافة الرصينة التي تلقاها واعتمدها ووجهت تفكيره ورؤيته وهي ثقافة مغربية إسلامية عربية، دون أن يحجب ذلك كونه تلقى ثقافة عصره التي كانت حاضرة في إطار محدود على كل حال.
لقد شهد لبعد الله كنون العديد من الأعلام بحسه النقدي، وبطول باعه في هذا الإطار، يقول محمد المنوني عنه وهو يقدم لمجمعة من الدراسات تناولت فكره ومشرعه العام من زوايا مختلف: «.. فالمنوه به ناقد أدبي من طراز كبار الناقدين، وذلك ما تترجمه تحليلاته المعمقة والذكية، للشعر والنثر في أدب الذين يقدم تراجمهم، فيتصدى لأثارهم في مؤلفاته النقدية، ومنها سلسلة “المشاهير المغاربة“، حيث بلغ منها إلى 40 ترجمة»17
يصدر عبد الله كنون في نقده الأدبي عن اقتناع عميق ووعي بل عن شعور أدبي مرهف. يعتبر عبد كنون الأدب روح الثقافة يقول : «…فهل من يقرأ للمشاركة الأدبية ويتأدب للترف العقلي يكون أديبا؟
لا ياسيدي؛ فإن الأدب رسالة أسمى من هذه الأرضيات وأعمق من هذه السطحيات
إننا ما فررنا إليه إلا لأننا نعتده طب القلوب وبلسم الأرواح فالعالم يستريح إليه من جهود تجاربه المضنية والفيلسوف يصحح به أوهامه فيه، والرياضي والطبيب كلاهما يروضان به أعصابهما الثائرة وأفكارهما المضطربة.
إن دعوته لتدخل إلى أكواخ الفقراء وقصور الأغنياء فتملأ نفوس أولئك بالرضى والتسليم وتفتح قلوب هؤلاء للعطف والمرحمة. وإنها لتستحيل إلى يد رقيقة تربت على أكتاف الحزانى فتلاشي أحزانهم وتشعرهم بالغبطة والسرور وتمسح دموع الثكالى فيجن لها بردا وسلاما وتتنزل السكينة على قلوبهن»18
التأمل في هذا التصور، يقود إلى تبين رؤيته الأدبية، بل نظريته في الأدب والفن، وهي نظرية منسجمة كل الانسجام ومجموع رؤيته للعالم، بل رؤيته للوجود كله، وهي ولا شك رؤية قرآنية، فما يؤجه هذه الرؤية هو ما يوجه فتصوره النظري للأدب يستحضر بصورة مباشرة أو ضمنية ما تقوم عليه النظرية الإسلامية في الفن والأدب.
والجدير بالذكر في هذا الإطار أن عبد الله يبدو أكبر من التصور النظري، فحديثه عن الأدب والفن يبدو عاما، لكن الجوهر الذي يصدر منه في هذا المقام هو تلك الرؤية الأخلاقية والقيمية المحركة للأدب والفن عموم في دائرة التصور الإسلامي.
عبد الله كنون أكثر عفوية في مجال الأدب، أو بالأحرى إن الأدب هو المجال الذين يجد فيه عبد الله كنون ذاته، وهو من هذه الزاوية وفي تصوره هو الحقل الذي تبرز فيه الهوية وتتفتق الشخصية، وتبرز فيها أسرار الذات الأكثر التصاقا بالجذور، إلى درجة أن يقول القائل إنها الهوية المتدفقة دون إرادة ودون وعي الذات، وذلك جعل عبد الله منها مدخلا لمواجهة الخصوم الذين يريدون طمس الهوية وإلغاءها، ويريدون قطعها الهوية عن جدورها الثقافية والحضارية.
وإذا كان عبد الله كنون يعد الأدب روح الثقافة، وجوهر المعرفة، فإنه من الراجح أنه صاحب تصور ورؤية في مجال الشعر والفن والأدب على وجه التحديد، فإنه كان صاحب نظرية في الادب والكتابة الأدبية التي يسهل رصدها ويسهل اكتشاف معطياتها، وهي رؤية تستمد مقوماتها من البعد الأخلاقي العام الذي وجه التأليف عند المسلمين، والذي ظهر معالمه بارزة من خلال مناهج المحدثين وعلماء اللغة وعلماء القراءات، وهي مناهج وموجهات ملتصقة بروح الثقافة الإسلامية وتمارس نوعا من السلطة والتوجيه الفكري والسيكولوجي إن صح هذا الأمر على ممارس الفعل الفكري، فهي موجودة ولا شك في جينات أو لنقل إنها قد انتقلت إلى جينات الإنسان المسلم وتبلورت لدى العقليات الفذة التي أثثت فضاء المعرفة الإسلامية. يقول متحدثا عن الشعر: «ينتظم الشعر في سبكه العجيب كل الفنون الجميلة تقريبا، وبهذه النظرة أنظر إليه دائما. ولعل غيري من المفتونين به ينظرون إليه كذلك أما الشعراء فلا ريب عندي أنهم يقدسونه ويجعلونه فوق الجميع، وذلك سر اعتزالهم، وتيهانهم في أودية الخيال وبوهيميتهم المحببة التي لا يبغون بها بديلا: فإنهم قد اكتفوا به عن كل ما يجذب غيرهم إلى الاجتماع ومداخلة الناس إذ يتحدثون إليه حديثا نفسيا ألذ وأشهى من كل حديث يمكن أن يتحدثوه في المحضر والمجتمعات»19 نفهم من هذا التصور أن الشعر ومن خلاله الأدب عالم عجيب معبر على عالم الذات، لكن في إطار الارتباط بالمجموع، أو لنقل الارتباط بالمجتمع، فالشاعر ومن خلاله الأديب ليس سوى معبر عن نبض المجتمع. والتعبير عن هذا النبض لا يجب أن يخرج بالشعر إلى نوع من التقريرية التي تفقد الشعر والأدب خصوصياته الفنية والبيانية، وعلى هذا الأساس تحددت الخصوصية المنهجية التي صار عليها في التأريخ للأدب المغربي، أو بالأحرى تبدو الثروة الفنية والأدبية التي وردت في النبوغ وفي غيره متصل بتصور محدد في مجال الفن والأدب والبيان والبلاغة.
وليس مجانبة للصواب القول بأن عبد الله كنون يسير على منهج القدماء في طبقاتهم وفي مختاراتهم، فروح منهج ابن قتيبة وابن سلام الجمحي والمفضل الضبي والأصمعي والبحتري في حماسته، فهذه المختارات التي تعد نوعا من التأريخ للأدب العربي وللشعر، ونوعا من التعبير عن رؤيته فنية ما، قد لا تكون عامة ومشتركة بين كل من صنفوا في المختارات الشعرية والأدبية لكنها تعبر مع ذلك وبصورة من الصور نمط من أنماط الانتماء إلى رؤية واحدة للعالم وللوجود أرسى مرتكزاتها الوحي الذي انتظم جوهره الواقع الحضاري لعالم المسلمين.
وعلى هذا الأساس لا حظ عبد الله كنون على الشعر المغربي في مرحلة ما أنه يعنى بالقضايا الوطنية وكأنه يلفت الانتباه إلى أن للشعر جوهر لا ينبغي أن يتنكر إليه ولا أن ينحرف عنه، فأكد بأن الشعر المغربي ارتبط بالقضايا الوطنية ويرجع ذلك إلى مدى ارتباط الشاعر وشعره والأديب وأدبه بطبيعة المرحلة ، لكن ذلك لا يجب أن يخرج بالشعر عن دوره ومهمته السامية، وهو موقف يسجل بكل وضوح موقفه من الشعر، يقول وقد سئل هل الشعر في تراجع،
لا ينبغي أن يدرك من هذا التوجه أن عبد الله كنون كان رافضا لأسباب التطور الحضاري، ومستجدات العصر، بل كان واعيا بأهمية ذلك
اعتنى عبد الله كنون بخطاب المقدمات عناية خاصة لا تكاد تخطئها عين الدارس والباحث الفاحص، بل يمكن القول بأن تصورات عبد الله كنون النظرية وتصوراته الفكرية العامة والموجهة لمجموع مشرعه الفكري الإصلاحي، إنما تدرك من خلال المقدمات التي يحررها قبل بسط تجربته الفكرية والنقدية بخصوص القضية المتناولة والمدروسة، وبهذا يبرز جانب مهم جدا من جوانب المنهج الذي صار عليه عبد الله كنون وتتلخص في كون المنهج ينقسم لديه إلى جانبين،:
– الجانب الأول نظري وتصوري، وهذا تدرك معالمهم الكبرى من خلال المقدمات التي يبدو فيها مدى حرص عبد الله كنون على عرض أهم القضايا النقدية والقضايا الفكرية التي توجه مواقفه واختياراته النقدية بخصوص قضية من القضايا.
– أما الجانب المنهجي الثاني، فيمكن القول إنه جانب عملي أو تطبيقي، يقوم على إبراز المنجز الفكري والإبداعي المتناول بالدرس والتحليل، ولا يخفى ما قد تتضمنه اختياراته من هذه الزاوية من أبعاد نقدية واقتناعات فنية، وهنا كذلك يبرز جانب من جوانب تأثر عبد الله كنون بمنهج القدماء، فهل يمكن اعتبار ذلك نوعا من السلفية النقدية، وحتى صنفا من أصناف السلفية الفينة.
وإذا كانت هناك قضايا ينبغي التنويه بها في المقام هو البعد الاخلاقي والقيمي الذي يوجه المنهج لدى عبد الله كنون في الجانبين معا، الأمر الذي يؤكد بكل قوة سلفيته النقدية والفنية، كما سلف الذكر.
في ظل هذه الملاحظات، يقف المهتم والباحث عن معالم شخصية عبد الله كنون الفكرية المتصلة بما اشير إليه سالفا، فالخطابه لم يكن مجرد تقليد يلجأ إليه احتراما لمنهج التأليف، بل يكتشف وعيا عميقا بأهمية التقديم في مشروع عبد الله كنون العام، ففي التقديم يكشف عبد الله كنون عن فلسفته من تصنيف هذا المصنف أو ذاك، ويترك للمتلقي الحصيف المجال واسعا لوضع فلسفته من هذا المصنف أو ذاك في مكانه المنطقي من لبنات مشروعه الفكري والثقافي العام، أو لنقل من مشروعه الإصلاحي العام، على أساس أن لعبد الله كنون مشروعا إصلاحيا يتطلع إلى الانبعاث الحضاري للأمة المغربية، في ظل وعي بارز بأهمية الروابط التي تربط الأمة المغربية بالأمة العربية والأمة الإسلامية.
لحظة التقديم في مشروع عبد الله كنون لحظة ذات أهمية بالغة جدا ففيها تكشف الرؤية عن تفاصيلها وأبعادها، وقد نخصص للخطاب المقدماتي أو خطاب التقديم في تراث عبد كنون دراسة مستقلة، بالنظر إلى ما تختزنه من رؤى وتصورات ومواقف تتميز بالدقة والأهمية في إضاءة عالم عبد كنون الفكري.
ومن مقومات الوعي المنهجي لدى عبد الله كنون عنايته عناية عميقة وواسعة باللغة العربية، وهو ما رشحه لأن يكون عضوا في عدد من مجامع اللغة العربية وخاصة المجمع اللغوي العربي في القاهرة، ويحمل هذا الانتماء دلالات عميقة جدا مرتبطة بصورة مباشرة بالدور البارز الذي قام به بربط الصلة الثقافية بين شرق عالم المسلمين بغربه في ظل نبوغ اللغة العربية، وما تحقق بأثرها في ظل الخصوصية الحضارية العربية والإسلامية.
وعليه؛ فقضة اللغة العربية قضية ذات مكانة مميزة في مشروعه ، فاهتمام عبد الله كنون باللغة نابع على الخصوص من وعي عميق لديه بالهوية الثقافية والإسلامية حيث تشكل اللغة عنصرا مهما من عناصر هذه الهوية، فاللغة العربية هي لغة الوحي والاعتناء بها والاهتمام هو اعتناء واهتمام بالقرآن الكريم الذي على أساسه وفي ضوئه تكونت الثقافة العربية وتأسست الحضارة الإسلامية، والحضارة المغربية جزء من هذه الحضارة ومكون أساسي من مكونات هذه الحضارة.
لقد تعدد مظاهر عناية عبد الله كنون بهذا المكون الأساس من مكونات الهوية الثقافية والدينية للأمة الإسلامية والعربية. ولعل عنايته بما في العامية المغربية من ارتباط باللغة العربية، ما يؤكد مدى اقتناعه بقيمة اللغة العربية، باعتبارها لغة الوحي هو ذلك الحرص الذي ابداه عبد الله كنون من أجل ربط العامية المغربية بأصول اللغة العربية،20 ومقالته “عاميتنا والمعجمية” تؤكد مدى حرص عبد الله كنون على ربط الشخصية الاساس مغربية بجدور اللغة العربية، وكأن لسان حاله يقول إن العناية باللغة العربية هو جزء من العناية بالشخصية المغربية، ومكون من مكونات النبوغ المغربي، فاللغة العربية ليست بالعنصر الغريب عن النبوغ المغربي، خاصة وأنه يعتقد، وينبغي التسطير على عبارة يعتقد بأنه المغربي كان يتكلم في وقت من الأوقات لغة عربية سليمة، بل فصيحة في كثير من الاحيان كما يقول. 21
وفي هذا الإطار يأتي اعتناؤه بالقضايا اللغوية واعتناؤه بما يتصل بالحفاظ على هذا المكون الأساس من مكونات الهوية حيث يبرز كتاب “نظرة في منجد الآداب والعلوم” وهو إذ يثير قضية أهمية العمل المعجمي وينبه إلى صعوبته وقلة من يعنى بها نجد ينبه ضمنا إلى ضرورة تصدي الدول والحكومات ومن خلالها المؤسسات لهذ العمل، وهذا يدل على العلامة عبد الله كنون يؤمن بالتفكير الجماعي ويؤمن بالعمل المؤسسي، وربما هذا هو علة صدور الكتب المشار إليه سلفا عن “معهد البحوث والدراسات العربية“، التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم.
والمطلع على هذا الكتاب سيلمس عن قرب أن الهاجس اللغوي لم يكن هو وحده المحفز على التأليف بالنظر إلى ما تضمنه الكتاب من تصويبات متعلقة ببعض المعلومات التي فاتت مصنف المعجم، بل كان لديه موجه آخر وهو مرتبط ارتباطا وثيقا بالهاجس الأساس، الذي نذر عبد الله كنون حياته له وهو هاجس لفت الانتباه إلى النبوغ المغربي ومدى إسهامه في الرصيد الحضاري والثقافي والمعرفي للحضارة الإسلامية في المغرب، زيادة على مدى إسهامه في الحفاظ على لغة القرآن بما هي مكون مركزي من مكونات الهوية.
ففي تقديمه للكتاب وفي مجموع ما لاحظه عبد الله كنون نجد شعورا عميقا بقيمة المصادر الأصلية، ولهذه القضية بعد منهجي متصل بشخصية عبد الله كنون نفسه ويكشف عن جانب منهم جدا وهو اعتماده منهجيا على مصادر أصيلة اكب على مطالعتها وعلى إخراج ما فيها، الأمر الذي يؤكد بأنه كان يؤمن بأن التراكم المعرفي المغربي، أو لنقل إن التراكم الدال على النبوغ المغربي ما يزال حبيس المصادر التي تتوفر الخزانات المغربية الخاصة على وجه التحدي تزخر بها، وقد تنبه د. محمد بن عزوز لهذه القضية في تقديمه لكتاب “ذكريات مشاهير المغرب” حين أورد رأيا لنجاة المريني في البعد المنهجي عند عبد الله كنون، الذي يتم فيه التركيز على سجية المترجم بفتح التاء انطلاقا مما قرأه. وهو سلوك قد يعد لدى البعض مفتقرا إلى البعد الأكاديمي، لكن كنون أعمق من ذلك، إذ يخفي توجهه المنهجي تنبها ضمنيا مفاده أن مكونات النبوغ المغربي هي من البروز والشهرة والذيوع الذي لا تحتاج معه إلى التوثيق وإلى صرامة المنهج في بعده الأكاديمي، وينضاف إلى هذه القضية بعد آخر وهو دفع المهتم وكل من يريد التعمق في مكونات النبوغ المغربي إلى مصادر النبوغ المغربي دفعا من أجل الوقوف على ما فيها، ولمس ما تختزنه من ثروة حضارية. وعلى هذا الأسا نجده يحث صاحب المعجم على أن العناية بالمصادر الأصلية نظرا لقيمتها العلمية، ولا يخفى ما لهذه القضية من أهمية في الكشف عن موقفه المباشر من ن قضية التراث.
ويلح صاحبنا في الإطار نفسه على أهمية أن الاعتماد عل المصادر لا يجب أن يكون مانعا من الاستفادة مما عند الآخرين، وهو أمر نبه إليه ضمنيا يدرك في ثنايا الخطاب. وهو في هذه الملاحظات نجده حريصا على استحضار البعد المغربي.
وتجدر الإشارة في هذا الإطار بأن عناية كنون فيما لا حظه على منجد الطلاب الآداب والعلوم قد اصبت على وجه الخصوص في ضبط القضايا والمعلومات المتصلة بآداب العربية وعلومها التي وقع فيها بعض من الانحراف عن جادة الصواب، وذلك بالتنبيه إلى أهمية الاعتماد على المصادر الأصلية.
وخلاصة الكلام؛ إن اللافت للانتباه في هذا الكتاب هو الروح التي انطلق منها عبد الله كنون وهي التنبيه إلى أهمية المصادر العربية الأصيلة التي يمكن أن تكون مصدرا لهذا المعجم، وربما كان هذا هو علة تصدي عبد الله كنون للدفاع لمراجعة هذا المعجم، دون التقليل من أهمية الجهد الذي بدله جامع المعجم، يقول عبد الله كنون: «إننا نعرف حق المعرفة ما يتطلبه تأليف معجم من هذا القبيل، ومن الجهود المضنية، ومن المصادر الكثيرة المتنوعة ما بين قديمة وحديثة، عربية وأجنبية، ومن التسلح بسلاح العلم والثقافة الواسعة ..
وبهذا الاعتبار فإننا إذا نظرنا في منجد الطلاب والعلوم ورأينا أنه بحاجة إلى إعادة النظر في كثير من مواده ومعلوماته، يجب أن لا ننسى أنه عمل فردي وأنه مشروع كان يتحتم أن يقوم به جماعة من أهل العلم ليخلو من المآخذ، وبذلك نكون قد التمسنا لمؤلفه من العذر ما يكفي همته وشجاعته، وفي نظرنا أن المسئول عن الأخطاء الكثيرة التي يحتويها هذا المعجم هو المصادر التي اعتمد عليها المؤلف، فهي جميعا مصادر غير أصيلة لأنها تتراوح بين مصادر أجنبية ومصادر محدثة، » ويضيف قائل «على أننا إنصافا للمؤلف لا ندعي أننا سننظر في كتابه نظرة عامة فذلك ما ليس في طاقتنا، وإنما سنلقي نظرة على المواد الإسلامية والعربية والمغربية منها بالخصوص، وذلك ما نقدر أنه بحكم ثقافته المسيحية وبعده عن بلادنا يمكن أن يغلط فيه، وهذه النظرة نفسها سوف لا تكون مستوعبة لأننا لسنا على إحاطة بعلم هذه المواد كلها »22
تكشف هذا الخطاب عن وعي عميق بالقيمة الحضارية لهفوات التي وقع فيها المنجد، فبعد التماس العذر لصاحب المنجد نجده يلح على أهمية الاعتماد على المصادر الأصيلة في نقل المعطيات العلمية المتصلة بالقضية وهذه تكشف تبرز وجود وعي بضرورة التعامل بحذر مع المعطيات التي توفرها بعد المراجع الحديثة من معطيات تفتقد إلى الدقة، دون الإشارة إلى ما قد يخفيه ذلك من سوء نية قد تكون مقصودة، ومن هنا فإن عبد الله كنون يسطر في هذا الموقف على ركيزة أساسية في منهج المعرفة وهو الصدق والتثبت في المعلومات المعرفية، وهو منهج يستقي مرتكزاته من خصوصيات منهج المعرفة لدى علماء المسلمين.
يذكر عدنان الخطيب في كتابه عن عبد الله كنون “سبعون عاما من الجهاد المتواصل في خدمة الإسلام والعروبة ورد شبهات الحاقدين والدققة: أنه كان يريد من خلال كتابه النبوغ المغربي هو تنبيه المشارقة إلى ما للمغاربة من عطاء أدبي يدل على نبوغهم منذ القدوم العربي إلى المغرب الذين حملوا معهم اللغة العربية لغة القرآن الكريم، وقد جسد عتب عبد الله كنون كما يقول عدنان الخطيب من خلال تعميق أنابيشه في كتب التاريخ والأدب باحثا عما يكون أثرا دالا على النبوغ المغربي، والجدير بالذكر في هذا الإطار أن كنون لم يكن يشك في النبوغ المغربي، ولم يكن يحتاج إلى إقناع نفسه بذلك فهو يجد ذلك جزءا من وعيه الكامن فيه، وإنما كان الكتاب موجه لأولئك الذين جهلوا أو غضوا الطرف عن هذا النبوغ،
وما يذكره الخطيب هنا يشير إشارة واضحة إلى الصورة الأولى التي تلقي بها عبد الله كنون في المشرق، فمن غير شك أن قدرا مهما من العطاء الفكري والأدبي العربي والإسلامي كان يرد إلى المغرب من الشرق، لكن هذا الذي يرد يكاد يضرب صفحا عن عطاء الغرب الإسلامي وكأنه ليس جزءا من الثقافة العربية الإسلامية.
يعرض الخطيب في ترجمته لثلاثة صور من صور تلقي كتاب النبوغ المغربي:
التلقي الأول في شمال المغرب وهي آنذاك منطقة تابعة للنفوذ الاسباني، التي قبلت الكتاب حين ترجم إلى الاسبانية، بمعنى أن التلقي كان إيجابيا وربما استجاب هذا التلقي أو توافق مع بعض تطلعات الحكومة الإسبانية،
التلقي الثاني وكان سلبيا وهو الذي صدر من السلطة الاستعمارية الفرنسية التي رأت في الكتاب حدثا يصب ضد مصالحها لأنه كان يعزف على نغمة وحدة اللحمة المغربية شماليها ووسطها وجنوبها، وكانت ترى فيه سلوكا يؤكد الشعور الوطني.
لم يكن عبد الله غافلا عما كانت القوى الاستعمارية تتطلع إلية من مرام التشكيك في الشخصية المغربية وبث جرثومة التفرقة بيم مختلف مكونات المغرب آنذاك، فكتاب النبوغ وكتاب ذكريات مشاهير المغرب لا ينبغي قطعه عن السياق العام الذي كان يخيم على المغرب شماله ووسطه وجنوبه.23
وأما التلقي الثالث فهو التلقي الذي حصل في المشرق، وهذا في حذ ذاته يثير جملة من الاستنتاجات ذات الأهمية البالغة، فقد يغلب على الظن بأن الغاية المعلنة من تأليف عبد الله كنون لكتاب النبوغ هو التنبيه إلى أهمية الرصيد الفكري والثقافي والأدبي الذي يجهله المشرق بخصوص المغرب الأقصى، لكنه في الوقت نفسه هو تأكيد لانتماء هذا الجزء من جغرافية العالم العربي والعالم الإسلامي، فعلى الرغم من البعد المؤكد الخصوصية المغربية في هذا التأليف، لكن الكتاب في الوقت نفسه محاولة واضحة وربما ضمنية لإلحاح على العمق الانتماء الثقافي والفكري والحضاري الذي يسري في الشخصية المغربية.
يعرض عبد الله كنون في الكتاب لقضية ارتباط الأدب بالسياسي بالنظر إلى استحالة الفصل بينهما، وربما يدفع هذا التساؤل عن مفهوم السياسة، والغالب أن المفهوم الذي يؤمن بها عبد الله كنون هو ذلك المفهوم الذي يربط السياسة بالقيم بل يعتبرها قيمة إيجابية من زاوية اعتنائها بقضايا المجتمع وهمومه.
قد لا تكون السياسة في ممارسة عبد الله كنون هي العمل السياسي في حد ذاته، ولكنه في حقيقة الأمر السياسة عنده هي الانخراط في قضايا المجتمع الثقافية والفكرية والانخراط في بناء وعي المجتمع من أجل إصلاحيه وربطه بخصوصياته وشخصيته الثقافية والحضارية الموجهة.
فالهم الثقافي الذي ظل عبد الله كنون الموسوعي.24 فالهم الثقافي هو الموجه للهم السياسي لكن بالبعد القيمي والأخلاقي الذي يقترب من مفهوم السياسة الشرعية.
إن المطلع على تراث عبد الله كنون كله سيلمس وجود خيط رابط بين كل مكونات رؤية الرجل، أو لنقل إنه يصدر من رؤية واحدة لا تكاد تتبدل وتتغير، ولكنها تأخذ أبعادا كثيرة وتلونات مختلفة بحسب الحقل المعرفي وطبيعته وبحسب القضية المركز عليها في عملية الدرس والبحث والتناول، ولا تخرج هذه الرؤية في الغالب عن سياق الرؤية الإصلاحية وتأكيد الشخصية المغربية والإلحاح على ما في ذلك كله من ارتباط قوي بمشروع التحرر الوطني في ظل الخصوصية الثقافية العامة، التي تنتظم عالم المسلمين عموما.
وبعبارة أخرى إنها روح تتطلع إلى إلى إبراز حقيقة الشخصية المغربية مع الاجتهاد في إبراز كل السبل التي تكفل بعثها وتحديد معالمها وإيجاد السبل التي تسمح لهذه الشخصية بأن تتبوأ المكانة التي هي أهل لها، وهي مكانة حضارية مرموقة أسهمت هي نفسها في تعزيزها وبلورتها.
وبعبارة أخرى إن كل ما كتبه عبد الله كنون وحتى نشاطه الحركي كان محكوما بهذا التوجه بل غايته المثلى هو الإسهام في تبوء الأمة المغربية في ظل التوابث المكانة العظيمة التي تستحقها. يقول: «وبالجملة إن الإسلام جاء بالمثل الأعلى الواقعي الذي طبق على عهد الخلافة الراشدة كما قلنا، وبالوسط الذي يقال عليه: ما لا يمكن كله، لا يترك جله، وقد عاش المسلمون على هذه الحالة في كل عصورهم وبلادهم ولم يقل أحد أنهم خرجوا عن دينهم في أي عصر أو بلد، وكانت تلتمع بينهم في بعض الأحيان شخصيات تحاول الارتفاع بهم إلى المستوى المرموق، كعمر بن عبد العزيز وصلاح الدين الأيوبي ويوسف بن تاشفين وأمثالهم، فتعطي الدليل على أن الحياة في المجتمع الإسلامي لا تفتأ تتراوح بين الوسطية والطموح والمثل الأعلى»25 (في هذا الكتاب يبرز مدى وعي عبد الله كنون بما حمله الإسلام من قيم ارتفعت بالإنسان أو لنقل بالشخصية المسلمة أو الشخصية الإسلامية عموما، ومن خلالها بالشخصية المغربية على وجه التحديد.
وفي هذا الكتاب يعمل عبد الله كنون على تقديم رؤية الإسلام بخصوص مجموعة من القضايا التي تعد قضايا جوهرية بالنسبة لما يرتبط به المغاربة أو الأمة المغربية من قيم ومبادئ سامية إذا ما قورنت بالقيم التي تبدو سائدة في ظل تسلط القوى العظمى، كقضية الملكية الفردية وقضية الرق وقضية نظام الحكم، وقضية المرأة وهي كلها قضايا فرضت نفسها كما يؤكد ذلك عبد الله كنون في ظل سعي الغرب إلى فرض قيمه وثقافته التي جوزت له التسلط على الشعوب والأمم والثقافات، يقول: «هذه هي القضايا التي رأينا أن نعرض رأي الإسلام فيها ونقارنه بغيره مما يحدث البلبة في النفوس، وإننا لنؤمل أن تكون سببا في فتح البصائر والأبصار على حقائق الأشياء في عالم الإسلام، والشعور بالطمأنينة الفكرية والقناعة العقلية للذين تشتبه عليهم الأمور من شباب وشيوخ، ولعل هؤلاء أولى بتثبيتهم من الشباب الذين ما يزالون في مرحلة التحصيل، والأمل في فيئتهم أقوى»
يربط عبد الله كنون في هذا الإطار أسباب التخلف بتقاعس الناس والمسلمين عن الأخذ بالأسباب الكونية وليس لأن الدين أو الإسلام لم يعد صالحا لمستجدات العصر يقول في كتابه مفاهيم إسلامية
ومن القضايا التي يمكن القول بأن عبد الله كنون كان له سبق فيها رؤية وتصور بل يمكن القول بأنه كان له فيها نظرية ورؤية ضمنيا من خلال نحثه لمنهج خاصة والمقصود بذلك هو تأريخه للأدب وللثقافة المغربية، فكنون كان صاحب نظرية ناضجة في هذا المجال، ومصدر هذا النضج هو وعيه الثقافي المتصل بالهوية الثقافية الخاصة وتتمثل أولا في الهوية الشخصية الثقافية المغربية ثم وعي بأهمية الهوية الثقافية العربية الإسلامية.
لقد صدر في تعامله مع تاريخ الأدب عن هذه الروح، فتأريخه للأدب العربي المغربي، أو لنقل تأريخه للنبوغ المغربي هو تأريخ للأدب العربي الإسلامي عموما هو تأريخ للنبوغ العربي الإسلامي، وكأن لسان حاله يقول: هناك لبنة من لبنات النبوغ العربي الإسلامي لم تحظ بعانية صناعة الـتأريخ الأدبي، وهذه اللبنة هي لبنة الأدب المغربي أو لبنة النبوغ المغربي وقد تصدى لذلك فنجح في مهمته، فكان التلقي في أرقى صوره منذ اللحظة الأولى التي تلقي فيها الكتاب في المشرق فضلا عن تلقيه في المغرب الذي كان مقسما بين المنطقة السلطانية التي تتسلط عليها سلطة الاستعمار الفرنسي، والمنطقة الخليفية التي كانت تابعة لسلطة الاستعمار الإسباني.
وإنه من الأهمية بمكان وضع كتاب النبوغ المغربي وتأليفه ودوافع ذلك في سياقه الحضاري والتاريخي، بل وحتى في سياقه السياسي إذ فصل الكتاب عن موجة الوعي الفكري الداعية إلى ربط الهوية الثقافية العربية والإسلامية لا يمكن القفز عليها وتجاهلها، وبالأهمية نفسها لا يمكن فصل ذلك عن تيار الرغبة في النهضة والإصلاح العام الذي كان سائدا في العالم العربي والإسلامي.
لقد تعددت تيارات الوعي الداعية إلى البحث عن سبل خروج الذات من أزماتها الحضارية، فقد كان هذا تيارا عاما ساد أغلب إن لم نقل كل أقطار العالم الإسلامي، لكن لم يمنع ذلك أن يكون لكل قطر ولكل، بلد على حدة شخصته الخاصة في الإصلاح والدعوة إلى النهضة والانبعاث من جديدة بما يتلاءم وشخصية ذلك القطر وطبيعته الثقافية وتاريخه الخاص.
ولا شك بأن هناك مؤثرات خاصة تاريخية وثقافية وحتى جغرافية وربما حتى عرقية قد اسهمت في بناء تلك الشخصية والخصوية وبلوت هذه، لقد كان هناك موجه عام صدرت عنه أغلب إن لم نقل كل دعوات الإصلاح والنهضة، لكنها دعوات اصطبغت بالخصوصيات القطرية، وللمغرب من الخصوصيات ومن الابعاد الشخصية الشيء الكثير وقد كان ذلك هو المحفز لعبد الله كنون أي أن الذي حفزه هو الإسهام في إبراز وعيه بضرورة أخذ الأمة بأسباب النهضة لكن على اسس عامة لا يمكن إغفالها ولا تجاوزها، وفي الوقت نفسه إبراز الخصوص ومدى إسهامها في ذلك الرصيد العام للحضارة العربية الإسلامية، إنه نوع من لفت الانتباه إلى ذلك.
الغالب أن العرب لم يعرفوا تاريخ الأدب بالمعنى الذي نعرفه اليوم، لكن العرب مع ذلك عرفوا سلوكا يشبه تاريخ الأدب في كتب الطبقات وكتب الأمالي تارة وفي كتب التراجم والحماسة تارة أخرى، لكن هذه الإرهاصات الأولى لتاريخ الأدب كانت تعزل الكاتب المبدع والنابغة عن السياق التاريخي، بمعنى لم تكن تربط الفكر أو النتاج الأدبي والفكري بطبيعة المرحلة التاريخية وما يطبعها من أحداث سياسية وتحولات اجتماعية، يقول أحمد الشايب: «وتاريخ الأدب المغربي، لم يكن مستقلا عما يجري في المجتمع العربي، على المستوى السياسي، والثقافي. فقد كانت العودة إلى التاريخ مطلبا أساسيا، من مطالب الفئات التي أسهمت في إرساء خطاب النهضة، سواء في المشرق أم في المغرب.»26
وقد أورد في هذا السياق نصا واردا في مجلة السلام عير موقع كما يشير أحمد الشايب يؤكد البعد النهضوي الموجب لحركة التأريخ للأدب العربي،: « يقول أحد كتاب مجلة السلام، دون أن يوقع مقاله: «كل أديب مغربي يشعر بالحاجة الماسة، إلى تاريخ دقيق لأدبنا القومي، يسجل فيه إنتاجنا الأدبي، ونبوغ رجاله، وما مر على الأدب من أطوار، وبعبارة مختصرة نحن نريد أن نعرف ماهية الرسالة الأدبية التي أديناها وكيف أديت هذه الرسالة. وغير لائق بنا أن نبتدئ هذه النهضة الجادة المسترسلة من غير أن نلتفت إلى رسم حركات تاريخنا الأدبي وفيه نفسيتنا القومية، ووجودنا الفني، فبما شعر قومنا؟ وكيف شعروا؟ هذه أسئلة، نريد أن يجيب تاريخ ممتع، ولعلنا سنجد هذه المتعة في تاريخ الأدب المغربي، الذي ينوي الأستاذ كنون إظهاره قريبا»»27
يؤكد هذا النص حقيقة الدوافع التي دفعت عبد الله كنون إلى تأليف النبوغ المغربي، وهو دافع نهضوي متصل بتلك الشحنة التي انطلقت في الشرق، ووصل صداها وانتقلت حرارتها إلى المغرب الأقصى، لأن المغرب لم يكن مفصولا عما يجري في الشرق من تحولات، ومن غير شك بأن الحج على أقل تقدير قد أدى دورا مهما في هذا الإطار، لقد حافظ على لحمة التواصل بين الشرق والغرب قائمة وأبقى مشعل الروابط الثقافية والحضارية موصولة بين الشرق والغرب، أو بالأحرى بين الشرق والمغرب الأقصى.
وعلق أحمد الأشهب على هذا النص بالقول: «لقد كتب عبد الله كنون هذا المقال في بداية سنوات الثلاثين، أي عقب صدور الزهير البربري، الذي يقضي بتقسيم المغاربة، سنة 1930. وهذا يحمل أكثر من دلالة، كما أن الاستجابة لهذا النداء – ضرورة التعجيل بكتابة تاريخ للأدب المغربي – جاءت عقب هذا بقليل، فقد أصدر عبد الله كنون كتاب “النبوغ المغربي في الأدب العرببي” سنة 1938»28
وبغض النظر عن الدوافع التي دفعت عبد الله كنون إلى تأليف النبوغ المغربي في الأدب والنقد
ـــــــ
ــــــــ
ــــــــ(هناك بعض التحرير على حاسوب البيت)
والجدير بالذكر في هذا الإطار هو البحث في الشخصيات المغربية التي بصمت الحياة الفكرية وحياة النضال الوطني يكشف أن هناك العديد من المعطيات التي يمكن الاشتغال عليها وتعريف الأجيال الحالية عليها، فعبد الله كنون هو بصورة من الصور صورة شاهدة على تلك الحيوية التي يتميز بها النبوغ المغربي، فالكثير من الأعلام يمكن أن نجد لهم صلة ارتباط بعبد الله كنون الشخص أول وما يمثله عبد الله كنون باعتبار البعد المعنوي الذي يمثله بالنبة للشخصية المغربية وللنبوغ المغربي.
ولعله من القضايا التي يمكن إثرتها في هذا السياق هو التساؤل عن الدوافع الضمنية التي حفزت عبد الله كنون وغيره على الاهتمام بالشخصية الفكرية المغربية، أو بتعبير عبد الله كنون النبوغ المغربي، من خلال السؤال الآتي هل كانت الدافع هو اللحاق بركب المشرق في البحث عن النهضة، ولفت انتباهه لما في المغرب من عناصر إيجابية ومن مقومات أم إن الدافع هو عمق الشعور بالخصوصية المغربية؟ وعندي إن كان لي عند كما يقول الجاحظ هو أن الشعور بالخصوصية والشعور بالشخصية المغربية وبتعبير عبد الله كنون الشعور بالنبوغ المغربي هو العامل الذي حفز أكثر العلامة عبد الله كنون إلى الاجتهاد في تجميع المادة الأدبية والفكرية التي وردت في كتاب النبوغ المغربي، والجدير بالذكر كذلك في هذا الإطار هو الإطار كذلك هو أن الشعور بهذا النبوغ والشعور بهذه الروح لم يكن شيئا انتبه إليه عبد الله كنون بل كان شعورا عام تنفسه الوعي الثقافي المغربي شماله وجنوبه، من خلال مان يتردد في الأوساط الثقافية من حرص على إبراز الشعور الوطني وعلى تأكيد الوعي الثقافي المغربي، لكن عبد الله كنون أدرك بوعي وذكائه أنه ينبغي المرور إلى نوع من التأريخ لهذا الأدب، وقد لا يتيه من يريد إثبات هذه القضية كثير في العثور على ما يؤكد وجود هذا الشعور ومن يطلع على سبيل المثال على تلك المجالات والجرائد التي كانت تصدرها أطراف بروح الوعي الوطني سيجد فيها ضالته وهي كثيرة ومتعددة ومتنوعة، ومن ذلك يمكن ذكر مجلة السلام التي كان يصدرها العلامة محمد داود ففيها يمكن العثور على معالم هذا الوعي، وهي تشهد على وعي كنون الوطني، كما تشهد على غيره، وقد نبهت إحدى مقالات العدد الأول من المجلة إلى العمل الذي كان عبد الله كنون منكبا على إنجازه وهي عبارة عن إشارات وتنبيهات، ولعل أهم الذي ورد في هذه المقالة التي هي في الغالب من توقيع قلم التحرير، وهو محمد داول ومن كان كانت عضده وسنده في إصدار مجلة السلام.
لا شك بأن التأريخ للأدب ليس مجرد ترف فكري أو مجرد ولع بجمع المادية الأدبية والفكرية والتعريف بها، بل هو أكثر من ذلك وأكبر، إنه رؤية وفلسفة وهوية وثقافة، والغالب أن عبد الله قد صدر عن رؤية جلية وواضحة، والجدير بالذكر في هذا السياق هو أن الثقافة العربية التي عرفت مصنفات جمعت جمع الكثير من العناوين التي تشير إلى التصنيف في شتى العلوم والمعرف، كما هو حال كتاب مثل الفهرست لابن النديم التي جمع فيه رصيدا مهما من العناوين التي عندما يتأمل فيها يكتشف المتأمل والدارس مستوى الوعي الثقافي الذي عرفته الحضارة العربية الإسلامية، ويكشف في الوقت نفسح حقيقة الهوية الثقافية والحضارية التي نشأت في ظل الإسلام وخاصة الوحي الذي وجه أغلب الجهد الفكري والثقافي الذي نشأت في ظل الحضارة الإسلامية.
وعبد الله كنون يصدر عن هذا البعد، ومن هنا غير خاف أهمية الخلفية المحركة لقضية التأريخ للأدب، فالرؤية التي يصدر عنها المستشرق هي غير الرؤية التي يصدر عنها المؤرخ الشرقي، وهذا المؤرخ نفسه ليس دائما مسلما فقد يكون مسيحيا كما هو حال جورجي زيدان، فالدوافع التي حفزته لتأليف تاريخه ليست هي نفسها الخلفيات والدوافع التي حفزت الزيات، وبالمقابل تبدو الخلفيات التي حركت طه حسين في التعامل التراث الأدبي العربي وخاصة الجاهلي منه وحفزت أو وجهت مواقفه التي أثارت من النقاش والجدل الفكري الذي أكد بأن قضية التأريخ لآداب العربية ليس مجرد ترف فكري، ولا يمكن بأي حال من الأحوال فصله عن القضية الكبرى التي تملكت الذات في مسار بحثها عن الانبعاث من جديد.
فقضية التأريخ للمعطى الفكري مرتبط شديد الارتباط بالخلفيات الفكرية المحركة، ومرتبطة في الوقت نفسه بالوعي المنهجي أو مرتبط بوعي منهجي، وقد وجب الإلحاح في هذا المقام على ذلك في سياق الحديث عن عبد الله كنون، فلقد توسع الحديث بين رجال الأدب عن قيمة التأريخ للأدب والفكر عموما بالنظر لما يختزنه ذلك من أبعاد هوياتية وحضارية، بل لقد كان هذا الحديث مقدمة لظهور تصورات ونظريات ومنهجة اتخذت من التأريخ لما أنتجته الذات من تراكمات إبداعية وفكرية مدخلا للتعبير عن مواقف محدد، وعبد الله كنون كان عميقا في وعيه بأهمية التأريخ للأدب المغربي من هذه الزاوية، وكما سلف الذكر فهو في عمله هذا كان يصدر عن منهجية ضمنية، بل إن المتأمل في مجمل كتاب النبوغ وفي غيره كحديثه عن المشاهير المغاربة وحديث عن الأدب المغربي الحديث، كل هذا يبرز حين التأمل والتنعم أنه قد صدر عن وعي منهجي هو جزء من الرؤية المنهجية العامة التي كان يصدر منها، وهي الرؤية الإسلامية.
إن المتنعم في كتاب النبوغ المغربي سيلاحظ أن أغلب ما ورد في الكتاب يدل دلالة واضحة على أن مؤلفه يصدر عن رؤية كان حريصا على رصدها فيما رصده وفتش عنه وحفظه من نصوص ومعلومات ذات بعد إبداعي يبرز فيه نبوغ جماعة بشرية استقرت في منطقة بعيدة جغرافيا عن الموطن الذي نزل فيه العامل الأساس الذي أحدث التغيير والتحول الكبير الذي عرفته البشرية، فالقضية لا تتعلق فقط بالنبوغ الذي برز في هذه الجماعة البشرية، بل تتعلق كذلك – وهذا مهم جدا – بما أحدثه التحول الناتج عن ظهور الإسلام في الشرق، من تأثير إيجابي أسهم بكل وضوح في تحريك ملكة الإبداع لدى الجماعة البشرية التي استوطنت المغرب الأقصى.
وليس هذا فحسب بل إن المتأمل في كتاب النبوغ سيقف على حرص على إبراز البعد الاخلاقي الذي وجه التراكم النبوغ الذي برز في المغرب، ولا يخفى في السياق نفسه ما يختزه هذا الكتاب من قيمة تؤكد مدى ارتباط هذه الجماعة البشرية باللغة العربية.
وعلى العموم؛ فإن عبد الله كنون يصدر في كتابه النبوغ المغربي عن وعي منهجي ضمني يمكن رصد معالمه من خلال التأمل في النصوص التي ساقها في الكتاب فهي تؤكد من خلال تأملها روحا منهجية وتصورا نظريا ناضجا يمكن أن يكون مفتاحا لإدراك سر الحضارة المغربية وقبلها سر الحضارة الإسلامية، أو لنقل سر الحضارة العربية الإسلامية، والعربية هنا تحضر بكونها لغة نزل بها الوحي، فكانت مفتاحا لإدراك الوحي وإدراك أبعاده المغيِّرة.
ويمكن القول بأن عبد الله كنون قد كان منطلقه مشروع يتخذ من التأريخ مدخل يصل به إلى إبراز خصوصية الثقافي في البناء الحضاري. وإلى الدفاع عن الحقوق الوطنية المغربية بالتصدي لكل محاولات بث نزة فرق تسد.
والراجح أن ربط النبوغ المغربي بالجدور التي كانت عاملا في خصوصيته وفي بروزه معرفيا وأدبيا وحضاريا، هو أكبر دليل على موقف عبد الله كنون والحركة الوطنية عموما ضد الأطماع الاستعمارية في المغرب، وضد كل نزاعات تشضية المغرب على أساس ثقافي وعرقي.
إن أهمية مفكر من المفكرين لا تكمن فقط فيما خلف من تراث يعبر عن مواقفه وعن شخصيته بل يكمن في طبيعة القضايا التي يطرحها ويثيرها تراثه الفكري والأدبي، فقضية النبوغ المغربي التي ألف فيها عبد الله كنون ما تزال قضية ذات أهمية كبيرة جدا خاصة في ظل الواقع الراهن، فقد يثار السؤال الآتي هل الواقع الراهن، وخاصة الواقع المحلي والإقليمي، اليوم في حاجة إلى الانكباب على فكر عبد الله كنون وإعادة طرح مختلف القضايا التي عني بها في ظل السياق الذي عاصره؟
سؤال مهم جدا يفرض نفسه في الوقت الراهن؛ والغالب فيما يرى كاتب هذه الأسطر أن العناية به في ظل السياقات الراهنة له أهميته البالغة، وليس فقط عبد الله كنون فالنبوغ المغربي يختزن في طياته الكثير من الأعلام الذين سجلوا وجودهم في سجل العطاء الفكري وبصموا الشخصية المغربية بطابع الخصوصية المغربية، والواقع الراهن اليوم في حاجة ملحة لإعادة لفت الانتباه للقضايا التي كانت تشغل بالهم باعتبارهم ينتمون إلى نسيج ثقافي وإلى هوية ثقافية بالغة الأهمية ولا يمكن إغفالها ولا القفز عليها.
ومن هنا؛ فعنوان النبوغ المغربي ليس مجرد عبارة تدل على ما قدمه صاحبه من عبد الله كنون في هذا المؤلف، بل هو إحالة مباشرة على روح معنوية سارية في عمق الشخصية المغربية بكل ارتباطاتها الثقافية والفكرية والتاريخية والجغرافية وحتى القومية. بل هي نفسها تلك الروح السارية في الأبعاد المحركة لقضية التأريخ للآداب والعطاء الفكري العام.
ولعله من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن قضية التأريخ للآداب في الحضارة الإسلامية هي مثار جدل كبير بين من يرى بأنها حديثة وتعود إلى بدايات عصر النهضة العربية الحديثة، وبين من يعود بها إلى أبعد من ذلك إذ يعتبر بعض التصانيف كشعر والشعراء لابن قتيبة وطبقات فحول الشعراء لابن سلام الجمحي صورة من صور التأريخ للأدب العربي، وربما يثار في هذا الإطار قضية المعلقات السبع التي تم تداولها على الراجح بالمشافهة حتى جمعها الزوزني، لكنها تظل مع ذلك نوعا من التأريخ لنزعة ثقافية أساسها لغوي، فإذا كانت الرواية وما تم نقله من ثقافة القدماء وخاصة الشعر أهم سلوك منهجي خلد الثقافة العربية قبل نزول الوحي، وظهور الإسلام، فإن هذا السلوك يمكن اعتباره نوعا من التأريخ لأدب مرحلة عرفت ثقافيا بالجاهلية، وعرف شعرها على سبيل المثال بالشعر الجاهلي.29 ويذهب أحمد بوحسن إلى اعتبار أن العرب عموما هي الأمم التي ألفت في التاريخ الأدبي ووضعت فيه مصنفات كثيرة. « ويكفي استعراض المكتبة العربية أو النظر إلى كتب الفهارس، مثل كتاب “الفهرست” لابن النديم (297ه/378ه) مثلا ، لتأكد من مدى سعة هذا الأليف عند العرب»30
التأريخ للأدبي مرهون دائما بخلفية فلسفية تحركه وتوجهه، لا يمكن لتاريخ الآداب أن يكون غفلا من الفلسفة تحركه وتوجهه، وفي هذه الخلفيات يكمن المنهج والأسلوب المتحكم في عرض المادة الأدبية، وهذا يجرنا إلى التساؤل حول الغاية التي حركت عبد كنون في التعامل مع تاريخ الأدب العربي من منطلق مغربي، إذ الراجح أن البعد القومي لم يكن غائبا عن توجهه، لكن بالتركيز على ما أضافته الشخصية المغربية لهذا المجال.
وإذا كانت المرامي التي حركت عبد الله كنون مرام واضحة تستجيب لسياق تاريخي وثقافي معين، فإن سؤالا في غاية الأهمية يفرض نفسه وهو سؤال هل السياق الراهن – وهو سياق نقول دائما بأنه سياق مركب ومتعدد – في حاجة لإثارة قضية التأريخ للأدب العربي عموما والتأريخ للأدب المغربي على وجه التحديد في ظل التحولات والأزمات التي تجتم بكلكلها على الذات في راهنيتها.
لقد حتمت السياقات التي أحاطت بعبد الله كنون وهو الأديب والعالم العلامة والفقيه أن يهتم بالأدب العربي، وحتمت عليه حصر أغلب نشاطه الفكري في الإجابة عن الأسئلة المتأزمة، التي كانت مطروحة وتفرض نفسها على الذات في تلك الظروف الخاصة.
الدفاع عن الخصوصية لم يكن بالأمر السهل في ظل بحث الذات العربية المسلمة عن الانبعاث والنهضة والانطلاق نحو النهضة والتجدد، وربما كان التأريخ للأدب أحد أهم تلك المداخل التي تم من خلالها التفاعل مع قضية التأريخ للأدب. لقد ألف عبد الله كنون كتاب النبوغ وهو يعي حقيقة السياقات المحيطة ويعي في الوقت نفسه أن أقوى طريق لمواجهة السياق المتأزم هو الرجوع إلى المتوفر من المادية الأدبية التي تؤكد حقيقة هذه الهوية.
والهوية التي كان عبد الله كنون يدافع عنها ويعمل على بنائها وعلى بعثها تنقسم إلى قسمين، هوية عامة، وهوية خاصة؛
– فأما الهوية العامة فهي تلك الهوية الممتدة في التاريخ وفي الجغرافيا، فامتدادها التاريخي متصل بالتحول الكبير الذي أحدثه نزول القرآن الكريم بكل ما ارتبط به من ثروة أخلاقية، ما لبثت أن امتدت امتدادها الجغرافي شرقا وغربا، لتؤسس هويات خاصة هي رصيد من التفاعل الإيجابي بين ما انتشر من الهوية العامة وانتقل، بل وجرى تبليغه، وبين ما كان موجودا من ثقافات وقيم وتقاليد وأفكار في تلك المساحات الجغرافية التي بلغتها الهوية العامة، محدثة أعمق تجسيد لقضية التثاقف والتفاعل الإيجابي في العلاقات الإنسانية.
– وأما الهوية الخاصة فقد تأسست في ظل الهوية العامة، فالهويات الخاصة أو الهوية الشخصية التي تعبر عن الهوية المحلية ذات الارتباطات الكثير وأهم ارتباط فيها هو اتصالها بالهوية العامة. لقد كانت الهوية العامة عامل إحياء للثقافات السائدة وخاصة الثقافات الإيجابية، بل أعادة إنتاجها بما يتناسب والهوية العامة،
لقد أمدت الهوية العامة الهويات الخاصة بأسباب الاستمرار والانبعاث من جديد، في ظل الهوية العامة التي لم تجثت ما كان سائدا من ثقافات بل عملت على إعادة إنتاجها من جديد وكانت النتائج مبهرة فقد تحركت ملكة النبوغ بصورة متنوعة وكثيرة كان الأدب أحد مظاهرها، والغالب أن عبد الله كنون كان واعيا بهذه الحقيقة، وكان حريصا على إكمال أجزاء لوحة تاريخ الآداب العربية فألف النبوغ بهذا الوعي، وذلك من خلال الالتفات إلى تلك المادة الأدبية المتوفرة على كال حال في المكتبات الخاصة وربما في الذاكرة، وهنا يكمن جوهر نجاح عبد الله كنون في عمله التأريخي، بل في عمله الإصلاحي، فخلف دافع التأريخ يكمن دافع آخر هو دافع الانبعاث والنهضة الذي عم أغلب عالم المسلمين. وكأن لسان حاله يقول إذا لم يكتب تاريخ الهوية الخاصة وهي هنا النبوغ بنبوغ من عمق الهوية الخاصة فقد يكتبه الغير الذي قد تخاصمه الغاية الحسنة وتحركه الطوية الفاسدة من أجل حجب الحق والحقيقة، وبأيديولوجية/أيديولوجيات تريد طمس جوهر الهوية العامة والخاصة.
الفكر والثقافة ويهدف في الوقت نفسه إلى تأكيد ارتباط الهوية الخاصة بالهوية العامة، يقول د. محمد بنشريفة: «وحينما ننظر اليوم في مجموع أعماله الكتابية نجد أنها تمثل تحقيقا لمشروع ضخم أملته ظرفية خاصة، فأما المشروع فهو إحياء تراث المغرب الأدبي والعلمي. وأما الظرفية فهي طهور الحركة الوطنية الحديثة، وما واكبها من اعتزاز بالماضي واعتماد عليه في رفع معنويات المواطنين ودفع هجمات المستعمرين»31
وكتاب النبوغ المغربي والمتنعم في تراث عبد الله كنون، وفيما خلفه من تآليف يلمس بقوة أن الرجل كان صاحب مشروع يهدف تحقيق انبعاث حضاري في مجال كتاب يحتوي مادة تاريخية كما يقول محمد حجي إلا أنه كتب بلغة أدبية، وهذه الكتابة الادبية نابعة في الحقيقة من الحس الأدبي في شخصية عبد الله كنون، وهو ما يؤكد بأن الروح التي كان يصدر عنها علامتنا الجليل هي روح واحدة صادرة من مشكاة الهوية الثقافية العامة.32
والذي يؤكد بأنه كان واعيا بقضية ضرورة إبراز النبوغ المغربي وإبراز الإبداع المغربي، هو ما يصرح هو نفسه به في تقديمه لبعض أعماله من ذلك على سبيل التمثيل ما سجله في تقديمه في ديباجة شرحه لمقصورة المكودي، (أعود لهذه الديباجة)
مقومات التوحيد توحيد الأمة ليس من الضرورة أن يكون سياسية، ولكن عناصر التوحيد يمكن أن تكون معنوية، ويمكن أن يكون حديث عن ذلك ضمنيا، وقد عبر عن ذلك بأكثر من عبارة توحيد الرؤية وتوحيد القبلة، يعني ممارسة ترسيخ سلوك التوحيد دون الحديث عن التوحيد، والراجح أن الحديث عن تاريخ الآداب العربية رغم البعد الذي ألف حوله في الكثير من الأوقات هو نوع من هذا التوحيد الضمني توحيد الرؤية والبحث عن المقومات المشتركة بين مختلف الكيانات الثقافية والحضارية المنضوية تحت ظل الإطار العام للحضارة الإسلامية. والراجح كذلك أن هذه الرؤية التي كان عبد الله كنون يصدر عنها وينطلق منها، في التأريخ للنبوغ المغربي. وبذلك فالمتأمل يكتشف بعدا آخر من أبعاد البحث عن النهضة والانبعاث، وعن بعد آخر من أبعاد الإصلاح.
وعبد الله كنون من هذه الزاوية كان يعي هذا البعد ويعمل من خلال الكتابة في الأدب وتاريخه على إرسائه وترسيخه. وهذه ملاحظة وقف عليها إسحاق موسى الحسيني الذي قدم لكتاب عبد الله كنون “أحاديث عن الأدب المغربي الحديث“.
من العناصر التي تبرز البعد التأريخي الذي وجه عبد الله كنون في وضعه لهذا الكتاب هو تصريحه الواضح بأن الحركة الأدبية في المغرب الأقصى ربما تكون بدأت قبل قبيل بداية الحرب العالمية الأولى متأخرة عن مثيلتها في المشرق العربي التي انطلقت منذ منتصف القرن التاسع عشر .
نجد لدى عبد الله كنون وعيا عميقا بأن سياسة المحاذرة التي اتخذها المغرب تجاه جيرانه في الشمال والذين أتيح لهم بسط نفوذهم على جيرانه في الشرق وخاصة الجزائر التي وقعت تحت سيطرة النفوذ الجزائري منذ 1830م وتونس بعد سنة 1881، وهو عمل يرى فيه عبد الله كنون سببا من أسباب أخرى جعلت المغرب يتعامل بكثير من الحذر مع جيرانه في الشمال وخاصة فرنسا وإسبانيا فكان هذا عامل حاسما في تأخر وقوع نهضة أدبية وكذلك فكرية، والمغرب في نظر عبد الله كنون كان له من الخصوصيات والمقومات الشيء الكثير يؤهله لأن يتفاعل إيجابا مع التحولات الكبرى التي كانت أوربا قد قطعت فيها مراحل كثيرة ومهمة جدا.
ووفي هذا الإطار؛ يأتي التأريخ لأدب المغربي مدخلا فلسفيا يؤكد الهوية الوطنية ويؤكد في الوقت نفسه عراقة النبوغ المغربي، يقول: «وهكذا نجد المغرب في هذا التاريخ منعزلا عن العالم القديم والجديد، وعن أصدقائه في الشرف وجيرانه في الغرب، ولو أنه بقي في عزلته من غير أن تبدأ الدسائس الاستعمارية تنصب حبالها للإيقاع به، لكان دبر أمره في الاتصال بإخوانه العرب والمسلمين، لتبادل الرأي ووضع خطة العمل للنهوض واللحاق بركب الحضارة. أو لكان نظم علاقاته بجيرانه الغربيين على أساس الأخذ والعطاء والمصلحة العامة. فلم يكن الشعب المغربي ولا حكومته في يوم من الأيام، على غير رغبة في العمل بإخلاص مع العاملين لرفع مستوى الحياة الإنسانية. وحمل مشعل المعرفة، ولكن تدخل الاستعمار الغربي في شؤونه الخاصة وتحرشه به في غير ما موقف، لم يفتحا أمامه سبيل المفاهمة مع هذا الغرب الماكر، ولا أتاح له فرصة التعاون مع الشرق الناهض على ما فيه خير الجميع»33
يؤكد هذا التصور أن الوعي بالخصوصية المغربية وبقدرة المغرب على الأخذ بأسباب النهضة التي كان الشرق قد بدأ يأخذ بأسبابها لم تكن غائبة عن وعي المغاربة ولكن الاستعمار لم يدخر جهدا في سبيل تسهيل فرص هذا النهوض وحال دون وقوعها بشتى أو حدوثها بكل السبل وبشتى الوسائل السياسية والكدية التي أتيحت له، وربما يكشف هذا عن حقيقة مهمة وهي أن هذا الاستعمار كان يعي جيدا بأن أسباب تمكن المغاربة من اللحاق بركب الحضارة التي ابتسمت للغرب في وقت كان الشرق في غفلة من ذلك لم تكن منعدمة، بل كانت موجودة ومتوفرة، ولذلك لم يكن أمامه سوى العمل على تأخير ذلك وإلهاء المغاربة عن توجيه قبلتهم في هذا الاتجاه، وما حرص عبد الله كنون على الاشتغال بقضية التأريخ للنبوغ المغربي سوى توجه ذكي شخصه عبد الله كنون للفت الانتباه إلى حقيقة الشخصية المغربية، وتأكيدا لتميزها ونبوغها. وإذا كان كتاب النبوغ المغربي يؤرخ للجذور التاريخية أو على الأقل بعضها لهذه الشخصية فإن كتاب أحاديث عن الأدب المغربي الحديث، يرسخ هذا الاقتناع ويؤكده في الوقت نفسه.
[في خضم حديثه عن دخول الطباعة إلى المغرب مع السيد الطيب الرودانيي قاضي تارودانت، الذي اقتنى مطبعة حجرية من مصر وهو في طريق الحج، فجلبها مع بعض مع يتقن تدويرها، ثم أهداها للسلطان محمد الرابع الذي عينه مشرفا عليها، فأخذ يطبع بها الكتب المهمة وخاصة الكتب الدراسية مما يستعمل في القرويين، كما يقول عبد الله كنون، ولعل من أهم ما يدخل في هذا الصدد هو ظهور الصحافة ومن ذلك ظهور جريدة عربية تحمل اسم المغرب وكان ذلك في طنجة، وكان ذلك سنة 1889……. أحاديث عن الأدب المغربي الحديث، ص 22-23 وما بعدها مهم جدا]
في الكتاب السالف الذكر ‘أحاديث عن الأدب المغربي الحديث‘ يحرص عبد الله كنون على إبراز طابع الشخصية المغربية من الاحاح على تلك المقومات التي جعلت المغرب يبدو خاصا في توجهه وخاصا في تعامله مع أسباب النهضة والتطور، فقد بدا لعبد الله كنون ان نضال المغاربة من أجل الأخذ بأسباب النهضة والتطور كان مختلفا، لقد اتجه الاستعمار الفرنسي بكل قوة وبكل للحيلولة دون ربط الصلة بين المغرب والشرق، وربما تكون المشاكل الداخلية التي تعرض إليها المغرب بعد خسارة معركة إيسلي والتي كانت في الأصل هبة المغاربة لنجدة أشقائهم في الجزائر. وغير خاف أن خسارة المغاربة لهذه الحرب كشف أن هناك المغرب قد فقد هيبته وأن فرنسا التي حزمته بقوتها العسكرية قد غلبته كذلك بتفوقها الثقافي وخاصة في الأخذ بناصية العلوم الكونية، ومن هنا فعلى الرغم من الهزيمة العسكرية ونتائجها السلبية المتمثلة على وجه الخصوص في فتح الباب على مصراعيه أما الأطماع الاستعمارية في فرض هيمنتها على استقلال المغرب، لكن هذه النتائج السلبية كانت تخفي في عمقها أبعادا إيجابية لعل أهمها هو اقتناع الشخصية المعنوية المغربية بأن الوقت قد آذن بالقيام بإصلاحات والمطالبة بذلك، وقد يبدو أن هذا الأمر كان وعيا خامر المثقفين والمتنورين، لكنه في الحقيقة كان مطلبا لسلطة الحكم. ومن هنا تأتي الدعوة إلى المطالبة بدستور . (أرجع لكتاب أحاديث عن الأدب المغربي الحديث). تحت هذه الأحداث الجسام يكمن سر عزلة المغرب، وهي عزلة جعلته يحرص على التدثر بالماضي حفاظا على هويته وحفاظا على شخصيته، لكن دون ان يعني ذلك بأن الشخصية المغربية كانت تعي ضرورة أن تأخذ بأسباب التطور وأسباب النهضة لكن دون المساس بشخصيتها ودون أن تفقد مع ذلك خصوصيتها وهويتها. يقول عبد الله كنون: «ولئن كان العصر قد خطا خطوات عظيمة حتى في البلاد العربية بالنظر إلى تقدم العلوم واتساع دائرتها فإن المغرب الذي كان في عزلة، لم يستشعر شيئا من ذلك في نشاطه الفكري إطلاقا، وبذلك قلنا أن نتاج هذا العهد يمثله أصدق تمثيل، فالعبرة بما وقع لا بما كان ينبغي أن يقع»34
وبعبارة أخرى؛ إن المغرب قد شق طريقه نحو النهوض والازدهار بنفسه وإن كانت سلطات الحماية تقف في وجهه حجر عثرة، يقول عبد الله كنون لقد شق المغرب «طريقه بنفسه إلى النمو والزدهار وإن كانت الحماية تقف في وجهه حجر عثرة، وذلك لما أوتي من ذكاء خارق، وطموح نادر، يحفزانه إلى مواصلة الكفاح من أجل إثبات وجوده وإبراز شخصيته» 35.
وعلى العموم فإن أهم ملاحظة يمكن تسجيلها بخصوص البعد الثقافي المغربي عند عبد الله كنون هو إيمانه بالشخصية المغربية وهو بقدر صدوره عنها أو منها بقدر حرصه على إبرازها إن بصورة مباشر أو بصورة غير مباشرة. ولا مجانبة للصواب حين القول إن خطاب عبد كنون خطاب يؤكد وجود روح هذه الشخصية وهذا يلمس في تحليله الضمني وفي خطابه النقدي، ويظهر في الوقت نفسه بصورة مباشرة في الحديث النبوغ المغربي وفي التأريخ لأدب المغربي.
وعلينا الاعتراف بأن معرفة الذات وإدراك الخصوصية ولمس الشخصية الخاصة لا يتأتى إلا عند احتدام الأزمات ولا تدرك كذلك إلا في مقابل الآخر. وقد وجب التذكير في هذا الإطار بأن الشخصية المغربية حينما طرحت عليها قضية الشخصية المغربية كانت تستحضر الشرق الذي يكمن فيه جزء من شخصيتها بالمغربي الأقصى حالة ظروف كثيرة بينه وبين الشرق فلم يسمح ذلك بتمازج كامل وكلي.
يؤمن عبد الله كنون بأن الشخصية المغربية في ظل الحضارة الإسلامية قد تعززت بتأسيس الدولة الإدريسية في المغربية بعد الانفصال عن الدولة العباسية في المشرق، لقد كان لهذا التأسيس كما يرى الأثر البارز في بناء وجه جديد ذي خصوصية مميزة للحضارة الإسلامية، وهو الشيء نفسه الذي ستعرفه الأندلس بتأسيس الدولة الأموية بعد ست سنوات من سقوطها في المشرق العربي، يقول: «كان قيام الدولة الإدرسية سنة 182ه إيذانا بانفصال المغرب عن الخلافة العباسية، وميلاد شعب متميز في المجموعة الكبرى من الشعوب التي تكون الدولة الإسلامية. ولم يكن المغرب أول من انفصل عن الخلافة العباسية، فقد سبقته الأندلس حين استولى عليها عبد الرحمن الداخل، وأسس بها الدولة الأموية سنة 138ه أي بعد ست سنوات فقط من سقوط الخلافة الأموية بالمشرق(….) من المؤكد أنه لولا استقلال الأندلس لما بلغت ما بلغته من التقدم والازدهار، والمغرب بالأحرى، فقد مر عليه منذ الفتح الإسلامي سنة 26ه أكثر من قرن، وهو تحت حكم الولاة الذين يأتون من المشرق، من غير أن يتغير من أمره شيء، بل بالعكس أصبح ميدانا للشعوذة وظهور المتنبئين، وتقاطرت عليه الخوارج يجربون حظوظهم في التمرد والاستلاء على السلطة، وذلك لبعده عن عاصمة الخلافة ومقر الحكومة المركية، ووقوعه في أقصى البلاد لا ينالها من عناية الدولة إلا القليل»36
لقد كان لقدوم المولى إدريس المغرب فارا من بطش العباسيين، الأثر البالغ في استقرار المغرب بعد القضاء على مختلف النزعات المخالفة للسنة، وطاردت الخوارج وأسست العاصمة الروحية للبلد وهي مدينة فاس التي استقبل الفارين من الظلم أندلسيين وقيروانيين، فانتشر مذهب الإمام مالك في العبادات والأحكام، لأن الإمام مالك كان من مناصري دعوة العلويين، ثم أسس جامع القرويين الذي سيصير منارة للعلم والمعرفة في غرب أفريقيا والعالم الإسلامي قاطبة. لتبرز بذلك شخصية الدولة المغربية باعتبارها دولة «لها كيانها ومقوماتها الروحية والمادية التي تحفظ وحدتها وتضمن بقاءها على الدوام والاستمرار» كما يرى عبد الله كنون،
ولا مجانبة للصواب حين القول التأريخ للنبوغ المغربي وللآداب في المغرب، وهو في الحقيقة تأريخ للشخصية المغربية وإلحاح عليها، وتأكيد لحقيقة قيام الشخصية المغربية، فالشخصية المغربية ليست وهما أو مجرد نزوة بل هي حقيقة قائمة يؤكدها التراكم الأدبي في هذا الإطار.
ويظهر إلحاح هذه القضية أي قضية الشخصية المغربية كثرة اشتغاله على التعريف بأعلام المغرب الذين نبغوا في الأدب وفي اللغة زيادة على العلوم الأخرى المرتبطة بالدين، ولعل من أهم ما كتبه في هذا الإطار والذي يمكن القول بأنه يسير على منوال كتاب النبوغ فيما يتصل بالأعلام المغاربة كالقاضي عياض هو كتاب أدب الفقهاء.
وإذا كان التأريخ للآداب المغربية يدخل عند الأستاذ عبد الله كنون في إطار إبراز الشخصية المغربية، ويدخل في إطار تقديم الدليل على الخصوصية المغربية من تتبع تطور هذه الآدب، إذا كان كل هذا وغيره فإن هذا التأريخ يخفي تطلعا خاص منه إلى الإصلاح إصلاح أحوال المغرب إن بلفت الانتباه إلى ما تضمنه هذا الأدب من دعوات تنم عن البحث عن النهضة وعن الاصلاح، وتنم في الوقت نفسه عما كان يتطلع إليه هؤلاء من رغبة في أن يسترجع المغرب شهوده الحضاري.
وبعبارة أخرى إن قضية التأريخ للأدب المغربي عند عبد الله كنون تكتسي طابع الدعوة الضمنية للإصلاح ولذلك فإن المادة العلمية والأدبية التي أوردها في كتاب النبوغ وفي الكتب الأخرى ككتاب “أحاديث عن الأدب المغربي الحديث“، بل إن مشروع عبد الله كنون – إن جاز لنا الحديث عن مشروع ثقافي إصلاحي عند كنون – هو مشروع كان يتطلع إلى الاسهام في مشروع النهضة العربية، الذي انطلق في المشرق مبكرا مقارنة بالمغرب، إنه اسهام بروح مغربية وبطابع الشخصية المغربية.
والغالب أن كتاب النبوغ المغربي الذي نشر في ثلاثينيات القرن العشرين قد استقبل في المشرق قيمة معنوية تصل الرق العربي بالغرب المغربي، وهذا هو ما جعل أمير البيان شكيب أرسلان يستقبله، استقبالا حسنا منقطع النظير.
وكذلك فإن اشتغال عبد الله كنون بهذه القضية هو اشتغال بتلك الحيوية التي تميز بها المجتمع الذي أسهمت في عقليات فذة طبعت النبوغ المغربي، وعلى هذا الأساس فإن النزبوغ هو نبوغ المجتمع كله والمعطى الأدبي والشخصيات التي أنجزته دليل قوة تحسب لهذا الحيز الجغرافي من عالم المسلمين
1 في أطروحة لمحمد عزيز الحبابي يؤكد بأن المحيط الطبيعي والجغرافيا والجيولوجيا تحرض الإنسان على التوق الدائم نحو التقدم. (ينظر مقالته: وحدة الثقافة المغربية، في سفينة الوحدة المغربية؟؟؟؟؟؟؟ يجب التوثيق
2 يتحدث محمد عزيز الحبابي عن الشخصانية الإسلامية ويحدد لها أبعادها. وعليه؛ فلا يوجد ما يمنع الحديث عن الشخصانية المغربية، التي هي جزء من الشخصانية الإسلامية التي يتحدث عنها محمد عزيز الحبابي، بل يمكن القول إن الشخصانية المغربية تجيب عن بعض تلك الأسئلة، التي ظل محمد عزيز الحبابي يثيرها في المشروع الفكري والفلسفي “الشخصانية الإسلامية”. ينظر كتاب “الشخصانية الإسلامية” لمحمد عزيز الحبابي، خاصة الفصل الثاني من القسم الثالث: ص ص 128 – 140. (دار المعارف، مكتبة دراسات إسلامية، القاهرة، الطبعة الثانية 1983)
3 راهنية الشخصانية الإسلامية، ندوة فكرية حول محمد عزيز الحبابي، مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية، الرباط 28 فبراير 2018: ص 7 – 8.اول لمجمع اللغة العربية ال
4 مساهمة المغرب في بناء الحضارة الإسلامية، في الموسم الثقافي الأول، لمجمع العربية الأردني، منشورات المجمع سنة 1983، الطبعة الأولى عمان الأردن، 1403هـ – 1983: ص ص 39 – 65: ص 41.
5 نفسه: ص 42.
6 نفسه: 42-43
7 مساهمة المغرب في بناء الحضارة الإسلامية، المصدر السالف نفسه: ص 52.
8 نفسه: ص 43.
9 نفسه: ص 44
10 نفسه: ص 46.
11 عثمان أشقرا، “النبوغ المغربي في منظور سوسيولوجي، مجلة دار النيابة، عدد 25/ شتاء 1990، ص ص 9 – 10: ص 10
12 عبد الله كنون أديبا ناقدا مؤرخا ومحققا للمخطوطات وناشرا، 1409-1989، مجلة دار النيابة، العدد 25، شتاء 1990، ص ص 2-3: ص 2
13 ذكريات مشاهير المغرب، في العلم والأدب والسياسة، الجزء الأول في العلم، مركز التراث الثقافي في المغرب، دار ابن حزم، الطبعة الأولى 1430هـ ـ 2012م، البيضاء/بيروت: ص 12ن يقول: «والأستاذ كنون علم ثقة في كتاباته ورواياته وأخباره، لذلك وبالرغم من علامات الاستفهام التي يمكن أن يطرحها القارء حول نقولاته وأخباره، فإن تحري الأسباب التي جعلت الأستاذ كنون يقبل على هذا النوع من التأليف بعناية وشغف كفيل بطرح كل استفهام أو تشكك في أي قول» ذكريات مشاهير المغرب، التقديم: ص لام.
14 لقد تنبه د. محمد بن عزوز لقضية الصدق هذه، وأكد على أن الرجل ثقة
15 ولد عبد الله كنون سنة 1909، وهي قريبة من السنة التي وعبد الحق طريس، وهي ولد فيها علال الفاسي سنة 1910
16 Abdallah Guenoun LE PATRIOTE , Revue DAR AL-NIABA, N°:25 HIVER 1990
17 نفسه: ص
18 من كتاب واحة الفكر: ص4
19 لمحات الأمل ؟؟؟؟؟
20 ينظر في هذا الصدد، مقالته: “العامية والمعجمية” في خل وبقل، مجموعة مقالات أدبية ونقدية، ص – ص: 59 – 87، المطبعة المهدية، تطوان المغرب.
21 نفسه: ص 61 – 62.
22 نظرة في منجد الآداب والعلوم، الأستاذ عبد الله كنون، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، معهد البحوث والدراسات العربية 1972: ص 6 ـ 7
23 ينظر محمد بن عزوز، ذكريات مشاهير المغرب، (التقديم): ص و – ز.
24 وهذا التوصيف يصفه به أغلب إن لم نقل كل من عرف عبد الله كنوب، بل هو وصف لقب أطلقه المجتمع الثقافي العربي على هذا العلامة الكبير
25 الإسلام أهدى، دار الثقافة، ط2/ 1405ه – 1984م: ص 5 – 6
26 الدراسات الأدبية في المغرب، الأستاذ عبد الله كنون نموذجا؟؟؟؟؟؟؟؟: ص15
27 عن أحمد الشايب، ص 15، مجلة السلام العدد 1أكتوبر 1933، ص 40 ـ 41 (وأنا أشتغل على هذا الموضوع أتيح لي الاطلاع على مجلة السلام التي كان يصدرها الأديب العلامة محمد داود من تطوان بين سنتي 1933 و1934، وقد ظهر من خلال تصفحها أنها تثير العديد من القضايا التي تدل على روح النهضة والانبعاث التي كانت تسكن روح القطر المغربي في بداية القرن الماضي، وهي حركة لا يمكن فصلها عن تلك الحركة القوية التي عمت الشرق، لكنها حركة تتميز رغم ذلك بالخصوصية المغربية)
28 الدراسات الأدبية في المغرب، الأستاذ عبد الله كنون، نموذجا: ص
29 ينزر في هذا الإطار، إشكالية تأريخ الأدب العربي، دراسة نقدية في فلسفة الأدب والتاريخ، عيسى بن سعيد بن عيسى الحوقاني، مركز دراسات الوحدة العربية ،الطبعة الأولى، بيروت شباط 2023: ص ص 19 – 38.
30 مفهوم تاريخ الأدب بين التصور العربي القديم والتصور الأوربي الحديث، في “انتقال النظريات والمفاهيم”، تنسيق محمد مفتاح وأحمد بوحسن، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة ندوات ومناظرات: رقم 76. ص ص 29 – 43: ص 29 – 30.
31 جهود سيدي عبد الله كنون في خدمة التراث، عبد الله كنون شخصه وفكره، مطبوعات الجمعية المغربية للتضامن الإسلامي، وزارة الشؤون الثقافية، دار المناهل للطباعة والنشر، الرباط 1994، ص ص: 59 – 66: ص 60
32 جهود سيدي عبد الله كنون في خدمة التراث، محمد حجي، الحس التاريخي عند عبد الله كنون، عبد الله كنون شخصه وفكره، ص ص 67 – 70: ص69.
33 أحاديث عن الأدب المغربي الحديث، الدار البيضاء، دار الثقافة، ط/الرابعة 1405هـ – 1984م: ص 18
34 نفسه: ص 26
35 نفسه : ص 43
36 عبد الله كنون، القاضي عياض بين العلم والأدب، منشورات سلسلة المكتبة الصغيرة، دار الرفاعي للنشر والطبع والتوزيع، الطبعة الأولى، فبراير 1983م/ جمادى الأولى 1403ه: ص5-6