Skip to main content

موقع محمد جكيب

المقدمة

إنَّ قارئَ الشعرِ الحديثِ، أو الشعرِ بصفةٍ عامةٍ، يجدُ نفسَهُ وهو يتجولُ بينَ مختلفِ التجاربِ الشعريةِ، مدعواً إلى تبيُّنِ تعريفٍ للشعرِ، وإلى استحضارِ إطارٍ نظريٍّ لهذا الجنس الأدبي العريق، يحاولُ من خلالِهِ مساءلة التجربةِ التي بينَ يديهِ.

قد نتبينُ تصوراتٍ للشعرِ من خلالِ التجاربِ الشعريةِ نفسِها، إمَّـا ممارسةً أو من خلالِ توطئةٍ نقديةٍ أو تقديمٍ نظريٍّ يُجلِي الشاعرُ من خلالِهِ رؤيتَهُ للشعرِ وتعريفَهُ لهُ، بل إنَّ تعريفَ التجربةِ والتقديمَ لها، يُمثِّلُ في كثيرٍ من الأوقاتِ رؤيةً نقديةً، وقد يشكلُ التعريفُ الواحدُ في حدِّ ذاتِهِ رؤيةً خاصةً لا تشكلُ موقفاً نقدياً يتقاسمُهُ اتجاهٌ نقديٌّ بكاملِهِ، لكنَّ المؤكدَ هو أنَّ التعريفَ نابعٌ من التجربةِ الشعريةِ نفسِها، ويعكسُ في العمقِ منطلقاتِ الشاعرِ الفكريةِ والعقديةِ.

1. تصنيف الاتجاهات الشعرية في المغرب المعاصر

وفي هذا الإطارِ فإنَّ تصورَ التجربةِ الشعريةِ في المغربِ ينقسمُ إلى قسمينِ كبيرينِ:

الاتجاه الأول (الذاتي الغنائي): قسمٌ يمارسُ الشعرَ بوصفِهِ تجربةً ذاتيةً، تنطلقُ من الذاتِ لتصلَ إلى المتلقي، أي إنَّ الشاعرَ ينقلُ من خلالِ تلكَ التجربةِ، تفاعلَهُ الذاتيَّ معَ كلِّ ما يوجدُ خارجَ الذاتِ أو معَ الموضوعِ. وهنا ينبغي التنبيهُ إلى أنَّ الذاتَ نفسَها قد تكونُ موضوعاً خارجياً؛ وإن كانتِ التجربةُ الشعريةُ تجربةً ذاتيةً، فالشاعرُ يتفاعلُ معَ ذاتِهِ باعتبارِها موضوعاً خارجياً لا يختلفُ عنِ المواضيعِ الأخرى بمختلفِ مكوناتِها ومستوياتِها، على أنَّ الخيطَ الناظمَ لهذهِ التجربةِ الشعريةِ هو “الذاتيةُ” و”الغنائيةُ”.

الاتجاه الثاني (الهلامي) : أما القسمُ الثاني فينظُرُ إلى الشعرِ بوصفِهِ تجربةً هلاميةً ليسَ لها شكلٌ محددٌ، ولا موضوعٌ معينٌ، ولا صورةٌ؛ فهيَ تجربةٌ بدأتْ ولم تبدأْ، ولا تنتهي، بل هيَ تجربةٌ واحدةٌ مستمرةٌ، وقد تُعتبرُ نصّاً واحداً ممتداً من عددٍ غيرِ متناهٍ منَ النصوصِ الممتدةِ في الزمانِ والمكانِ، على أنَّ هذهِ الذواتِ المنتجةِ للتجربةِ الشعريةِ ليسَ المفروضُ فيها أن تكونَ مصدراً للشعرِ من خلالِ اللغةِ، بالنظرِ إلى تعددِ وسائلِ التعبيرِ وطرقِهِ.

وانطلاقاً من هذا الموقفِ؛ يُعتبرُ الامتزاجُ بالموضوعِ، وما يثيرُهُ الواقعُ، من غيرِ قيمةٍ، إلا من جهةِ كونِهِ جزءاً منَ الواقعِ الذي هو مجردَ عائقٍ يمنعُ التجربةَ الشعريةَ الحقيقيةَ.

وبعبارةٍ أخرى؛ إنَّ الشعرَ عندَ هؤلاءِ عالمٌ خاصٌّ مفارقٌ أو جزيرةٌ بعيدةٌ يستحيلُ اتصالُها بأرضِ الواقعِ. وقد يحاولُ أصحابُ هذا التيارِ إيهامَ المتلقي بأنَّ تجربتَهم تجربةٌ إنسانيةٌ عامةٌ لا تتوقفُ عندَ الحدودِ الصارمةِ، التي تضعُها القيمُ والأفكارُ والتصوراتُ؛ لأنَّ من واجبِ الشعرِ في هذا الإطارِ هو التواجد خارجَ ذلكَ كلهِ إذ لا شأنَ لهُ بها ولا شأنَ لها بهِ. فالشعرُ بهذا المنظورِ يتجاوزُ الحدودَ، كل الحدود ويكسرها، ويتجاوزُ القيمَ، ويتجاوزُ الأجناسَ ويتجاوزُ السياسةَ والحضارةَ والفكرَ والفلسفة وكلَّ شيءٍ، ويتجاوزُ حتى الشعرَ في مستواهُ التجنيسيِّ.

2. جدلية القيم والالتزام: من القيد إلى المسؤولية

في ضوء ما تقدَّمَ يثار السؤال الآتي؛ كيفَ يرتبطُ الشعرُ بالقيمِ، وأيُّ الاتجاهين أقربُ إلى ربطِ وشائج قوية بالقيمِ؟ وهلْ عندما نتحدثُ عنِ القيمِ في الشعرِ نتحدثُ عنها في بعدِها المباشرِ الذي قد تجسدُهُ المواقفُ التاريخيةُ والأحداثُ كما قد تجسدُهُ الأفكارُ، أم إنَّ القيمَ تحضرُ بصورةٍ فنيةٍ ومثاليةٍ ومجازية؟

لقد أُثِيرَ في هذا السياق قضيةُ الالتزامِ في الأدبِ، وما تزال القضيةُ مدارَ نقاشٍ نقديٍّ لا ينتهي، ليبرزَ السؤالُ الآتي: إلى أيِّ حدٍّ يمكنُ اعتبارُ القيمِ في الأدبِ التزاماً؟ وهل يمكنُ للأدبِ التعبيرُ عنِ القيمِ والانطلاقُ منها دونَ أن يكونَ التزاماً؟

يرى حسن الأمرانيُّ؛ أنَّ الشعرَ الحقيقيَّ شعرٌ غيرُ ملتزمٍ، وأنَّ الالتزامَ قد يوضعُ على الشعرِ ويحدُّ حركتَهُ، ومن ثَمَّ فالشعرُ الحقيقيُّ شعرٌ غيرُ ملتزمٍ، بل هوَ شعرٌ رساليٍّ، والفرقُ بينهما واسعٌ كما يقول: «يومَ تسلّطَ على ألسنةِ الشعراءِ الرقابةُ باسمِ الالتزامِ، ذابتْ كثيرٌ منَ الأصواتِ الرخوةِ، وانتفتْ كما ينفي الكيرُ الغثاءَ… كيفما كانَ، ينتهي الشعرُ “الملتزمُ” الذي تُرسمُ لهُ الطريقُ، ويبقى الشعرُ المسؤولُ الذي يرسمُ الطريقَ».i

ويشاطرُهُ محمد الرباوي هذا التصورَ، لكن بصورةٍ أكثرَ وضوحاً، بالرغمِ من أنَّهُ في وقتٍ من الأوقاتِ كانَ يقبلُ الالتزامَ في الشعرِ، وكانَ يرى أنَّ الالتزامَ لا يفقدُ الشعرَ جوهرَهُ، شريطةَ ألا يكونَ هذا الالتزامُ قيداً حديدياً وموجهاً صارماً يحدُّ من حركةِ هذا الشعرِ، إذ يقول: «يرفضُ بعضُ النقادِ “الحداثيينَ” الالتزامَ في الشعرِ، إذ إنَّ أيَّ التزامٍ —في نظرِهم— يعني القضاءَ على جوهرِ الشعرِ، وهذا الرأيُ لهُ جانبٌ منَ الصوابِ؛ لأنَّهُ يُبنى على استقراءِ النصوصِ الملتزمةِ واتضحَ فعلاً أنَّ هذهِ النصوصِ، إمَّا أنَّها عبارةٌ عن تأملاتٍ فلسفيةٍ وإمَّا أنَّها عبارةٌ عن بلاغاتٍ سياسيةٍ. أما نحنُ فنرى أنَّ الشعرَ قادرٌ على أن يدخلَ دائرةَ الالتزامِ ويبقى محافظاً على جوهرِهِ، وهذا لا يتمُّ إلا إذا انطلقَ من ذاتِ الشاعرِ».ii

لكنَّهُ ما لبثَ أن تخلى عن هذا الموقفِ، متبنياً تصوراً أكثرَ رحابةً، يُسقطُ الالتزامَ عن مجالِ الإبداعِ وينادي بمسؤوليةِ الأدبِ والأديبِ، انطلاقاً منَ الرؤيةِ التي يمثلُها؛ لأنَّ الأدبَ الحقيقيَّ في نظرِهِ هوَ الأدبُ المسؤولُ، يقولُ معبراً عن حقيقةِ الأدبِ الذي يدعو إليهِ: «نريدُ أدباً ينفتحُ على كلِّ الثقافاتِ، لكنَّهُ انفتاحٌ مشروطٌ، ويهتمُّ بما يجعلُ النصَّ أدباً، ومصطلحُ “الالتزامِ” معَ ما يحملُهُ من حمولةٍ فلسفيةٍ لا يحققُ ما نريدُ، لهذا نرى أن نستبدلَ بهِ مصطلحَ “المسؤوليةِ”. إنَّ الأدبَ الإسلاميَّ أدبٌ مسؤولٌ لا أدبٌ ملتزمٌ»iii.

يحفزُ هذا التصور على التساؤلِ؛ هل يستطيعُ الشعرُ نقلَ القيمِ الحضاريةِ، أوِ القيمِ بصفةٍ عامةٍ؟ وكيفَ ينقلُها؟ وهلِ الشعرُ شعرٌ بغيرِ قيمٍ؟ وما طبيعةُ العلاقةِ التي تربطُ الأدبَ بالأخلاقِ؟ أليسَ الشعرُ في حدِّ ذاتِهِ قيمةً إنسانيةً ساميةً اخترعتْهُ الطاقةُ الإبداعيةُ الإنسانيةُ، احتفاءً بقيمِها وتقديساً لها، بوصفِهِ جزءاً لا ينفصلُ عن كيانِ الإنسانِ، يلجأُ إليهِ من أجلِ التعبيرِ عن أحاسيسِهِ؟

3. ثنائية الرؤيةوالرؤيافي الإبداع الشعري

في هذا الإطارِ ميزتْ بعضُ التصوراتِ النقديةِ في الإبداعِ الشعريِّ خصوصاً بينَ “الرؤيا” و”الرؤيةِ”، أي ميزتْ بينَ كونِ الشعرِ تعبيراً فنياً عنِ الذاتِ وأحاسيسِها، وكونِهِ ناقلاً لتجربةِ الواقعِ. فأينَ يكمنُ الفرقُ بينهما؟ ارتبطَ توظيفُ مصطلحِ “رؤيا” بحركةِ الشعرِ الحديثِ للدلالةِ على تلكَ اللحظةِ أوِ اللحظاتِ الشعريةِ غيرِ الخاضعةِ لأيِّ منطقٍ سوى منطقِ الشعرِ نفسِهِ، فلا ضوابطَ تضبطُ حركتَهُ على غرارِ حركةِ الشعرِ الحديثِ في أوروبا معَ شارل بودلير (1821 1867) ورامبو (1831 1854). يقولُ خليل حاوي: «لا أغالي إذا قررتُ أنَّ الرؤيا الشعريةَ هيَ نوعٌ منَ المعرفةِ التي تتخطى نطاقَ العلمِ المحدودِ بالظاهرِ المحسوسِ، وتنافسُ الفلسفةَ وتتغلبُ عليها في مجالِ الكشفِ والبناءِ».iv

ويلحُّ جميل صليبة على أنَّ “الرؤيا” مختصةٌ بما يكونُ في النومِ، وبأنَّ “الرؤيةَ” مختصةٌ بما يكونُ في اليقظةِ.v وأما الدكتور الطريسي أعراب فحاولَ أن يجدَ خيطاً رابطاً بينَ “الرؤيا” و”الرؤيةِ” فرأى أنَّ «الفنانَ حينَ يعيشُ لحظةَ الإبداعِ، يكونُ قدِ انتقلَ من حالِ “الرؤيةِ” إلى حالِ “الرؤيا”، وفي الحالِ الأخيرةِ تقفُ النفسُ الإنسانيةُ على أبعادِها الحقيقيةِ والجوهريةِ. فالفرقُ بينَ النصِّ العاديِّ والنصِّ الإبداعيِّ كالفرقِ بينَ حالِ “الرؤيةِ” وحالِ “الرؤيا”». vi

فهلِ الشعرُ بهذا المفهومِ بريءٌ منَ “الرؤيةِ”؟ وهلْ باستطاعتِهِ التخلصُ منَ “الرؤيةِ” والموقفِ الفكريِّ والتصوريِّ؟ وما الشيءُ أوِ الأشياءُ التي تصنعُ شعريةَ الشعرِ؟ وهلِ الشعرُ لا يكونُ شعراً إلا عندما يكونُ هلامياً كما يرى أنصارُ القسمِ الثاني؟ وهل يفقدُ الشعرُ شعريتَهُ عندما يلتصقُ بالرؤيةِ؟

وعن مصطلحِ “الرؤيةِ الأدبيةِ” يعتبرُ إبراهيم فتحي “الرؤيةَ” هيَ الوعيَ الاجتماعيَّ، وتشملُ الرؤيةَ الأيديولوجيةَ وكذلكَ السيكولوجياتِ الاجتماعيةِ، ويرى أنَّ الخلطَ بينهما صارخٌ لأنَّ هناكَ «تلكَ النزعةَ التبسيطيةَ التي تسمي جوانبَ مختلفةً منَ الفنِّ والعالمِ الداخليِّ رؤيةً فكريةً وتشملُ السكولوجيةَ –كذا- الاجتماعيةَ كلَّ الأوجهِ الحسيةِ العقليةِ والإراديةِ والحدسيةِ في الإدراكِ الإنسانيِّ».vii

تأتي أهميةُ هذا التوضيحِ في ظل الحديث عنِ الوعيِ الاجتماعيِّ، الذي يحيل على الرؤيةَ الفكريةَ، على أساسِ أنَّ هذهِ الرؤيةَ تشكلُ مقوماً أساسياً من مقوماتِ العملِ الأدبيِّ، إلى جانبِ ما يتميزُ بهِ العملُ الأدبيُ من أحاسيسَ داخليةٍ شخصيةٍ وجماعيةٍ. وعليهِ فإنَّ الرؤيةَ الأدبيةَ تكتسي عندَ إبراهيمَ فتحي نوعاً منَ التركيبِ، وتشملُ الحدسَ والخيالَ والانفعالَ والدوافعَ اللاشعوريةَ والشعوريةَ، إذ ينهمكُ كيانُ الأديبِ بكاملِهِ في تشكيل ذلك كله.

ويشترطُ مفهومُ “الرؤيةِ” —فيما نرى— حضورَ الوعيِ والإدراكِ، على أساسِ كونِهِ القاعدةَ الأولى المحددةَ لشخصيةِ كلِّ تجربةٍ على حدةٍ، وعلى أساسِ أنَّ الرؤيةَ لا يمكنُها أخذُ موقعٍ داخلَ منظومةٍ ما أو حقلٍ معرفيٍّ ما إلا انطلاقاً منَ الشخصيةِ، التي تحددتْ مسبقاً عن طريقِ الوعيِ والإدراكِ. يُضافُ إلى ذلكَ أنَّ الموقفَ هوَ ما يميزُ الإنسانَ العاقلَ مصدرَ الرؤيةِ عن غيرِ العاقلِ، بل يحددُ شخصيةَ الفردِ في علاقتِهِ بنفسِهِ وفي علاقتِهِ بغيرِهِ، أفراداً وجماعاتٍ.

4. الفلسفة والأدب: انعكاس روح العصر

يجمع أغلبُ النقادِ على أنَّ الأدبَ عموما، والشعرَ على الخصوصِ ابنُ بيئتِهِ، تماماً كما الفلسفةُ؛ فالفلسفةُ مشروطةٌ بروحِ عصرِها، وهيَ انعكاسٌ للوضعيةِ الاجتماعيةِ القائمةِ؛ فجانبٌ مهمٌّ منها يخدمُ وضعيةً قائمةً، وجانبٌ آخرُ يمهدُ لقيامِ وضعيةٍ مناقضةٍ، وهذا ما عبرَ عنهُ هيجل (Hegel): بالقول «إنَّ إبدالَ مذهبٍ بآخرَ إنَّما يعكسُ التسلسلَ التاريخيَّ لمراحلِ التطورِ الاجتماعيِّ المختلفةِ. إنَّ كلَّ مذهبٍ حقيقةٌ حيويةٌ في العصرِ الذي يظهرُ فيهِ، حقيقةٌ يجبُ أن تدركَ في علاقتِها بالمرحلةِ التي بلغتها روحُ العالمِ، كما تتجلى في وقتٍ واحدٍ، في مجالاتِ السياسةِ، والدينِ، والأخلاقِ، والقانونِ، والأدبِ، والفلسفةِ».viii

ويبينُ محمد علي الرباوي هذا الارتباطَ بينَ الأدبِ وطبيعةِ الحياةِ الاجتماعيةِ بالإشارةِ إلى أنَّ الحياةَ الاجتماعيةَ تؤثرُ في كلِّ شعبٍ تأثيراً عميقاً لدرجةِ أنَّها تخلقُهُ تقريباً، فإذا تغيرتِ الأوضاعُ الاجتماعيةُ، فالأدبُ نفسُهُ يتغيرُ لأنَّهُ يتوقفُ على عقليةِ الجمهورِ وعلى عقليةِ الطبقاتِ الموجهةِ التي تفرضُ ذوقَها على الأدبِ. ومن هنا فهو يرى أنَّ الأديبَ في المجتمعِ الغربيِّ مقيدٌ أداؤهُ الجماليُّ، والذوقيُّ، والتقني، بما تفرضُهُ عليهِ المرحلةُ التي يعيشُها، وفي هذا خنقٌ لروحِ المغامرةِ فيهِ، حسب تصوره. وعلى هذا الأساس فالذوقُ الجماليُّ مرتبطٌ بالفلسفةِ السائدةِ في المجتمعِ؛ لأنَّ «الفكرَ الأدبيَّ وجهٌ من وجوهِ الفلسفةِ العامةِ السائدةِ في المجتمعِ. وهوَ جزءٌ منَ الروحِ العامِّ في المجتمعِ، وعنصرٌ من عناصرِ البناءِ الثقافيِّ في هذا المجتمعِ».

وبما أنَّ الفلسفةَ الغربيةَ متعددةٌ ومتحولةٌ، فإنَّ الفكرَ الأدبيَّ المرتبطَ بها هوَ أيضاً متعددٌ ومتحولٌ، ممَّا جعلَهُ يتشكلُ في مدارسَ أدبيةٍ متعددةٍ ومتحولةٍ؛ فكلُّ مدرسةٍ أدبيةٍ لا بدَّ لها أن تستندَ إلى نظريةٍ فلسفيةٍ بعينِها: تستندُ المدرسةُ الكلاسيكيةُ إلى نظريةِ المحاكاةِ، وتستندُ الرومانسيةُ إلى نظريةِ التعبيرِ، وتستندُ المدرسةُ الواقعيةُ إلى نظريةِ الانعكاسِ، وكلُّ نظريةٍ من هذهِ النظرياتِ إنَّما هيَ تعبيرٌ عن روحِ مرحلتِها.ix

هذا جوهر ما ذهبَ إليهِ عبد الملك مرتاض، لكن برؤيةٍ مختلفةٍ إذ يقول: «والحقُّ أنَّ الذي يكتبُ شيئاً منَ الإبداعِ ابتداءً من درجةٍ معينةٍ منَ الرقيِّ، وفي مستوىً ما منَ الجمالِ الفنيِّ، قد يشقُّ على أيِّ دارسٍ لهُ إبعادُ كتابتِهِ عن أشكالِ التفلسفِ؛ فلا كاتبَ، إذنْ، إلا وهوَ فيلسوفٌ بالمعنى الثقافيِّ العامِّ، ولكن ليسَ كلُّ فيلسوفٍ كاتباً. ولعلَّ الذي ظاهرٌ على ذلك أو بعضِهِ على الأقلِّ، أنَّ معظمَ المذاهبِ النقديةِ تنهضُ، في أصلِها، على خلفياتٍ فلسفيةٍ، على حينَ لا نكادُ نظفرُ بمذهبٍ نقديٍّ واحدٍ يقومُ على أصلِ نفسِهِ، وينطلقُ من صميمِ ذاتِهِ الأدبيةِ. وما ذلكَ إلا لأنَّ الأدبَ ليسَ معرفةً علميةً مؤسسةً تنهضُ على المنطقِ الصارمِ والبرهنةِ العلميةِ، ولكن معرفةٌ أدبيةٌ جماليةٌ أساسُها الخيالُ والإنشاءُ، قبلَ أيِّ شيءٍ آخرَ».x

وعلى العموما؛ فإنَّ المبدعَ هوَ أحدُ أهمِّ فئاتِ المجتمعِ الأكثرِ استهلاكاً للاعتقادِ، والأكثرِ إنتاجاً لهُ. ونخلصُ بعدَ الذي تقدَّمَ إلى الآتي:

– أولاً: إنَّ الشعرَ الحقيقيَّ، هوَ شعرُ “الرؤيةِ”، لكن لا بدَّ لهُ من “الرؤيا” حتى يبسطَ قيمَهُ في قوالبَ تحققُ شعريتَهُ، أو تحققُ فنيته وجماليته.

– ثانياً: إنَّ الشعرَ الحقيقيَّ، هوَ الشعرُ الذي يتخذُ لنفسِهِ خلفيةً فكريةً ينطلقُ منها ليصلَ إليها، فهو شعرٌ بها ومن خلالِها.

قد يعترضُ البعضُ فيقولُ: إنَّ انطلاقَ التجربةِ الشعريةِ منَ الرؤيةِ الفكريةِ تقييدٌ لحريةِ الشعرِ والشاعرِ، وهما معاً لا قيمةَ لهما بغيرِ حريةٍ. وبعبارةٍ أخرى إنَّ الإبداعَ بغيرِ حريةٍ إبداعٌ مبتورٌ، إذ كيفَ السبيلُ إلى تحقيقِ صدقِ التجربةِ؟

وجوابُ ذلكَ أنَّهُ لا بدَّ للشيءِ من حدودٍ تحدُّهُ، وإنَّ الحريةَ المطلقةَ قد تؤدي إلى العبثِ ولا معنَى؛ وإذا كانتْ هناكَ تياراتٌ أدبيةٌ تدعي أنَّ الإبداعَ على العمومِ والشعرَ على الخصوصِ لا يستقيمُ عودُهُ إلا بالحريةِ المطلقةِ، فإنَّ هذا المذهبَ ينحرفُ بالإبداعِ عن دورِهِ في بناءِ الإضافاتِ الحضاريةِ.

5. “الحبوسيط تواصلي وقيمة حضارية

انطلاقاً ممَّا تقدَّمَ؛ كيفَ يكونُ الشعرُ بؤرةً تجتمعُ فيها الرؤيةُ والرؤيا؟ وبعبارةٍ أخرى: كيفَ للشاعرِ الإبداعُ انطلاقاً ممَّا يؤمنُ بهِ من قيمٍ وأفكارٍ معَ المحافظةِ على روحِ الشعرِ؟

الشاعرُ الحقيقيُّ هوَ شاعرُ الفكرِ والروحِ معاً، وهوَ الذي يتمكنُ من مزجِ “الرؤيا” بـ”الرؤيةِ” في بوتقةٍ واحدةٍ، تضيفُ لذوقِ المتلقي إضافاتٍ جديدةً، وتعيدُ خلقَهُ من جديدٍ في حلةٍ تشرقُ بالحياةِ لتنعكسَ على واقعِهِ ضمنَ هالةٍ منَ الانشراحِ والتفاؤلِ والحبورِ.

وأما الشاعرُ الهائمُ على وجهِهِ فكهدير الصدىً ويمضي ويتوارى كأنْ لم يكنْ، كخضراءِ الدمنِ لا خيرَ فيها.

ومنَ التيماتِ الشعريةِ، التي تجمعُ في عمقِها بينَ “الرؤيا” و”الرؤيةِ” أو بينَ الحلمِ والفكرِ، تيمةُ “الحبِّ” أو قيمةُ الحبِّ. فالحبُّ —باعتبارِ بُعدِهِ العاطفيِّ والوجدانيِّ— يحققُ شعريةَ الشعرِ، وباعتبارِ بُعدِهِ الإنسانيِّ يحققُ جانبَ الفكرِ والرؤيةِ في هذا الشعرِ. وقد تواترَ توظيفُ الشعراءِ لقيمةِ الحبِّ منذُ القديمِ، بأشكالٍ تعبيريةٍ مختلفةٍ وأنماطٍ أسلوبيةٍ متنوعةٍ، إلى درجةٍ يعسرُ معها حصرُ هذهِ الأنماطِ ودراستُها، والشعرُ المغربيُّ المعاصرُ لا يشذُ عن هذا التواترِ.

على هذا الأساس؛ إن الحبُّ قيمةٌ إنسانيةٌ يمكنُ توظيفُها وسيطاً تواصلياً بينَ الثقافاتِ والحضاراتِ، ووسيلةً للتقريبِ بينَ الأفرادِ والجماعاتِ، ولهذا فهيَ تسعفُ الشاعرَ في التعبيرِ عن أحلامِهِ وتطلعاتِهِ الإنسانيةِ؛ فالتحركُ من أجلِ الحبِّ في أصلِهِ بحثٌ عن إشباعِ رغباتٍ معنويةٍ، كما قد يكونُ بحثاً عن إشباعِ رغباتٍ ماديةٍ جامحةٍ، لكنَّ الأعرافَ الاجتماعيةَ والدينَ على الخصوصِ يضبطُها ويوجهُها الوجهةَ الصحيحةَ.

يكتسي أبعاده التواصلية وقيمته الحضارية من كونه حاجة فطرية سوية، لأن حاجةُ الإنسانِ السويِّ إلى “الحبِّ” كحاجتِهِ إلى الطعامِ؛ فالإنسانُ يحبُّ الكثيرَ منَ الأفعالِ والتصرفاتِ، ويحبُّ إتيانَها لحاجتِهِ إليها في المقامِ الأولِ؛ فهو يحبُّ الطعامَ لحاجتِهِ الملحةِ إليهِ، ويحبُّ الحياةَ ويكرهُ الموتَ، ويحبُّ العيشَ في جماعةٍ بشريةٍ، ويكرهُ الوحدةَ والانعزالَ. وعيشُهُ في جماعةٍ وتفاعلُهُ معها التفاعلَ الإيجابيَّ يفرضُ قدراً منَ “الحبِّ”، أي يفرضُ تقديمَ “الحبِّ” كما يفرضُ تلقيَهُ؛ فالإنسانُ مضطرٌ إلى كراهيةِ أمورٍ كثيرةٍ، مخافةَ تصدعِ كيانِهِ وفقدانِ ما يحصلُ عليهِ من حبٍّ، ومخافةَ اختلالِ توازنِهِ.

لقد رسخَ في ذهنِ الكثيرينَ أنَّ “الحبَّ” موضوعٌ عاطفيٌّ مجالُهُ الأدبُ والفنُ وربما الدينُ وخاصةً التصوفُ، وقد لا يخطرُ على البالِ أن يكونَ موضوعُ “الحبِّ” قيمةً منَ القيمِ الحضاريةِ، المؤسسةِ لخطابٍ ذي خصوصيةٍ؛ لكنَّ اهتمامَ الثقافاتِ والحضاراتِ بقيمةِ الحبِّ متفاوتٌ، بل إنَّ للحظةِ التاريخيةِ تأثيرَها الخاصَّ في قيمةِ “الحبِّ”؛ فنلمسُ مثلاً أنَّ نظرةَ الناسِ أعمقُ في مرحلةٍ تاريخيةٍ ما مقارنةً بلحظةٍ أخرى سابقةٍ، فالوقائعُ التاريخيةُ تؤثرُ ولا شكَّ في طبيعةِ التوظيفِ بالنظرِ —مثلاً— إلى ما تتداولُهُ المحافلُ الاجتماعيةُ والثقافيةُ والفكريةُ والسياسيةُ.

هناك حاجةٌ ماديةٌ ومعنويةٌ منتظرةٌ منَ “الحبِّ”، أي إنَّ “الحبَّ” يكتسبُ صفتَهُ المعنويةَ أوِ الماديةَ انطلاقاً من حالةِ الذاتِ، وانطلاقاً منَ الأهدافِ والمرامي المقصودةِ، دونَ إغفالِ الطرفِ الثاني المرادِ بالفعلِ. وعلى هذا الأساس يتدخلُ عنصرُ القصدِ والإرادةِ في الفعلِ؛ فقد يستهدفُ “الحبُّ” غايةً ما، فيكونُ “الحبُّ” فعلاً إرادياً متحكماً فيهِ وفي مراميهِ، وفي مسلكِهِ. لكنَّ “الحبَّ” إذا كانَ ذا بعدٍ معنويٍ، فحسب، يهدفُ تحقيقَ لذةٍ معنويةٍ غيرِ مرتبطةٍ بزمنٍ، فهو حبٌّ سامٍ، ولذلكَ قالوا: إنَّ “الحبَّ” الحقيقيَّ هو “الحبُّ” المتصلُ بالزهدِ في تحقيقِ المصلحةِ والمنفعةِ الشخصيةِ.

وللمتصوفةِ بمختلفِ مشاربِهم نظراتٌ إلى “الحبِّ” بهذا المعنى، أي بمعنى الزهدِ في كلِّ المادياتِ من أجلِ تحقيقِ الالتحامِ بالمحبوبِ؛ لأنَّ الإنسانَ إذا زهدَ في الأشياءِ الماديةِ، ارتقى إلى مرتبةٍ منَ المحبةِ الروحانيةِ المبنيةٍ على تصورِ الكمالِ المطلقِ، وهيَ محبةُ اللهِ، أي محبةَ اللهِ لذاتِهِ لا لثوابِهِ وإحسانِهِ: «وكلما كانَ اطلاعُ الإنسانِ على دقائقِ حكمةِ اللهِ كانَ حبُّهُ لهُ أكملَ».xi

وفي هذا السياق يحدد ابن حزم ماهيةِ “الحبِّ” بالقول لقد: «اختلفَ الناسُ في ماهيتِهِ وأطالوا، والذي أذهبُ إليهِ أنَّهُ اتصالٌ بينَ أجزاءِ النفوسِ المقسومةِ في هذهِ الخليقةِ في أصلِ عنصرِها الرفيعِ… وقد علمنا أنَّ سرَّ التمازجِ والتباينِ في المخلوقاتِ إنَّما هوَ الاتصالُ والانفصالُ، والشكلُ دأباً يستدعي شكلَهُ، والمثلُ إلى مثلِهِ ساكنٌ، وللمجانسةِ عملٌ محسوسٌ وتأثيرٌ مشاهدٌ، والتنافرُ في الأضدادِ والموافقةُ في الأندادِ والنزاعُ فيما تشابهَ موجودٌ فيما بيننا، فكيفَ بالنفسِ وعالَمِها العالمِ الصافي الخفيفِ، وجوهرِها الجوهرِ الصعّاد المعتدلِ وسنخِها المهيّأِ لقبولِ الاتفاقِ والميلِ والتوقِ والانحرافِ والشهوةِ والنفارِ —كلُّ ذلكَ معلومٌ بالفطرةِ في أحوالِ تصرفِ الإنسانِ فيسكنُ إليها، واللهُ عزَّ وجلَّ يقولُ: ﴿هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها﴾ (الأعراف: 189) فجعلَ علةَ السكونِ أنَّها منهُ. ولو كانَ الحبُّ لحسنِ الصورةِ الجسديةِ لوجبَ ألا يُستحسنَ الأنقصُ في الصورةِ، ونحنُ نجدُ كثيراً ممَّن يؤثرُ الأدنى ويعلمُ فضلَ غيرِهِ ولا يجدُ محيداً لقلبِهِ عنهُ. ولو كانَ للموافقةِ في الأخلاقِ لما أحبَّ المرءُ من لا يساعدُهُ ولا يوافقُهُ، فعلمنا أنَّهُ شيءٌ في ذاتِ النفسِ». xii

اتخذَ مفهومُ “الحبِّ” في الفكرِ العربيِّ القديمِ عدةَ أبعادٍ تكشفُ عن مدى أهميةِ القضية، ومدى اهتمامِ الثقافةِ السائدةِ، والوعيِ الجماعيِّ بهِ، كما تكشفُ عن طبيعةِ توجهِ الذوقِ الجمعيِّ؛ فمجتمعٌ تسودُ فيهِ معاني “الحبِّ” يمكنُ اعتبارُهُ مجتمعاً متسامحاً مبشراً بقيمٍ فاضلةٍ ترفعُ قيمةَ الإنسانِ في كلِّ مكانٍ، دونَ النظرِ إلى دينِهِ أو جنسِهِ، وهيَ قيمٌ سادتْ في مجتمعِ ابن حزم الأندلسيِّ، بتأثيرِ عواملَ كثيرةٍ أهمُها الدينُ، وتطورُ الحياةِ المدنيةِ.

6. تجليات قيمة الحب في الشعر المغربي المعاصر

على أساسِ ما تقدَّمَ، إلى أيِّ حدٍّ جسدَ الشعرُ المغربيُّ المعاصرُ، أو بعضُهُ، الحبَّ ببعدِهِ الإنسانيِّ السامي، أي بالصورةَ التي وقفنا عليها؟

قبلَ الإجابةِ لا بدَّ منَ التنبيهِ إلى أنَّهُ ليسَ منَ الضروريِّ أن يجسدَ الشعرُ هذهِ القيمةَ بالمعنى الذي ذهبنا إليهِ، على أساسِ أن يشكلَ ذلكَ هدفاً ومرمىً يتطلعُ إليهِ هذا الشعرُ.

تتعددُ مظاهرُ قيمةِ الحبِّ وتتنوعُ، وتجسُّدُها في الشعرِ أكثرُ تنوعاً، ومظاهرُها من شبهِ المستحيلِ أن يُحيطَ بها حصرٌ، وأشكالُ توظيفِها وتوظيفِ تداعياتِها كثيرةٌ. لكنَّ المتتبعَ للتجربةِ الشعريةِ المغربيةِ، وخاصةً تلكَ التجاربَ التي تؤمنُ بأنَّ الأدبَ رسالةٌ ومسؤوليةٌ، وتؤمنُ بأنَّ الشعرَ بوتقةٌ تتكثفُ فيها “الرؤيا” بـ”الرؤيةِ”، يلمسُ للحبِّ هذهِ المعاني الجميلةَ التي تجعلُ المتلقي يشعرُ بأنَّ الشاعرَ يشركُهُ مبدئيا رؤيتَهُ بأحلامِها وهمومِها وتطلعاتِها، وتجعلُهُ في المقامِ الثاني يشعرُ بأنَّ ما يتواصلُ معهُ من شعرٍ وإبداعٍ كأنَّهُ يجسدُ تجربتَهُ الخاصةَ (أي تجربة المتلقي) بكلِّ ما لها وما عليها. وليسَ هذا بالأمرِ الغريبِ على الشعرِ، لأنَّ حقيقةَ الشعرِ هوَ أنَّهُ نبضُ المجتمعِ وضميرُهُ وخزينةُ أفكارِهِ وأحلامِهِ.

6. 1. حب الفضاء والمكان: نموذج قرية أسريرعند محمد علي الرباوي

ومن أهمِّ الحقولِ التي سخرَ الشعرُ دلالةَ الحبِّ وتداعياتِها من أجلِها، حبُّ الأرضِ أوِ المكانِ أو حبُّ الفضاءِ، ومظاهرُهُ كثيرةٌ ومتعددةٌ ومتنوعةٌ؛ تتراوحُ علاقةُ الذاتِ بهِ مداً وجزراً بينَ الإحساسِ بالشوقِ إليهِ، والاغترابِ عنهُ، والعجزِ عن حمايتِهِ، أو تمجيدِ من يقومُ بحمايتِهِ، ومن يموتُ من أجلِ الحفاظِ عليهِ أوِ استردادِهِ، أوِ الإعجابِ بهِ، إلى غيرِ ذلكَ من أنماطِ التعبيرِ عن حبِّ الفضاءِ.

وليسَ هذا فحسب؛ فحبُّ الفضاءِ يتحولُ في كثيرٍ منَ الأوقاتِ إلى هدفٍ للهروبِ من ضغطِ الحياةِ، ومشكلاتِ الواقعِ؛ فالطبيعةُ باعتبارِها فضاءً كثيراً ما يُشرِكُها الشاعرُ همومَهُ وأحزانَهُ وحبَّهُ، ويتخذُها محاوراً يجسدُ فيهِ الطرفَ الثاني المفقودَ، أوِ المبحوثَ عنهُ أوِ المتشوقَ إليهِ، أوِ المأمولَ والمتوهمَ.

قد يتحول الفضاءُ وحبُّهُ إلى مجردَ وهمٍ يصنعُهُ الشاعرُ من أجلِ تبريرِ موقفٍ أو سلوكٍ أو إخفاءِ حقيقةٍ، وغيرِ ذلكَ من مظاهرِ الكيانِ الإنسانيِّ.

إن إلحاح الفضاءِ على الشاعرِ لا تفسيرَ لهُ سوى أن يكونَ الشاعرُ قد ربطَ معهُ علاقةَ حبٍّ بمواصفاتٍ خاصةٍ. فهو خاص، قد يتقاسم بعض مقوماته مع الغير القريب والبعيد، لكن الخصوص هي التي تصنع الشعرية بالنسبة للشاعر؛ بل وتميز في الوقت نفسه شاعرا عن غيره.

يقولُ محمد الرباوي عن “أسرير” —المدينة الصحراوية الصغيرة الهادئة، الموجودة في جنوب المغرب في إقليم الراشدية—:

«لِأَسْرِيرَ فَاتِنَةٌ.. قَمَرُ

لَهُ يَنْحَنِي النَّجْمُ وَالشَّجَرُ

يَا رَمْلَ أَسْرِيرَ هُزَّ النَّخِيلَ

يُسَاقِطْ بِهِ الْبَحْرُ وَالثَّمَرُ

مَحِلَتْ زَمَاناً وَهَا الْيَوْمَ قَدْ

أَتَى صَدْرَكَ الْقَطْرُ يَعْتَذِرُ

(…)

أَتَى الْقَطْرُ مُعْتَذِراً.. كَيْفَ لَا

وَأَسْرِيرُ يَحْضُنُهَا قَمَرُ؟

بُرْعُمٌ طَالِعٌ مِنْ رَحِيقِ الصَّلَاةِ

رَشَّ أَحْلَامَهُ بَيْنَ غَابَاتِ ذَاتِي

وَانْتَشَى ضَاحِكاً كَعُيُونِ الْفُرَاتِ

يُخْبِرُ الْقَلْبَ، قَبْلَ شُرُوقِ الْمَسَاءِ

عَلَى كَبِدِي،

أَنَّ هَذِي الثُّلُوجَ

عَلَى بُعْدِ شِبْرَيْنِ

مِنْ جَسَدِي

رَمَّمَتْ تَاجَهَا

وَاسْتَعَدَّتْ بِنَشْوَتِهَا لِلنُّزُولِ».xiii

تجسدُ هذهِ المقاطعُ —كما هوَ واضحٌ— علاقةً وثيقةً للشاعرِ بهذهِ القريةِ/ القصرِ؛ فهيَ من جهةٍ أولى مسقطُ رأسِهِ، وللناسِ جميعاً علاقةٌ خاصةٌ بمكانِ الولادةِ، فلا فضاءَ آخرَ يعوضُ حبَّهُ والتعلقَ بهِ، بل إنَّ حبَّهُ يكادُ يضاهي حبَّ الأمِّ، لأنَّهما يذكرانِ معاً باستنشاقِ أولى نسماتِ الحياةِ.

ولذلكَ فالتي تربطُ الشاعرَ بمسقطِ رأسِهِ هيَ روابطُ خاصةٌ، تنمُّ عن حبٍّ عميقٍ جداً لا يقفُ عندَ حدودِ الإعجابِ بمظهرٍ من مظاهرِها الطبيعيةِ، كتميزِها بقمرٍ جميلٍ وغيرِها منَ المظاهرِ الطبيعيةِ الخلابةِ، بل بالمستطاع تلمس معالمَ علاقةٍ أكثرَ عمقاً بينَ الشاعرِ وهذا الفضاءِ، علاقةً قويةً جداً تتجاوزُ الاحتفالَ بمناظرِها الطبيعيةِ الخلابةِ إلى استرجاعِ أصولِ علاقةٍ متجذرةٍ، لكنَّها متجددةٌ بفعلِ عواملَ كثيرةٍ. وقد استعملَ الشاعرُ في هذا المقطعِ مجموعةً منَ الرموزِ اللغويةِ التي تحيلُ دلالياً من خلالِ تداعياتِها على الولادةِ والتجددِ، من ذلكَ “القمرُ” و”الشجرُ” و”الثمرُ” وغيرُها.

ولحبِّ الفضاءِ الصحراويِّ طعمٌ خاصٌّ ومميزٌ عندَ محمد الرباوي وعندَ عددٍ منَ الشعراءِ، وسرُّ ذلكَ هوَ:

الانتماء إلى الصحراء: فعلاقةُ الإنسانِ العربيِّ عموماً، والشاعرِ على الخصوصِ بالصحراءِ والباديةِ علاقةٌ قديمةٌ، فرضتْ نفسَها عليهِ قديماً وإن عاشَ بعيداً عنها، وهيَ تقفزُ بقوةٍ إلى شعرِهِ دونَ إرادتِهِ وتفرضُ نفسَها عليهِ فرضاً فتظهرُ في الإبداعِ رغماً عنهُ. بل أزعمُ أنَّ في كلِّ واحدٍ منّا قدراً من هذا التعلقِ بالصحراءِ ومكوناتِها وتعلّقاً بالباديةِ وحياتِها، وما ذلكَ سوى لأنَّنا من أصلابِ من وُلِدوا وترعرعوا في الباديةِ والصحراءِ ومنها انطلقتْ حضارتُهم وثقافتُهم.

ارتباط مولد الشاعر بالمكان: يُضافُ إلى كلِّ ما تقدَّمَ أنَّ الشاعرَ من مواليدِ الصحراءِ، فقد وُلِدَ في “تنجداد”، وفي قصرِ “أسرير” نفسِهِ الذي هوَ قصرٌ من قصورِ “تنجداد”، كما يُستفادُ من تعريفِ “أسرير” في هامشِ النصِّ، وكما يُستفادُ من قولِهِ:

«تِنْجْدَادُ

فِيكِ صَرَخْتُ صَبَاحاً صَرْخَتِي الْأُولَى

إِذْ كُنْتُ أُحِسُّ بِأَنَّ الدُّنْيَا

امْرَأَةٌ تَتَزَيَّنُ كَيْ تُخْفِيَ مَا تَحْمِلُهُ

مِنَ أَدْغَالٍ فَتَّاكَةٍ.

(…)

تِنْجْدَادُ

صَرْخَتِي الْأُولَى فِيكِ انْقَشَعَتْ

لَكِنْ.. فِي أَيِّ بِلَادٍ

قَدْ ألْقِي آخِرَ صَرْخَةٍ؟ »xiv.

هذهِ شهادةُ ميلادِ الشاعرِ؛ ففي تنجداد وُلِدَ وصرخَ صرختَهُ الأولى، ومنَ الطبيعيِّ أن يكونَ لهُ ارتباطٌ خاصٌّ بالمكانِ وفضاءاتِهِ الصحراويةِ ومناظرِهِ الطبيعيةِ الخلابةِ، إلى جانبِ ما يذكرُهُ بهِ من ذكرياتِ الطفولةِ والشبابِ قبلَ أن يغادرَ “أسرير” بجسدِهِ إلى آفاقٍ أخرى. لكنَّ روحَهُ لم تغادرْها، أو بالأحرى لقد حملَها معهُ في قلبِهِ وبينَ أحشائِهِ وجوانحِهِ أينما حلَّ وارتحلَ، ولا ندري من حملَ مَن؛ فقد تكونُ هيَ التي تحملُهُ بعدَ أن صنعتْ منهُ الإنسانَ الشاعرَ برقتِهِ وهدوئِهِ الشاعريِّ.

ويزدادُ حبُّ الفضاءِ قوةً عندما يرتبطُ بحبِّ الولدِ، وعندما يرتبطُ بعاطفةِ الأبوةِ الجياشةِ. ومن هنا فإنَّ مهدَ الشاعرِ يتجاوزُ حدودَ كونِهِ مهداً إلى مكانةٍ أقوى عندَ الشاعرِ وهيَ احتضانُهُ للولدِ وحبُّ سارةَ، إذ يقولُ:

«هِيَ ذِي سَارَةُ الطِّفْلَةُ الْخَائِفَةُ

تَرْتَدِي سَعَفَ النَّخْلِ

تَأْذَنُ لِلْبَلَحِ الْمَوْسِمِيِّ

بِأَنْ يَنْثُرَ الْخَيْلَ وَالْغَيْمَ

حَتَّى يَصِيرَ مُعَاذٌ بِهَذِي الْفَلَاةِ

بُرَاقاً يُبَشِّرُ بِالْعَاصِفَةِ»xv.

لكنَّ قدرَ الشاعرِ سيكونُ على موعدٍ معَ ولادةٍ أخرى في المكانِ نفسِهِ؛ فالفضاءُ الذي ضمَّهُ وهوَ صغيرٌ، يضمُّ الآنَ مولدَهُ الجديدَ، حفيدَهُ معاذاً، ويضمُّ فراشةَ فؤادِهِ أمَّ معاذٍ، وكأنَّ الشاعرَ يحيي من خلالِ ذلكَ باستمرارٍ نبر الشعرِ ونبضه سارياً في المستقبلِ من خلالِ ميلادِ حفيدِهِ في “أسرير”، يقولُ:

«فَرْحَتِي بِالْعَبِيرِ يُقِضُّ مَضَاجِعَهَا

شَجَنٌ دَبَّ كَالْآهِ بَيْنَ عُرُوقِ الشَّجَرِ.

وَانْتَشَرَ

كَتَسَابِيحَ يَتْلُو مَوَاوِيلَهَا وَرَقُ التُّوتِ

صَوْتُ مُعَاذٍ الْمُبَلَّلُ هَذَا الضُّحَى

بِدُعَاءِ الْقُنُوتِ، يُقَدِّمُ لِي بَاقَةً مِنْ بَيَاضِ الْقَمَرِ.

مُعَاذٌ فِي قِمَاطِهِ وَرِيدَةٌ

تَفَتَّحُ فِي الصَّبَاحِ أَزْرَارَ الْغَلَائِلِ.

وَعِنْدَمَا يَدْخُلُ فِي صُرَاخِهِ الْ

جَمِيلِ وَالْبَهِيِّ تَنْتَشِي الْجَدَاوِلُ

سَارَةُ الزَّهْرَةُ الْحَالِمَةُ،

لَمْ تَزَلْ، يَا فُؤَادِي، بِعَيْنَيَّ أَنَا

لَمْ تَزِدْ عَنْ فَرَاشَةِ هَذَا الصَّبَاحِ

سِوَى بَسْمَةٍ نَاعِمَةٍ »xvi.

فالشاعرُ مدينٌ لأسرير بجميلِ احتضانِ حفيدِهِ، بلِ احتضانِ ميلادِهِ الجديدِ، فكيفَ لا تتعمقُ علاقةُ الحبِّ التي يكنُّها الشاعرُ للمكانِ والفضاءِ، بل إنَّهُ الإخلاصُ للمكانِ والأصلِ والجذورِ والأصولِ، وليسَ منَ المستبعدِ أن يكونَ للشاعرِ علاقةٌ منَ المستوى نفسِهِ أو أكثرَ معَ أماكنَ أخرى، لها وقعٌ خاصٌّ في نفوسِ الناسِ، إذ ليسَ من شيمِ من تعلقَ بأصولِهِ أن يتنكرَ لمن تربطُهُ بهم علاقاتٌ أكثرُ عمقاً وتنوعاً.

6. 2. حب الوطن وجراحات الوعي الجمعي

وكما تجسدُ القريةُ ومسقطُ الرأسِ تفاعلَ الشاعرِ المغربيِّ معَ الفضاءِ وحبَّهُ لهُ، يتجسدُ هذا الحبُّ كذلكَ في حبِّ الوطنِ، وكثيراً ما نجدُ الشاعرَ المغربيَّ يعبرُ عن هذا الحبِّ من خلالِ بسطِ همومِهِ وهواجسِهِ تجاهَهُ؛ يقولُ الرباوي في الديوانِ نفسِهِ:

«وَطَنِي أَشْتَرِيهِ بِأَعْلَى ثَمَنٍ.

وَهُوَ لَا يَشْتَرِينِي

وَلَكِنَّهُ

لِلْعَدُوِّ يَبِيعُ دَمِي بِأَقَلِّ ثَمَنٍ.

وَطَنِي خَانَنِي،

وَتَسَلَّلَ سِرّاً إِلَى جُزُرِ النَّارِ

لَكِنَّ قَلْبِي لَازَالَ يَهْذِي

وَيَهْذِي بِحُبِّ الْوَطَنِ»xvii.

ليسَ الوطنُ مجردَ موضوعٍ يطرقُهُ الشاعرُ بل هوَ إحساسٌ ذاتيٌ، أي أنَّ الشاعرَ يوظفُهُ من أجلِ هواجسِهِ وهمومِهِ الخاصةِ، لكنَّها هواجس مرتبطة في الأصلِ بالوطنِ.

إنَّ حبَّ الشاعرِ لوطنِهِ حبٌّ صادقٌ، ولذلكَ فعناصرُ الإخلاصِ لهُ باديةٌ جداً، فرغمَ كلِّ ما قد يقترفُهُ هذا الوطنُ في حقِّهِ، فسيظلُّ محتفظاً بحبِّهِ لهُ في قلبِهِ لأنَّهُ حبٌّ صادقٌ.

وتطالعُنا تجربةٌ من نوعٍ آخرَ، حيثُ نلاحظُ أنَّ الشاعرَ المسكونَ بحبِّ المكانِ وهمومِ الوطنِ، تتحركُ مشاعرُهُ ويتأججُ وجدانُهُ لما ينتابُهُ من عجزٍ أمامَ ما يراهُ في وطنِهِ من مآسٍ وأحزانٍ ومظاهرَ أخرى متجسدةٍ في الفقرِ والتسلطِ والتخلفِ، تقولُ مليكة العاصمي:

«قَتَامَتِي اكْتَسَبْتُهَا مِنَ الْحَيَاةِ الْقَاتِمَةِ

مِنْ جُوعِ حَارَتِي الَّتِي تَعِيشُ بِالْغُصَصِ

مِنَ الصِّغَارِ الْبُؤَسَاءِ يَقْتَاتُونَ بِـ(الْمُخَاطِ)

قَتَامَتِي

مِنْ دُكْنَةِ الْحَيَاةِ فِي كُهُوفِ الْفُقَرَاءِ»xviii.

هذا حالٌ يؤلمُ الشاعرةَ ويشعرُها بالحزنِ، وهوَ حزنٌ يخفي في العمقِ حباً كبيراً لهذا الوطنِ، كما يخفي رغبةً قويةً في رؤيةِ هذا الوطنِ وقد زالتْ عنهُ كلُّ مظاهرِ الحزنِ والتخلفِ، وكلُّ ما يجعلُ الشاعرَ والإنسانَ بصفةٍ عامةٍ، يعيشُ حياةً طيبةً وكريمةً تليقُ بإنسانيتِهِ.

وربما حاولتِ الشاعرةُ مليكة العاصمي الانتباهَ إلى همومِ الإنسانِ معَ الأملِ بأن يتغيرَ الوضعُ، دونَ أن تحصرَ ذلكَ في مكانٍ بعينِهِ، إذ تقولُ: «يجبُ أن نتعلمَ كيفَ نرفضُ أن تُداسَ إنسانيتُنا. فالكرامةُ قبلَ كلِّ شيءٍ، والكرامةُ لا تتحققُ إلا بالرفضِ والثورةِ. في الإنسانِ، كلِّ إنسانٍ، جذورٌ عميقةٌ للأنانيةِ والاستغلالِ، لكن ما دامتْ هناكَ عناصرُ قابلةٌ لهذهِ الإهانةِ وهذا الاستغلالِ؛ هناكَ دائماً سيدٌ ما دامَ هناكَ عبدٌ. مشكلةُ هذا العالمِ أنَّهُ مفترسٌ نفتقدُ فيهِ الإنسانَ النظيفَ الواعي. ونتطلعُ أحياناً فتجرفُنا النظرةُ التشاؤميةُ إلى الاعتقادِ بقذارةِ أعماقِ العالمِ، وبالتالي بلا جدوى الكفاحِ من أجلِ الأفضلِ، لأنَّ الأفضلَ معرضٌ دائماً إلى الانتكاسِ بحكمِ خضوعِهِ لظروفٍ موضوعيةٍ خضعَ لها سلفُهُ…

واجهةٌ أخرى للصراعِ لدى الإنسانِ الحديثِ الذي دنستهُ مشكلاتُ العالمِ، فشحنتهُ بالحقدِ: أن يصارعَ في أعماقِهِ من أجلِ محبةِ الإنسانِ والتقاربِ معهُ، لأنَّ هناكَ باستمرارٍ مستفيدينَ من هذهِ الأحقادِ».xix

إنَّ أهميةَ قيمةِ الحبِّ لا تُلمسُ إلا من خلالِ النقيضِ، ولذلكَ يمكنُ للمتنعمِ في الشعرِ المغربيِّ المعاصرِ ملاحظةُ بعضِ عباراتِ البغضِ والكراهيةِ؛ فكما يحبُّ هذا الشاعرُ، فإن لهُ قدرةٌ كبيرةٌ على التعبيرِ عمَّا يكرهُ عندما يحسُّ بأنَّ كيانَهُ مهددٌ، وقد يبلغُ ذلكَ الإحساسُ مداهُ عندما تشعرُ الذاتُ بأنَّها محاصرةٌ من كلِّ مكانٍ. هذا هوَ ما نجدُهُ في نصٍّ يحملُ عنوانَ “جدار” تقولُ فيهِ:

«أَبْحَرْتُ فِي عُيُونِكُمْ أَنَا،

مَلَّاحَ هَذِي اللجَّةِ التَّعِيسِ

يُوَاجِهُ الْأَمْوَاجَ فِي ضَرَاوَةِ الرِّيَاحِ

وَجَدْتُ الْبَحْرَ مُرْبَدّاً عَبُوساً

وَجَدْتُ دُونِي الْأَقْفَالَ الصَّدِئَةَ

عَلَى قُلُوبِكُمْ

وَجَدْتُهُ

مَصَارِيعَ الزَّمَنِ

وَجَدْتُ فِي طَرِيقِي أَثَراً

لِأَقْدَامِ الْغُزَاةِ الْآبِقِينَ

لَكِنَّ خُطْوَتِي طَرِيَّةٌ مِعْطَاءٌ

حِذَائِي أَمْلَسُ

أَجُوسُ بِاتِّجَاهِكُمْ عَلَى جِسْرٍ مِنَ الْمَطَّاطِ،

بَلْدَتُكُمْ..

مَدِينَةُ الصَّفِيحِ،

قُلُوبُكُمْ

كَقَلْعَةِ الصَّفِيحِ »xx.

ويتأكدُ هذا الإحساسُ بالحصارِ في مكانٍ آخرَ عندَ الشاعرةِ من خلالِ رغبتِها في التخلصِ من أدرانِ الحقدِ الذي يسكنُ أعماقَها، إذ تقولُ:

«جُوعٌ فِي الْقَلْبِ يَمُوءُ تُلَاحِقُنِي الْوَحْدَةُ

أَغْسِلُ مَا عَلِقَ بِقَلْبِي مِنْ أَدْرَانِ الْبُغْضِ

آخِرُ مَا صَنَعَتْهُ بِي الْأَيَّامُ الْمُرَّةُ

زَجَّتْ بِي فِي الْحُبِّ الْبَاسِمِ

فِي أَرْجَاءِ الْمَهْدِ الْوَسْنَانِ

يُؤَرْجِحُنِي عُصْفُورُ الشَّرْقِ الْأَسْمَرُ

فِي صَمْتِ النُّبَلَاءِ »xxi.

لكنَّ عبثاً محاولةُ ذلكَ لأنَّ القضيةَ متصلةٌ بطبيعتِها الأنثويةِ؛ فمن فرطِ حبِّها لهذهِ الأنوثةِ باتتِ الشاعرةُ تشعرُ بأنَّها محاصرةٌ بفعلِ ذلكَ، وتريدُ التخلصَ منَ الحصارِ المطبقِ عليها، فتقولُ:

«كَرِهْتُ كُلَّ الْأَعْيُنِ الرَّقِيبَةِ

كَرِهْتُ حَبَّاتِ عُيُونِ هَذِهِ الْمَدِينَةِ الْعَجِيبَةِ

تَبْحَثُ فِي مَلَامِحِي عَنْ بَوَادِرِ النَّزَقِ

وَتَسْتَقِي تَوَافِهَ الْأَخْبَارِ

تَقَوَّرَتْ جُدْرَانُ غُرْفَتِي وَانْزَرَعَتْ

بِأَعْيُنِ الْفُضُولِ

تَرَكْتُهُمْ يُبَحْلِقُونَ فَارِغِي الْعُيُونِ كَالْأَسْمَاكِ

تَافِهِينَ يَجْهَلُونَ عِلْمَهُمْ

وَسَاقِطِينَ فِي الْفَهْمِ وَالْغَبَاءِ

بَنَيْتُ حَائِطاً فَوْقَ وَجْهِي،

وَحَجَبْتُ غُرْبَتِي الْأَلِيمَةَ

نَسِيتُ الْأَوْصِيَاءَ… »xxii.

7. آفاق الحب الإنساني والقومي في وجدان الشعراء

إنَّ حبَّ الفضاءِ لا يقفُ عندَ حدودِ الوطنِ والقريةِ، بل يتجاوزُهُ إلى أصنافٍ أخرى تربطُ بالذاتِ بروابطَ خاصةٍ قد تكونُ روابطَ دينيةً أو روابطَ قوميةً، ونماذجُ ذلكَ في الشعرِ كثيرةٌ، وكثرتُها تلكَ آتيةٌ من طبيعةِ المآسي والهمومِ التي عرفتْها —وربما تعرفُها إلى حدِّ الآنَ— بعضُ تلكَ الفضاءاتِ.

ومن بينِ أهمِّ الأماكنِ التي تفاعلَ معها الشاعرُ المغربيُّ تفاعلاً ينمُّ عن علاقةٍ قويةٍ مسكونةٍ بالحبِّ والتقديرِ والتقديسِ، بل والحزنِ والأسى والألمِ، نذكرُ: أفغانستان، وفلسطين، والعراق، والبوسنة والهرسك، وغيرَها؛ وهيَ كلُّها أماكنُ، ارتبطَ الشاعرُ معها برابطٍ خاصةٍ تراوحتْ بينَ الاعتزازِ بها وحبِّها، والأملِ في إنقاذِها، والحزنِ عليها، والألمِ من أجلِها.

يقولُ الشاعرُ محمد بنعمارة:

«شِيرَازُ نَاوِلْنِي عُنْفُوَانِي

فَالْغَدُ الْأَخْضَرُ يَسْكُنُنِي

كَالْكِتَابَةِ، وَالْمَحَبَّةِ، وَالْعَدَالَةِ

كَابُولُ تَمْتَشِقُ السُّيُوفَ وَتَجْمَعُ الْقَتْلَى

وَتُغْلِقُ الْأَبْوَابَ فِي وَجْهِ الْمَغُولِ

.. بَيْنَ الرَّصَاصِ وَالْوُرُودِ فَوَاصِلُ الشُّهَدَاءِ

هَذِي الرَّصَاصَةُ طَائِشَةٌ »xxiii.

ويقولُ أيضاً:

«أَوْقَفَنِي هَذَا الرُّوسِيُّ الْأَشْقَرُ عِنْدَ مَدَاخِلِ “كَابُولَ”

وَفَتَّشَنِي

أَتَحْمِلُ مَمْنُوعَاتٍ؟…

أَشْهَرْتُ كِتَابَ الْحَقِّ فَأَفْزَعَهُ

وَتَوَجَّهَ نَحْوَ خَدِيجَةَ ثُمَّ تَذَرَّعَ بِالرَّشَّاشِ

هَاجَ كَثَوْرٍ

أَطْلَقَ نَاراً

أَطْلَقْنَا إِعْصَاراً »xxiv.

الشاعرُ في هذينِ المقطعينِ لا يعبرُ عن سعادتِهِ بما حققَهُ الأفغانُ في مواجهتِهم معَ الغزاةِ السوفياتِ فحسب، بل يعبرُ عن حبِّهِ لروحِ المقاومةِ التي تمتلكُه، واعتبرَ نفسَهُ منخرطاً فيها عندما حرصَ على أن يكونَ ضمنَ من أطلقوا الإعصارَ على الغزاةِ.

ولا بدَّ هنا من أن نلفتَ الانتباهَ إلى ملاحظةٍ مهمةٍ جداً وهيَ تتصلُ إلى حدٍّ بعيدٍ بما كنا أشرنا إليهِ في مكانٍ سابقٍ من هذا البحثِ، وهوَ أنَّ التجربةَ الشعريةَ المغربيةَ عموماً تجربةٌ ذاتيةٌ غنائيةٌ، أي أنَّها تنتقلُ منَ الذاتِ لتعودَ إلى الذاتِ؛ فالذاتُ هيَ المركزُ، وهوَ العاملُ الحاسمُ في منعِ التجربةِ الشعريةِ المغربيةِ —إلا نادراً— من أن تنتقلَ —في ظني— إلى رؤيةٍ إنسانيةٍ عامةٍ تتفاعلُ معَ همومِ الإنسانِ بصفةٍ عامةٍ، أي أنَّها تتعاملُ معَ هذهِ المظاهرِ من زاويةٍ محليةٍ؛ فالفقرُ والاضطهادُ والاستبدادُ وغيرُها منَ المظاهرِ التي تسلبُ كرامةَ الإنسانِ تُمثِّلُ كُلُّها عناصرَ سلبيةً قد يعيشُها الإنسانُ في أماكنَ مختلفةٍ منَ العالَمِ.

ومن هنا كذلك تبرزُ قيمةُ الحبِّ في بُعدِهِ الإنسانيِّ التواصليِّ، ويُعدُّ الأدبُ بصفةٍ عامةٍ والشعرُ على الخصوصِ أهمَّ الحقولِ القابلةِ لتفعيلِ البُعدِ الحضاريِّ والإنسانيِّ التواصليِّ لقيمةِ الحبِّ. ولنا في الخطابِ القرآنيِّ خيرُ نموذجٍ لهذهِ الرؤيةِ الكونيةِ للإنسانِ؛ فالقرآنُ الكريمُ، ومن خلالِهِ السنةُ النبويةُ المشرفةُ، ينظرانِ إلى الإنسانِ بصورةٍ شموليةٍ، على أساسِ توحيدِ الوجهةِ إلى اللهِ، وتبشيرِهِ بالجنةِ، وإنذارِهِ بالعقابِ، ولم تكنْ دعوةُ القرآنِ في يومٍ من الأوقاتِ دعوةً خاصةً بجنسٍ بشريٍّ دونَ آخرَ، أو قبيلةٍ دونَ أخرى؛ فالأساسُ هوَ الإنسانُ.

إنَّ “الحبَّ” ليسَ عاطفةً مطلقةً وهوَ ليسَ عاطفياً دائماً، فهو لا يتخلى عنِ العقلِ والإرادةِ، كما تصورُهُ لنا الأدبياتُ العاطفيةُ وقصصُ “الحبِّ”، فهو يشركُ ويلزمُ كلَّ قوى الإنسانِ، ولكن معَ ذلكَ يظلُّ هذا الإنسانُ محتفظاً بحريتِهِ ومتحكماً في إرادتِهِ، بحيثُ هوَ من يتحكمُ في حبِّهِ، وليسَ “الحبُّ” هوَ الذي يتحكمُ فيهِ. و”الحبُّ” كذلكَ لا يقعُ تحتَ تأثيرِ تقلباتِ الشيءِ المحبوبِ، لأنَّ مهمتَهُ تقعُ خارجَ هذهِ التقلباتِ؛ فلا أعداءَ للحبِّ سوى الموتِ. هناكَ حبٌّ تامٌ يفترضُ لقاءً بآخرَ مماثلٍ، والمماثلةُ لا تعني أن تكونَ الصورةُ ذهنيةً بل مثاليةً، ولكن تعني إنساناً لا يشعرُ بعدمِ القبولِ، أي أن يكونَ كما هوَ دونَ تلميعٍ أو زيادةٍ، وهذا يحصلُ عندَ الإحساسِ بالجمالِ، والجمالُ هوَ الجمالُ الروحيُّ الذي يلغي المظاهرَ ويلمحُ العمقَ.xxv

من هنا يتولدُ “الحبُّ” الروحيُّ، “الحبُّ” الذي ينظرُ إلى القيمِ الكليةِ وليسَ إلى الجزئيِّ والعابرِ؛ فالإنسانيةُ إذا ما نظرتْ بهذا المنظارِ أمكنَها تجاوزُ الكثيرِ منَ الاختلافِ والصراعِ والخوفِ و”الكراهيةِ”. ولكنَّ السؤالَ هوَ: كيفَ يمكنُ الوصولُ إلى ذلكَ؟ قد يقولُ القائلُ: إنَّ هذا بعيدٌ عن أن يكونَ واقعاً يتحققُ، لكنَّهُ حلمٌ صغيرٌ والأشياءُ الكبرى تبدأُ صغيرةً، وأظنُ بأنَّ مجالَ النقاشِ والحوارِ والبحثِ في الموضوعِ يلزمُ أن يبدأَ الآنَ وأن يتجهَ عملُ المهتمينَ إلى وضعِ المناهجِ الكفيلةِ بصناعةِ “الحبِّ” بدلَ صناعةِ “الكراهيةِ”.

لا قيمةَ للحبِّ إذا لم يكنْ متبادلاً، وتبادُلُهُ لا يعني التساوي؛ إنَّهُ تبادلٌ في إطارِ الاختلافِ. يقولُ مارسل كونش: «يتعلقُ الأمرُ بتبادلٍ في إطارِ الاختلافِ، مثلِ اختلافِ الرجلِ عنِ المرأةِ، الشيخِ عنِ الشابِّ، والمعلمِ عنِ المتعلمِ؛ فكلُّ طرفٍ يحبُّ باعتبارِ ذاتِهِ في إطارِ رابطةٍ، فكلُّ طرفٍ يعطي ويتلقى، وما يعطيهِ غيرُ الذي يتلقاهُ. فما الشيءُ الممنوحُ؟ إنَّهُ هوَ الشيءُ الذي لا يُفقِرُ، ويشعرُ بالغنى عندما يمنحُ ويقدمُ. وما الشيءُ المحصلُ عليهِ؟ إنَّهُ الشيءُ الذي نحنُ في حاجةٍ إليهِ حقيقةً وهوَ الحبُّ؛ فـ”الحبُّ” يشعرُ بوجودِ الآخرِ»xxvi.

قد يُلمسُ هذا في عالمٍ صغيرٍ أو علاقةٍ مصغرةٍ بينَ زوجٍ وزوجةٍ، أو بينَ الأبِ وأبنائِهِ، أوِ الأمِّ وأولادِها. لكنَّ هذهِ الصورةَ تنطبقُ حتى على ما هوَ أوسعُ من ذلكَ كالمجتمعِ المحليِّ أوِ المجتمعِ الدوليِّ. صحيحٌ أنَّ علاقةَ المحبةِ التي تنشأُ بينَ الزوجِ وزوجتِهِ، أوِ العاشقِ ومعشوقِهِ، أوِ الأمِّ وأولادِها، هيَ أقوى وأمتنُ من تلكَ التي يُفترضُ نشوءُها بينَ أفرادِ المجتمعِ المحليِّ أو أفرادِ المجتمعِ الدوليِّ؛ لكنَّ المقصودَ هنا هوَ ذلكَ الإطارُ الدلاليُّ (sémantique) المحيطُ بقيمةِ “الحبِّ”، الذي يستقبلُ ويوزعُ في الآنِ نفسِهِ عدداً لا يحصى منَ المعاني التي للحبِّ فيها دورٌ ما كالرحمةِ، والعطفِ، والودِّ، والانسجامِ، والتآلفِ، والتفاهمِ، والتفهمِ، والسجوِّ، والاحترامِ، والتقديرِ، والإعجابِ، وغيرِها منَ الدلالاتِ والمعاني التي يحفلُ بها الاستعمالُ اللغويُّ في أغلبِ الثقافاتِ، وفي أغلبِ اللغاتِ، حتى لا نقولَ كلِّ اللغاتِ.

والسرُّ في ذلكَ هوَ أنَّ “الحبَّ” في عمقِهِ وسيطٌ تواصلِيٌّ كما يقولُ الألمانيُّ نيكلاس لومان (NIKLAS LUHMANN)؛ فـ”الحبُّ” بوصفِهِ وسيطاً، ليسَ مجردَ شعورٍ بل شفرةٌ (Code) تواصليةٌ، انطلاقاً منَ القواعدِ التي نودُّ التعبيرَ عنها، وإبلاغَها، أو بسطَها للآخرِ، أو تجاهلِ مشاعرَ تجاهَ الآخرِ. فـ”الحبُّ” نموذجٌ سلوكيٌّ، وهوَ موجودٌ باعتبارِهِ سلوكاً، وبوصفِهِ معرفةً. xxvii

الخاتمة

تأسيساً على التحليلات السابقة، يخلصُ هذا المقال إلى أنَّ الأثر الجمالي للشعر لا يتحقق بحريتِهِ المطلقة السائبة، بل بوعيِهِ المسؤول والمنضبطِ بأفق “الرؤيةِ” والالتصاق بقضايا المجتمع والبيئة والذات الإنسانية. ومن خلال رصدِ تيمة “الحبِّ” في القصيدة المغربية المعاصرة، يتضحُ أنَّ الفضاء والمكان والوطن لم تكن مجردَ جغرافيا باردة في وجدان الشعراء، بل تحولت عبر أدوات التعبير الفني الصادق واللغة المتمكّنة إلى رموز للولادة والتجدد والشهود. إنَّ الارتقاء الحقيقي بالمنجز الشعري يقتضي صون قيمِهِ الكلية والروحية والنهوض بالذوق الجمعي نحو مرافئ التفاؤل والجمالِ، جاعلاً من الفنِّ جسراً للتواصل الحضاري الخلاق وأداةً لصناعةِ الحبّ وتطويقِ الكراهية.

i مملكة الرماد، المطبعة المركزية، وجدة، ط1: 1987: ص5.

ii الأعشاب البرية، المطبعة المركزية، ط1: 1986: ظهر الغلاف.

iii الأدب الإسلامي أدب غير ملتزم، مجلة المنعطف، العدد2/1991، ص ص75 ـ 88: ص83.

iv جهاد فاضل، قضايا الشعر الحديث،: ص 227.

v المعجم الفلسفي: ج 1 ص 604.

vi الرؤية والفن في الشعر العربي الحيث بالمغرب، المؤسسة الحديثة للنشر والتوزيع، البيضاء، ط1/ 198: ص36.

vii معجم المصطلحات الأدبية: ص188.

viii مدخل إلى الفلسفة: ص 23. عن محمد علي الرباوي، الأدب بين الفلسفة والإسلام، شركة مطابع الأنوار المغاربية، ط1/ أكتوبر 2010: ص 24

ix نفسه: ص ص ص 30ـ 32.

x في نظرة النقد، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة 2007: ص 83

xi جميل صليبة، المعجم الفلسفي، الشركة العامة للكتاب، دار الكتاب اللبناني، بيروت: ص440.

xii طوق الحمامة في الألفة والألاف، تح د. إحسان عباس، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ط1/ 1993: ص ص 93-95.

xiii قمر أسرير ، مطبعة دار النشر الجسور، وجدة، ط1/2002: ص ص 5 ـ 6 .

xiv نفسه: ص19.

xv نفسه: ص 9.

xvi نفسه: ص ص 7-8.

xvii نفسه: ص 28.

xviii كتابات خارج أسوار العالم، عيون المقالات، الدار البيضاء، ط2/ 1988:ص 48.

xix نفسه: رؤيا ص: 14.

xx نفسه: ص ص 18 ـ 19.

xxi نفسه: ص ص 32 ـ 33.

xxii نفسه:ص ص64 ـ 65.

xxiii نشيد الغرباء، مطبعة النور، تطوان الطبعة الأولى سنة 1401 ـ 1981:ص ص 44 -45.

xxiv نفسه: ص45.

xxv MARCEL CONCHE, Analyse De L’Amour, Presses Universitaires De France:pp 3_ 6

xxvi ibid: pp 5 – 6

xxvii AMOUR COMME PASSION, traduit de l’allemand par Anne-Marie Lionnet, AUBIER: pp 32-33

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *