موقع محمد جكيب

ذات المهاجر وسبل تدبير قضايا حوار الثقافات

على سبيل التوطئة

أصبحت قضية الهجرة، قضية الساعة، وحديث المنتديات المختلفة، والمنابر الإعلامية المتعددة، لأنها فعلا قضية ذات أهمية بالغة، لا تخفى عن العموم فضلا عن المهتم بالقضية والدارس لها. وهي كذلك قضية قديمة جديدة في الوقت نفسه، بل هي قضية متجددة، لأنها تفرض نفسها كل يوم على الأمم والدول والشعوب بما ترتبط به من زخم وأحداث تسترعي الاهتمام، حتى صارت بامتياز قضية المنتظم الدولي بكامله، وبمختلف مستوياته ومكوناته.

تفرض قضية الهجرة نفسها على الإنسانية كلها، بصورة من الصور. وليس من المبالغة القول: إنها في الوقت الراهن أكثر القضايا الإنسانية تركيبا، بأبعادها الإنسانية، والثقافية، والسياسية، والاقتصادية، وأبعادها النفسية والاجتماعية، وكذلك بأبعادها الأخلاقية والقيمية. وذكر الأخلاق والقيم في هذا المقام يؤكد ارتباط الهجرة في بعض جوانبها بالدين بأبعاده الدقيقة وقضاياه الكثيرة.

هذا البعد المركب لقضية الهجرة، يجعل منها قضية معرفية تستدعي الدراسة والتحليل والمقاربة، وهو ما يؤكد وجودها على مائدة النقاش الفكري بأغلب تخصصاته في الوقت الراهن. فكل تخصصات العلوم الإنسانية معنية بقضايا الهجرة من زاوية اهتمامها، وبما تطلبه خصوصية كل حقل معرفي على حدة.

الهجرة وتعدد زوايا النظر المعرفي

إن تعدد مداخل مقاربة قضية الهجرة ودراستها، يسهم بعمق في اقتراب أوسع من إشكالاتها وأسئلتها، رغم ما قد تتسم به نتائج المقاربات من تقاطع وحتى التشابه، رغم اختلاف زوايا النظر المعرفي، وهذه ملاحظة لا تقلل من أهمية الدراسات ولا نتائجها، ولكنها تعكس مدى إلحاحها على النظر الفكري، وتؤكد تنوع مستويات الاهتمام وتعددها.2

وإذا جاز اعتبار الهجرة أحد الظواهر الملحة على الإنسانية كلها،3 فإنها تفرض نفسها ببعدها على قضايا إنسانية أخرى، وتدخل معها في تفاعل باعتبارها نتيجة في بعض الأحيان، أو سببا في أحيان أخرى. إن قضية الهجرة ليست مجرد موضوع ديمغرافي يهتم بقضية تنقل البشر من مكان إلى آخر، بل هي قضية تحمل أبعادا ثقافية، واجتماعية، ونفسية.

ومن هذا المنظور؛ يمكن للنظر المعرفي، وللتأمل الفكري الانتباه إلى الأهمية، التي باتت تكتسيها قضايا أخرى تعد من الظواهر الانسانية، التي تشغل الرأي العام الدولي، والتي تمكنت خلال عقود قليلة من أن تراكم أحداثا وأدبيات ونظريات ومقاربات قد لا تحصى، ووضعت الفاعل الدولي في خانات تتراوح بين الاتهام والدفاع والتبرير، بل وحتى التفسير والتعليل؛ فقضايا حوار الحضارات، أو صراعها، وحوار الثقافات، وحوار الديانات، استحقت، بفعل الزخم الذي تنتجه، أن تُعَدُّ ظواهر تشغل العالم كله منذ النصف الثاني من القرن الماضي على الأقل، وما تزال، ومن هنا يمكن تصور أهمية النظر في ظاهرة الهجرة في ضوء حوار الحضارات أو صرعها، وكذلك في ضوء حوار الديانات أو الأديان، على أساس ما تختزنه من أبعاد ثقافية ودينية.4

وعلى العموم؛ فإن إيجاد علاقات ارتباط بين الهجرة وحوار الحضارات أو وحوار الأديان وبحوار الثقافات لا يستعصي ولا يمتنع، بل هي من الحضور والبروز والجلاء، الذي لا يخطئه المتأمل المتنعم، وخاصة إذا رُكِّزَ على البعد المعنوي للهجرة، الذي تعتبر فيه “ذات المهاجر” هي المدخل المعرفي إلى هذه العلاقة.

الهجرة، المفهوم والأبعاد

الهجرة5 أنواع، أو لنقل: إن الهجرة مفهوم عام يتفرع إلى دلالات صغرى تعكس طبيعة الهجرة، فقد تكون داخلية، أي داخل الوطن الواحد كالهجرة من البوادي تجاه المدن، من أجل شروط عيش مختلفة تتوق إلى الأفضل، وقد تكون من مدينة إلى أخرى أو من منطقة إلى أخرى، وهذا النوع من الهجرة يسترعي اهتمام الدراسات السكانية لارتباطها بالنمو الديمغرافي وبحركة السكان، وغير خاف البعد الاقتصادي والاجتماعي وكذلك الثقافي، الذي يكتسيه هذا النوع من الهجرة، ويستدعي اهتمام الدول والحكومات، ومختلف مجالات العلوم الإنسانية.

وأما الهجرة الدولية، والتي تقوم على الانتقال من بلد إلى آخر، فتعتبر اليوم هي الصنف الأكثر إثارة للاهتمام، بما تثيره من إشكالات تفرض نفسها ـ كما سلف الذكرـ على اهتمام الدول بمستويات مختلفة، ويمكن تقسيم صنف الهجرة الدولية إلى:

هجرة دولية غير شرعية، وتعد الهجرة السرية من مكوناتها البارزة، والعوامل الأبرز المسببة لها تتلخص في الغالب في العامل الاقتصادي، والعامل الطبيعي، والعامل الأمني.

وهجرة دولية شرعية أو الهجرة النظامية، وهي تلك الهجرة التي تلتزم الشروط القانونية، التي تنظم الهجرة في بلد المهجر، وهي غالبا ما تكون مرتبطة باليد العاملة، أو بالكفاءات. والجدير بالذكر أن دول الخليج البترولية، على سبيل المثال، كالمملكة العربية السعودية والإمارات وقطر، قد شكلت وجهة مغرية لليد العاملة، وبعض الكفاءات المتخصصة في الصناعات البترولية. والمعروف أن هذا النوع من الهجرة، يكون موقتا في الغالب، أي لا ينتهي باستقرار المهاجر وعائلته، لأسباب عديدة بعضها مرتبط بقوانين الهجرة في بلد المهجر، والتي تضع شروطا معقدة تحول دون استيطان المهاجر، ويمكن تصور الأثر الاجتماعي والنفسي، الناتج عن عدم استقرار المهاجرين القادمين للعمل في هذه البلدان.6

وكما عرفت دول عديدة باستقبال المهاجرين كبعض دول الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة الأمريكية، وكندا؛ فإن دولا أخرى عرفت بتصدير اليد العاملة، أو المهاجرين منذ أواسط القرن العشرين؛ والدول الإفريقية ودول المغرب العربي مثيرة للاهتمام، فقد شكلت حملات الهجرة إلى أوربا الوجهة الأولى، وخاصة إلى فرنسا وإيطاليا وبلجيكا والدول أخرى، وانطبعت هذه الهجرة بالقوة العاملة، التي وظفتها هذه الدول لتنمية اقتصاداتها وتنمية صناعاتها، ولم تكن هذه اليد العاملة مشروطة بالكفاءة العالية، لكنها ارتبط في الغالب باستقرار المهاجرين، وعائلاتهم في الدول المستقبلة، الأمر الذي أنتج حتى الآن أجيالا من مواطني الدول التي استقر فيها المهاجرون الأوائل. وغير خاف أن أغلب المهاجرين من إفريقيا وضمنهم دول شمال إفريقيا، وخاصة المغرب والجزائر كانوا مسلمين، وظل الإسلام هو العلامة الأكثر تعبيرا عن هوية هؤلاء المهاجرين، وعن ثقافتهم.7

والرغم من تقلص شدة الهجرة إلى هذه الدول، إلا أن نوعا آخر مثير للاهتمام في الوقت الراهن آخذ في التوسع، وهو هجرة الكفاءات والأدمغة، وهي حصيلة استقرار العديد من الطلبة بعد اتمام تحصيلهم العلمي والمعرفي في أوربا وفي أمركا وكندا، وحصيلة حاجة دول الاستقبال للكفاءة، التي يبين عنها هذا الصنف من المهاجرين، وينضاف إلى هؤلاء صنف آخر من الكفاءات التي درست في بلدانها الأصلية، والتي تفتقت كفاءاتها العلمية، وبرزت مواهبها العملية في بلدها الأصل، الأمر الذي جعلها مطلوبة في العديد من الدول الأوروبية وخاصة في فرنسا وفي بلجيكا.8 وأغلب هؤلاء يختار الاستقرار والتجنس، وهو مؤشر على أن فئة جديدة من المهاجرين المسلمين، على قدر مهم من المعرفة والعلم والوعي بالخصوصية آخذة في التبلور.

الهجرة سلوك معنى معنوي

الهجرة سلوك بشري قديم قدم الإنسان،9 إذ منذ أن وجد على وجه الأرض والهجرة متصلة بكيانه وبحياته في بعدها المادي والسلوكي، وفي بعدها المعنوي، ومنذ أن وعى وجوده ووعى عالمه المحيط به، وجد في نفسه شعورا يدفعه إلى الهجرة، ووجد فيها سبيلا يترجم العلاقة، التي تربطه بالوجود وتجيب على مختلف الأسئلة والتناقضات، التي يثيرها هذا الوجود من حول، وسبيلا لإيجاد الحلول الناتجة عن طبيعة تفاعله.

مارس الإنسان الهجرة وعاشها لأسباب موضوعية مختلفة، إما ذاتية أو وجودية، أو لأسباب طبيعية أو ثقافية أو اجتماعية أو اقتصادية. ورغبة الإنسان أفرادا وجماعات في تغيير أسلوب الحياة وتغيير النظرة للعالم وتوسيعها، وصقل الخبرة، دفعه إلى الهجرة والتنقل. وغير خاف أن كل هجرة هي في حد ذاتها تجربة وسلوك وتصرفات تغني التجربة الإنسانية وتراكمها.

قد يعتبر تغيير الإنسان لأسلوب حياته، والانتقال من زاوية رؤية للوجود إلى زاوية أخرى صنفا آخر من أصناف الهجرة؛ بل هو أقدمها، وهي بهذا البعد قدر الإنسان. وتاريخ النبوة عموما خير تجسيد لهذه الهجرة، وخير تمثيل لأبعادها الفكرية والرؤيوية والتصورية، فكل الأنبياء والرسل هاجروا ـ في الغالب ـ من مكان التكليف إلى آفاق أخرى وإلى سعة خَدَمَتْ دعواتهم، لكنها قامت في الأصل على الهجرية المعنوية قبل أن تحقق الهجرة العملية، فقد هاجر إبراهيم أبو الّانبياء عليه السلام، وهاجر موسى وهاجر محمد صلى الله عليه وسلم، والغالب أن آدم عليه السلام قد هاجر، كما ذَريته، وعلى أساس هذه الهجرة جرى تعمير الأرض. ومن هنا فإن الهجرة هي قدر الإنسان في تفاعله وهذا الوجود معنويا وماديا.10

إن الهجرة في بعدها المعنوي حاضرة في كل هجرة فعلية، والذات الممارسة للفعل هي مستودع هذا البعد المعنوي، ويكمن تفسير ذلك في كون المهاجر ـ قبل كل شيء ـ كيانا مكونا من شقين مادي ومعنوي، فهو كيان نفسي، وسلوكي، وقيمي، وثقافي؛ وهوية، ولذلك لا تنفصل “ذات المهاجر” بما هي هوية وثقافة وبعدا اجتماعيا عن عملية الهجرة.

يهاجر المهاجر حين هجرته باعتباره هوية ثقافية دينية وحضارية وتاريخة، بصرف النظر عن طبيعة الهجرة التي يقوم بها، شرعية أم غير شرعية، اختيارية أم قصرية. فهوية المهاجر تصاحبه وتلازمه، وقد يعمل على إخفائها لأسباب موضوعية قاهرة، لكنها حاضرة فيه، فالمهاجر غير الشرعي ـ على سبيل المثال ـ قد يراوده هاجس التفكير بأن الهوية والثقافة والدين قد تكون مانعا يمنع تسوية وضعيته، أو يعيق اندماجه، وخاصة إذا كان دافع الهجرة اجتماعيا واقتصاديا، وقد يكون في بعض الأحيان سياسي.

يلح بعض المهتمين بقضية الهجرة على التمييز من هذه الزاوية بين مفهوم الهجرة émigrationومفهوم الغربة immigration أو الاغتراب، على أساس أن المفهوم الأول يعني الانتقال من البلد الأصلي إلى بلد آخر، بمعنى أنه يحيل على فعل الهجرة، أما المفهوم الثاني، فيحيل على طبيعة العيش في بلد الاستقبال، وعلى ما يجده المهاجر من شعور الاغتراب وهو في بلد الغربة أو في بلد الاستقبال.11

تعد كل هجرة في العمق ميلادا جديدا، وأملا واعدا في أفق مشرق أكثر إيجابية، فهي بهذا المعنى بحث عن حلم جديد، في مكان آخر وفي إطار واقع ثقافي مختلف على كل حال، و”ذات المهاجر” حين هجرتها تعي ذلك، وربما يبدأ الاستعداد النفسي لذلك قبل الهجرة، وقبل التفكير فيها، ومن هنا وجب التمييز بين “ذات المهاجر” قبل الهجرة وأثناء التفكير فيها، وتحقق فعل الهجرة. والهجرة كذلك ليست دائما مرتبطة بالرؤية الإيجابية الحالمة؛ لأن الهجرة قد تتحول إلى معاناة، وإلى إحباط وخيبة أمل، وإلى تحطم أفق الانتظار وتحوله إلى سراب، وهي كذلك ألم وغربة واغتراب، وهذه كلها عناصر متصلة بـ”ذات المهاجر”. وعلى أساس هذا ربطت الهجرة بعامل الاغتراب، الذي يصيب المهاجر إذا لم يتوفر على حصانة ثقافية قوية، ويرد شعور الاغتراب12 إلى:

أولا، إلى القطيعة عن الجذور، وعن الأصل التي تجده “ذات المهاجر” حين الانتقال إلى بلد الهجرة أو الاستقبال، وهذا الشعور الحاد قد يكون عاملا يحد من المساهمة الإيجابية في بناء واقع بلد الهجرة، بمعنى أن بلد الهجرة لا تتاح له الاستفادة الكاملة من كفاءة المهاجر بسبب الشعور بالاغتراب؛

وثانيا، إلى ما قد تجده ذات المهاجر من صراع داخلي بين الهوية السائدة الثقافي في بلد الاستقبال، الأمر الذي قد يفرضه عليه القيام ببعض التنازلات، أو الانعزال.13

العلاقة الحتمية بين الثقافي وذات المهاجر

وكيفما كانت طبيعة الهجرة، داخلية أم خارجية، شرعية نظامية أم غير شرعية، مؤقتة أم دائمة، فهي دائما تتضمن أبعادا ثقافية واجتماعية ونفسية وكذلك اقتصادية، وتترتب عنها أفعال وسلوكيات، وكذلك ردود أفعال مختلفة قد تتسم بالتشنج والتوتر في بعض الأوقات، وقد تتسم بالانسجام والاندماج، فالهجرة لا تتعلق بالمهاجر فحسب،ولكنها متصلة بمكان الهجرة، إذ هناك ردود أفعال ثقافية واجتماعية إيجابية أم سلبية، ناتجة عن فعل الهجرة.

إن كل هجرة كيفما كانت طبيعتها، وغايتها تحدث تغييرات نفسية واجتماعية، متصلة بذات المهاجر في حد ذاته، لأن المهاجر كيان نفسي ولذلك تظهر عليه آثار الهجرة النفسية، والسيكولوجية، ولا تتوقف هذه الآثار عند الاجتماعي والاقتصادي بل تتعداه إلى النفسي والصحي، يقول جان كيزيلهان: «تؤدي الهجرة إلى تغييرات كبيرة في البنية النفسية والاجتماعية لأي مجتمع كان؛ إنها تؤثر على الطبقات الاجتماعية والاقتصادية، والسياسية، والثقافية، والنظام الصحي…. تحمل مغادرة الوطن والبدء من جديد في مجتمع آخر في طياتها تحديا متعدد الأبعاد في حد ذاته، مقترن بتغيرات جسدية ونفسية واجتماعية وثقافية ودينية وقانونية وسياسية.. وفي الوقت نفسه، تلعب الضغوط الفردية والجماعية وموارد الوطن الأم (مع التنشئة الاجتماعية الثقافية والدينية المطابقة) دورا هاما في كيفية مواجهة التحديات الجديدة في المهجر»14

الهجرة والحوار في ضوء الاختلاف

وفي ضوء ما تقدم، تبدو الهجرة مفتوحة على علاقة قوية بحوار الحضارات، وعلى حوار الأديان، لكن العلاقة المعرفية الممكنة بينهما علاقة إشكالية تثير أسئلة شائكة، فهي ليست علاقة ميكانيكية، بعيدة عن التوتر والتشنج وردود الأفعال، بل هي علاقة موسومة بالصراع في مسار البحث عن جوهر الحوار، لأن الأمر يتعلق بذات تحمل هوية وتاريخا وخصوصية، في مقابل ذات أخرى لها هوية وخصوصية تأبى التخفي، وتأبى التهميش بفعل السلطة القوية التي تمارس من خلال خطاب السياسة والأيديولوجيا.

تبدو “ذات المهاجر” وكأنها غير معنية بالحوار بصورة مباشرة، وخاصة عندما يتعلق الأمر بحوار الأديان، لكنها وإن كانت غير معنية مباشرة وظاهريا بالحوار عموما وبحوار الأديان على وجه الخصوص، فهي معنية به بصورة ضمنية ، فـ”ذات المهاجر” يمكنها الإسهام في هذا الحوار والتأثير فيه، بل وتوجيهه في الاتجاه الأنسب، وهو الاتجاه الفكري الثقافي السلوكي، ويتوقف ذلك على الأسلوب والمنهج والأسس الفكرية، التي تبني الحوار الفعلي وتجعله ممكنا، ومحققا لنتائجه المرجوة، وهو تحقق التفاهم والاطمئنان وتبديد التوتر بما تحمله “ذات المهاجر” من قيم تنبع من الاقتناعات الدينية والعقدية والثقافية، ومن كل سلوك أنتجته التنشئة والتربية.15

يثير هذا الخطاب جملة من الأسئلة، ولعل أهمها هو: ما الغاية من الحوار عموما، ومن حوار الأديان على وجه التحديد، هل الغاية هي إقناع طرف آخر مختلف بما يعتقده الطرف الأول أي المهاجر، ثم دفعه إلى تبني رؤيته، وبناء ذات أخرى هي نموذج آخر طبق الأصل عن “ذات المهاجر”. لأن “ذات المهاجر” المسلم هوية تدين بقيم الإسلام وتؤمن بمبادئه، وفي مقدمتها الاعتقاد بالانحرافات المقررة بخصوص اليهودية والمسيحية على سبيل المثال، مع الاعتراف العقدي الصريح المتصل بهاتين الديانتين. فإن الأمر سيصير بهذا دعوة وليس حوارا، على أساس سؤال كبير جدا هل “ذات المهاجر” يفترض فيها ممارسة الدعوة والعمل على تصحيح عقيدة وديانة البلد المهاجر إليه، كما هو الحال في أوربا؛ وكما يثار هذا الإشكال بخصوص “ذات المهاجر” يثار كذلك بخصوص البعد الديني السائد في مكان الهجرة، فهل الحوار الديني من هذه الزاوية يعني تنازل “ذات المهاجر” عن كل المرتكزات الهوية المتصلة بالدين، أي بالإسلام في هذا المقام لأنه عنصر وافد على كل حال في بلد المهجر.

إن كل سعي إلى فتح حوار بين “ذات المهاجر” والسائد الثقافي والديني في بلد المهجر، وخاصة في أوربا المسيحية لا يلغي وجود صعوبات جوهرية قديمة جدا، وتراكمات تاريخية متصل بجوهر ما يؤمن به الفكر الديني المسيحي، الذي يلصق صفة الضلال على عموم المسلمين الذين ينبغي العمل على هدايتهم وإرجاعهم حضن القطيع الناجي. 16

إن قضية الهجرة وقضية الحوار والعلاقة بينهما، قضية إشكالية، مثيرة لأسئلة، لا تطلب أجوبة فحسب، بل تقضي حلولا عملية على أساس تفكير واع بجوهر القضية، ومن هنا يصير ملحا الانفتاح على مختلف الحقول المعرفية، التي يمكنها الإسهام في هذا التفكير الواعي، والإسهام في تصور الحلول العملية الكفيلة ببناء صرح حوار ثقافي وحضاري وديني على أساس واع ومدروس. وهذا الأمر يقتضي تجاوز الأدبيات السائدة بخصوص الهجرة، والتي تركز على المهاجر باعتبار أبعاده الاقتصادية والاجتماعية في بلد الاستقبال، لكنها تهمل الجذور التي قدم منها المهاجر على أساس أبعادها الثقافية والحضارية والتاريخية بعد، وهي كلها تشكل في العمق جوهر ”ذات المهاجر”.

الهجرة و بناء الحضارة

الاستقرار هو أس بناء الحضارة وأصلها، لأن الحضارة دون استقرار لا يمكنها التجذر، ومد عروقها وأغصانها، ورغم ذلك فإن أصل الحضارة هو الهجرة، لأن الهجرة بصورة من الصور، سلوك يسبق الاستقرار، ويفترض أن تنتهي كل هجرة بالاستقرار، مع الإلحاح على أن في كل حضارة يوجد وجه من وجوه الاستقرار، وفي كل استقرار يوجد وجه من وجوه الهجرة. ومن هذا المنظور تبو الهجرة عاملا من عوامل التغيير، لأن أحد الحوافز التأسيسية للهجرة هو التطلع إلى تغيير ما، ووجه من وجوه الرغبة في إعادة البناء، والبحث عن الأفضل المتشوق إليه.

وقد تكون الهجرة كذلك عاملا من عوامل تغيير توجه الحضارة وتغيير وجهها، وبل وتقويتها، وقد تكون عامل وضع حد لنموذج حضاري ولشكل حضاري قائم، وربما تكون الهجرة بلسما ودواء يشفي سقم حضارة من الحضارات. ومن هذه الزاوية تبرز “ذات المهاجر” عنصرا يطبع الهجرة بطابع خاص وشخصية مختلفة، لأن “ذات المهاجر»” تأثر بصورة ما في طبيعة الحضارة. شريطة وعي “ذات المهاجر” دورها هذا وأهمته، وهي مقومات لا تتأتى إذا قطت صلة المهاجر بجذوره وهويته.

الحضارة الغربية في وجهها الأبرز، وهو حضارة الولايات المتحدة الأمريكية، تأسست على هجرة الإنسان الأوروبي، الذي حمل معه هويته وثقافته وعمقه الديني، فـ”ذات المهاجر” حاضرة بوجه ما في أصل هذه الهجرة، وعلى أساسها تم الاستقرار، لكنه قام للأسف على تهميش الثقافة التي كانت موجودة، بل على اجتثاثها لتتحول إلى مجرد ثقافة احتفالية فلكلورية.

الهجرة مؤشر على انتقال رؤية للوجود مختلفة عن تلك القائمة في بلد الهجرة، أو البلد المهاجر إليه،17 بعبارة أخرى، إن الهجرة رصيد ثقافي متصل بـ”ذات المهاج” تحمله هذه الذات معها، وتستطيع من خلاله الدخول في نوع من الحوار والتواصل و الرؤية القائمة والثقافة الموجودة. صحيح أن الرؤية القائمة في مكان الهجرة بطابعها، ستبدي مقاومة في سبيل منع كل رؤية قادمة من مزاحمة وجودها وتهديد استمرارها، بل ستعتبر ذلك نوعا من التهديد لمستقبلها ولهويتها القائمة، خاصة إذا كانت هذه الهوية منتشية بشعور القوة واليقين بأنها هي التي يجب أن تستمر وتسود، كما هو حال عالم الغرب المنتشي بقوة نموذجه الحضاري، والمسكون برغبة فرضه على العالم.

وبعبارة أخرى، إن الهجرة يمكن أن تكون عامل تجديد لـ “ذات المهاجر”، وللبلد الذي يستقبل تلك الهجرة، وهذا يمكن أن يصير عامل قوة للنموذج الحضاري القائم. في الولايات المتحدة الأمريكية ينظر لتنوع الأجناس والأعراق والثقافات على أنه عامل من العوامل، التي تضخ النشاط والحيوية في المجتمع، في ظل تنافس مشروع لإثبات أحقية الانتساب إلى المجتمع الأمريكي، وإلى الكينونة الثقافية الأمريكية في ظل التنوع الثقافي، وفي ظل كون المجتمع الأمريكي مجتمعا متعدد الثقافات والأعراق، لكن شريطة ألا يتحول ذلك إلى صراع وصدام.

وفي ضوء ما تقدم تبدو الهجرة في أبعادها المختلفة ذات ارتباطات بالثقافي والاجتماعي وكذلك بالحضاري، وتبدو هذه الحقول ذات الأبعاد المختلفة ومن أهمها البعد المعرفي، مرتبطة فيما بينها، والفصل بينها ليس سوى فصل صوري منهجي نظري من أجل الدرس المؤدي إلى الفهم، ثم المؤدي إلى التفكير في الحلول الممكنة للمشاكل والإشكالات التي تطرحها الهجرة.18

عائق السياسة في علاقة الهجرة بالحوار.

عند إثارة قضية الهجرة في علاقتها بالثقافي والحضاري، فإن السياسية وكذلك العلاقة بين الدول والأمم والشعوب عموما، يحضر من خلال الإلحاح على ضرورة بناء جسور للحوار،19 خاصة بعد تجاوز العالم مرحلة الصراع الأيديولوجي، ليترسخ الاقتناع بأن هذا الصراع كان سببا في توثر مستمر بين الدول والشعوب، الأمر الذي حال دون ترسيخ منهجية واضحة تدعو للحوار، وتدعم بناء صروح أساسها الاحترام الثقافي المتبادل؛ وتدعم ضمنيا الاعتراف الكامل بحق المهاجر في أن يعيش ذاته. لكن حدث الحرب الروسية الأكرانية، أدخل الحوار في متاهة غير معروفة العواقب، بعد أن ولج العالم الغربي وحضارته في مواجهة مفتوحة من الداخل، إذ الراجح أن روسيا مكون من مكونات النموذج الحضاري الغربي، الأمر الذي يعيد إثارة الإشكال بخصوص تصدع العلاقة داخل النموذج نفسه، ويثير في الوقت نفسه مشكلا عميقا بأبعاد ثقافية. قد تكون طبيعة هذا الصراع أيديولوجية، لكنتها تخفي صراعا ثقافيا مع الغرب الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، وتخفي تطلعها لميراثها القديم، وليتأكد بأنها لم تكن في يوم الأيام جزءا من النموذج الغربي، الأمر الذي يضع النموذج الحضاري الغربي أمام أزمة نابعة من الداخل، فلم يعد مصدر الخوف آت من خارج النموذج، والذي يمثله الإسلام فحسب، بل يمكن أن يأتي من الداخل، وهذا في حد ذاته يجعل المتابع يشعر بأن قضية الانسجام الحضاري في النموذج الحضاري نفسه أمر نسبي ويضع النموذج الحضاري أمام تحد كبير. وقد يكون هذا العامل من معيقات الحوار، التي تؤثر في طبيعة العلاقة بين الهجرة والحضارة.

غالبا ما تصطدم أغلب دعوات الحوار الحضاري والثقافي، بالمصالح بالسياسة، ودوافع الرغبة في الغلبة والسيطرة، الأمر الذي يحول دون تحقق الغايات المثلى للحوار مهما كانت درجة مثالية دعواته، ومهما بلغت أهمية الأهداف والغايات المطلوبة والمنتظرة.

تؤكد بعض الدراسات أن بعض الدول الأوروبية حريصة على فتح حوار مع الأقليات، وخاصة الأقليات المسلمة، لكن غالبا ما تكون الحلول المستخلصة من تلك الحوارات ذات أبعاد قانونية، وغالبا ما تكون الحلول القانونية المقترحة خاضعة لروح المبادئ السياسية الأساسية، التي يقوم عليها النموذج الحضاري الغربي، وهي في الغالب مبادئ اخلاقية نابعة من النموذج الحداثي. بمعنى أنها تحرص على ترسيخ فكرة التعايش والانفتاح على الأقليات وخاصة الدينية من مدخل قانوني، وسن قوانين تعترف بالأقليات في إطار قانوني ضمانا لحقهم في أن تكون لهم أماكنهم الخاصة لممارسة العبادة، لكن في الغالب لا تفتح حوارا على أساس ثقافي حقيقي، وهو ما ينعكس سلبا على قضايا الحوار، ويحول دون بناء حوار فعلي ينتهي إلى مخرجات عملية ومعقولة تتيح لهذه الأقليات الشعور بالانتماء، وبالتالي المساهمة في التراكم الحضاري وتنمية هذه البلدان. ومن هنا فإن الحلول المقترحة في إطار هذا الحوار تظل دون معالجة القضايا المتصلة بـ”ذات المهاجر” إذ تتقلص قيمتها وأهميتها عندما تثار قضية الضوابط الفكرية التي تقوم عليها مبادئ الحضارة الغربية.

العامل السياسي لا يخدم في كثير من الأوقات قضية الحوار، لأن السياسي يخضع للآني، ولا وجود للثابت في السياسية؛ والسياسة في الغرب الديمقراطي تقع دائما تحت رحمة المصالح الانتخابية والحزبية وتميل إلى الانصات إلى نبض الشارع، الذي يخضع لحملات تنميط الوعي والتوجيه الفكري على أسس سياسية توظف الفكري، وليس على أساس فكري متوازن يوجه السياسي. ولكي يكون الحوار بمختلف أنماطه بما في ذلك حوار الأديان حوارا فعالا يتوصل إلى نتائج إيجابية، فلابد أن ينضبط للأفكار والمبادئ والقيم الثابتة.

ذات المهاجر وسؤال المواطنة

ومن القضايا المثيرة للتفكير في هذا المقام؛ قضية المواطنة والانتماء وهو عنصر يشكل ضغطا كبيرا على “ذات المهاجر”، ويؤكد على البعد الإشكالي لهذه العلاقة، وهو أكثر حدة في حالة المهاجر المجنس، فقانونيا يبدو المهاجر المجنس مواطنا من مواطني دول المهجر أو دولة المهجر، لكن على مستوى الهوية الذاتية وعلى مستوى “ذات المهاجر” تبدو القضية ذات أبعاد إشكالية تتطلب التفكير والتأمل، واقتراح الحلول، إذ كيف يمكن التوفيق بين «ذات المهاجر» وهويته الثقافية، التي يأبى التنازل عنها،20 لكن الكلام هنا يذهب في اتجاه من يأبى التنازل عن هويته وخصوصياته الذاتية.

تفهم المواطنة21 على أنها تحالف وتضامن بين أناس متساوين في الحقوق والواجبات تجاه الدولة، ويعني ذلك رفض أي نوع من التمييز بينهم على أساس الضوابط، التي تحددها الشروط المحددة للمواطنة؛ ويقتضي كذلك احترام الخصوصية الفردية، والتي يدخل ضمنها المعتقد الديني، وهو ما يفرض اعتبار الخصوصية الثقافية من الأمور الشخصية التي تفرضها حقوق المواطنة،22 خاصة إذا استحضرت الأبعاد المدنية والسياسية والثقافية والاجتماعية، والتي تقتضي ممارسة المواطن لحريته الفردية، ولحرية التعبير، وحرية المعتقد والعبادة وحق التملك والحق في العدالة، وحق المشاركة في الحياة السياسية وما يتطلبه ذلك من حق في التصويت واختيار التمثيلية في مؤسسات الدولة، فضلا عن الحق في العيش الكريم الجدير بالإنسان المتحضر على أساس المعمول به في المجتمع دون تمييز في ذلك. وفي ضوء هذه الحقوق تتأكد مواصفات المواطنة، ومنها قبول الاختلاف الثقافي، واحترام الخصوصية وحقوق الآخرين وحرياتهم، والأهم هو قبول ديانات مختلفة.23

تعتبر العدالة الكونية خطابا يقر بحقوق الإنسان على المستوى العالمي، وهو خطاب بات يميل اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، إلى الحديث عن مواطن كوني تحترم جميع حقوقه أينما كان وأينما حل وارتحل، والمنظمات التابعة للأمم المتحدة، التي تعنى بحقوق الإنسان تلح على ذلك، وتحرص على تنزيل مقتضيات هذه المواطنة الكونية، ويدخل في دائرتها حقوق المهاجر، الذي يحرص المنتظم الدولي في بعده الكوني على ضرورة أن يتمتع بجملة حقوق ومنها حقوقه الثقافية؛ لكن هذا الخطاب القوي، غالبا ما يصطدم بصخرة السياسة ومصالح الدول وسيادتها.24 وبعبارة أخرى إن أبعاد المواطن الكوني، الذي يقره المنتظم الدولي نفسه، مدخل من المداخل التي يمكن الولوج منها إلى “ذات المهاجر”، في أفق تفعيل حقوق المهاجرين الثقافية، وخاصة في الغرب.

يرصد دارس المساعي المختلفة، التي أقدمت عليها السلطات الفرنسية على سبيل المثال تجاه المهاجرين في أفق الاعتراف بحقوقهم باعتبارهم مواطنين، ومن خلال فتح حوار مع المهاجرين، (وفي مقدمتهم المسلمون الذين تعد ديانتهم، الديانة الثانية في فرنسا) أن المقاربة لم تخرج في الغالب عما هو أمني وسياسي، وهو عامل يحرص على الحوار وأبعاده في حدود المقاربة الأمنية، وهناك عامل آخر متصل بالمهاجرين المسلمين أنفسهم حيث يبرز في كثير من الأوقات الصراع الخفي بين الجمعيات الإسلامية نفسها لأسباب عديدة، فبعض هذه الجمعيات تقع تحت سيطرة بعض الدول التي تعمل على توظيفها في تصفيات حسابات مع دول منافسة، وهذا العامل لا يخدم قضية الحوار، ويقوض في الوقت نفسه إمكانية الذهاب إلى حوار ثقافي وفكري حقيقي، ويقدم في الوقت نفسه مبررات للسلطة الفرنسية لتضع قواعدها الموجهة للحوار،25 الذي تغلب عليه الهواجس الأمنية والسياسية، الأمر الذي تعيق قيام حوار يحترم الخصوصية الثقافية.

التفكير في قضية “ذات المهاجر” وذاته في علاقتها بالحوار الثقافي على العموم، وبحوار الأديان على وجه التحديد، محاط بالكثير من الصعوبات التي يثيرها الواقع، لأنها ذات طبيعة مركبة يحضر فيها التاريخي والعقدي، وتحضر فيها التراكمات الكثيرة، والتناقضات العميقة، وحتى الترسبات السلبية التي ميزت العلاقة بين الشرق والغرب، دينيا وثقافيا وسياسيا. بعبارة أخرى إن قضية “ذات المهاجر” في علاقتها بحوار الأديان، تستحضر بالضرورة تلك العلاقة المتوترة القديمة الحديثة والمتجددة بين الاسلام من جهة والمسيحية من جهة أخرى، وهو ما يطبع هذه القضية بطابع الحدة.

ولذلك وجب التنبيه إلى أن “ذات المهاجر” لها احتياجات وجب اخذها بعين الاعتبار ووجب استيعاب خصوصياتها وأبعادها، وهي لا تخرج في الغالب عن الرغبة في التوفيق بين الخصوصية الثقافية الذاتية والاستفادة مما يتيحه مكان الهجرة من فرص مختلفة، مع الرغبة في المساهمة الفعالة في نمو بلد الهجرة. وفي إطار مبادئ السلم والتسامح والتعايش.

مؤسسة إمارة المؤمنين وذات المهاجرالمغربي

تشكل الجالية المغربية المقيمة في أوربا نسبة مهمة من سكان أوربا، ويعرف عنها شدة تعلقها بهويتها، كما يعرف عنها كذلك احترامها لقوانين الدول التي تقيم فيها، والحرص على احترام شروط الإقامة الآمنة، التي تعود بالفائدة على المهاجر وعلى بلد الإقامة، وغير خاف مدى الارتباط المعنوي والروحي الذي يربط الجالية المغربية المهاجرة في أوروبا بجذورها الثقافية وكذلك الدينية، ومن هذا المنظور يمنها الاسهام في حوار الأديان بصورة ضمنية.

ظلت المملكة المغربية على مدى قرون عديدة محافظة على عمق تدن مبني على الاعتدال والوسطية والتسامح والتعايش، وتحرص المملكة المغربية اليوم وأكثر من أي وقت مضي على تقوية هذه الصورة، وعلى هذا الأساس تسند كل المؤشرات نجاح الرؤية المغربية في وضع أسس قوية تحقق جوهر حوار ثقافي إيجابي بين ذات المهاجر من جهة والواقع الثقافي السائد في الغرب من جهة أخرى، ولا يخفى البعد الديني الحاضر بقوة في هذا الواقع، الذي تغديه تراكمات كثيرة تأبى التخلص من تلك المواقف السلبية تجاه الاسلام والمسلمين.

هناك عوامل كثيرة تاريخية وثقافية وسياسية ساهمت في تشويه صورة الإسلام، وآخر تلك التشويهات ترسيخ اقتناع بكون الإسلام دين قتل وإرهاب، وهي صورة لا تمت للإسلام بصلة وغريبة عن حقيقته.26 ورؤية إمارة المؤمنين لم توفر جهدا من أجل تصحيح هذه الصورة الإسلام بكل السبل العلمية والعملية، وبدعم كل نوايا الحوار المباشر أو الضمني التي يتم الدعوة إليها.

انطلاقا من هذه الرؤية؛ تبرز أهمية مؤسسة “إمارة المؤمنين” وأهميتها في بعدها الشمولي، وفي تركيزها على قبول الاختلاف، باعتباره ثابتا من الثوابت التاريخية الضاربة في القدم والتي تستمد مقوماتها من روح التصور الإسلامي، ومن شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم27 الذي أعطى لقيمة الاختلاف دلالتها الفعلية في التعامل مع المخالف ومع الأقليات.28 ومن هنا فإن ارتباط “ذات المهاجر” القوي، نقصد المهاجر المغربي بإمارة المؤمنين في بعدها المعنوي قبل بعدها المؤسسي ضمانة دقيقة تمنح الشرعية الأخلاقية والدينية على “ذات المهاجر”، وتقدم الاطمئنان لبلد الهجرة وتبدد كل الشكوك التي تحوم حول الاسلام كما تروجها بعض الأطراف.

إمارة المؤمنين في العمق رؤية للعالم، قائمة على الاسلام السمح الوسطي المعتدل، وارتباط “ذات المهاجر” بهذا البعد في بعده المعنوي هو جواز المرور لهذه الذات في المجتمع. وغير خاف طبيعة الخطاب الذي تتبناه إمارة المؤمنين في مجال حوار الحضارات القائم على قبول الاختلاف وعلى التسامح والتعايش، وتأكد ذلك من خلال الزيارات التي قامت بها مؤسسة البابا إلى المغرب بدعوة من أمير المؤمنين، وهي أحداث لها أهميتها وقيمتها المعنوية التي لا تخفى،29 والتي تؤكد أن المملكة المغربية ممثلة فيما تمثله مؤسسة إمارة المؤمنين من رمزية دينية وبعد معنوي روحي تأكد أن قيم التسامح وقبول الاختلاف، ليست مجرد شعار بل هي حقيقة واقعة تسندها الأحداث وتراكم مستمر لا ينقطع.

وبخصوص “ذات المهاجر” المغربي، وجب الإلحاح على عمق ارتباط الذات بروح إمارة المؤمنين في أبعادها الروحية القوية والتي تستمد مقوماتها من تاريخ طويل من التسامح والتعايش وقبول الاختلاف واعتبار ذلك من مرتكزات الخصوصية الحضارية المغربية، التي صارت اليوم مضرب المثل على المستوى الإفريقي على وجه التحديد، وعلى المستوى العالمي، وهذا البعد الوسطي الذي ما فتئت مؤسسة إمارة المؤمنين تؤكده في كل مناسبة، وتلح عليه هو أهم سند لـ”ذات المهاجر” يقول أمير المؤمنين: «إذا كان كرم الضيافة من شيم المغاربة، فإنه يشمل أيضا ً كرم الروح. ففي بيئته ينشأ الاحترام وقبول الآخر، ويزدهر التنوع الثقافي. وقد جسدنا هذه الميزة، التي تجعل من المغرب بلدا ً متعددا ً ومتنوعا، في إطار الوحدة الوطنية، من خلال جملة من المبادرات على الأصعدة الوطنية والإقليمية والدولية. فقد واصلنا هذا الانخراط في مسار النهوض بهذه القيم النبيلة، منذ اعتلائنا العرش، ولم ندخر جهدا ً في سبيل تعزيز المكتسبات التي راكمها المغرب على مر العصور. فالنموذج المغربي يتميز بتفرده على المستوى الإقليمي، من حيث دستوره، وطبيعة واقعه الثقافي، وتاريخه الطويل، الذي يشهد على تجذر التعايش، لاسيما بين المسلمين واليهود في أرضه، وانفتاحه على الديانات الأخرى»30 ما ينبغي الوقوف عليه في كلمة أمير المؤمنين، هو نحثه لمفهوم عميق الدلالة وهو مفهوم “كرم الروح” وفي هذا إلحاح على الأبعاد الروحية، التي تميز الشخصية المغربية، ويلح عليها الخطاب الرسمي للملكة المغربية، لأنه نتاج تراكم طويل من التجربية التواصلية والحضارية والثقافية، التي ميزت المغاربة وطبعت شخصيتهم في الاتجاهات العالم الأربع جنوبا وشرقا وشمالا وغربا، فالمغرب كما يوحي بذلك هذا الخطاب قد فاض كرمه الروحي على العالم.

المجتمع المغربي يملك من الخصوصيات العملية الشيء الكثير فلقد تعايش المغاربة لقرون عديدة فيما بينهم وصنعوا لحمة واحدة بين المسلمين واليهود تعرف اليوم باللحمة المغربية. وعلى هذا الأساس تبنى فلسفة الحوار الثقافي عموما وحوار الأديان على وجه الخصوص في رؤية أمير المؤمنين، والذي يؤكده في الخطاب الذي ألقاه في حفل استقبال البابا فرنسيس.31 وفي الرسالة الموجهة إلى المشاركين في الدورة التاسعة للمنتدى العالمي لتحالف الحضارات.32

ومما ينبغي الوقوف عليه في خطاب أمير المؤمنين هو تلك الإشارة الذكية جدا لقضية الهجرة. فإذا كانت الهجرة مشكلا يؤرق الدول كما سلف الذكر فإن المملكة المغربية ممثلة في إمارة المؤمنين تنظر بعين أخرى مختلفةإيجابية؛ فالهجرة بالنسبة لأمير المؤمنين ينبغي النظر إليها من زاوية الخصوصية المغربية المطبوعة بالتعايش وبكوار الحضارات وبحوار الأديان ولم تدخر جهدا في سبيل إغناء تجربته في هذا الباب، يقول: «فإذا كان البعض لا ينظر إلى الهجرة إلا من منظور ما تنطوي عليه من تحديات، فإن المغرب يعتبرها فرصة مافتئ يستثمرها، تأكيدا ً منه لاعتزازه بعمقه الإفريقي، حيث تستقبل المملكة عددا ً متزايدا ً من المهاجرين من بلدان جنوبي الصحراء، من منطلق الطابع الإنساني والإرادي لسياسة الهجرة التي نعتمد إذا كان كرم الضيافة من شيم المغاربة، فإنه يشمل أيضا ً كرم الروح. ففي بيئته ينشأ الاحترام وقبول الآخر، ويزدهر التنوع الثقافي»33

وفي ضوء هذه الملاحظات تبرز قضية الإرهاب التي ألصقت بصورة أم بأخرى بالإسلام والمسلمين، وهي تهمة لا تمت لحقيقة الإسلام بصلة، وغير خاف ما سببته مثل هذه التهمة من آثار سلبية استغلها أعداء الحوار الحضاري وحوار الأديان للتضييق على المهاجرين وخاصة في أوربا، ولعل أكبر دليل على ذلك هو تنامي شعور الخوف من الاسلام الذي يختزله مفهوم الإسلاموفوبيا. و”ذات المهاجر”غير بعيدة عما تخلفه مثل هذه الدعوات من أثر وتأثير، لأن هذه الدعوات تؤثر نفسيا وقد تكون عائقا يحول دون اندماج المهاجر بكليته في بناء واقع مكان الهجرة أو بلد الهجرة أو بنائه، وقد يكون سببا في اتساع الهوية بين “ذات المهاجر” وطبيعة مكان الهجرة الثقافية والاجتماعية في بعض الجوانب التي لا تتعارض واقتناعاته الثقافية. ومن فإن الشعور “ذات المهاجر”بعدم الارتياح النفسي والاطمئنان قد يكون عامل لجوء “ذات المهاجر”إلى تهميش ذاتها.

لا يمكن تصور قيام حوار إلا في ظل وجود اختلاف ووجود تباين في الرؤى والتصورات والمواقف، وعلى أساس أن غاية الحوار هي البحث عن ممكنات الالتقاء والفهم والتفاهم، وغير خاف أن التباين والتنوع والاختلاف أمر ملازم للطبيعة البشرية، بل هو سنة كونية أوجدها الله من أجل توسيع دائرة التعارف والتقارب بين البشر. وذلك لأن التباين المعرفي والتعدد المرجعي والاختلاف الأيديولوجي وحتى السياسي يرجح ضرورة الحوار من أجل التوصل إلى أكبر قدر ممكن من التفاهم والتقارب والتواصل. لقد خلق الله تعالى الإنسان من نفس واحدة، فالإنسانية واحدة، لكن هذه الوحدة قائمة على الاختلاف والتنوع وليس على التماثل والتطابق،34 وإبراز الوحدة في التنوع ثم دعوة الناس على أساس ذلك إلى التعارف هو غاية الاختلاف، لأن الاختلاف آية من آياته تعالى.

ومن هنا فإن مقارنة قضية أصالة حوار الأديان في الفكر الإسلامي، بمدى أصالتها في الفكر الغربي عموما والفكر الديني على الخصوص يبرز افتقاره لهذه الأصالة، ويرجع ذلك إلى العديد من الأسباب منها المتصل عموما بعمقه الفكري الذي لم يستسغ في الغالب نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والحرص الشديد على فكرة النجاة والخلاص، أي خلاص الإنسانية. ويرجع العامل الآخر إلى البعد السياسي الذي غلب على نظرة الفكر الديني الغربي أو بالأحرى الفكر الديني المسيحي، فمفهوم الغرب لحوار الحضارات ومن خلال ذلك حوار الأديان قد ظل خاضعا للفكر تبريري سياسي، من خلال تبرير العلاقات الدولية.

وإن حوار الحضارات ليس من ألفاظ العلاقات الدولية، فجميع المواثيق والعهود الدولية التي صدرت بعد إنشاء منظمة الأمم المتحدة تخلو من إشارة إلى لفظ الحوار، وتعتمد معان أخرى مثل التسامح والتعايش والتعاون من أجل إنماء العلاقات الدولية.35 وعلى هذا الأساس تبدو نظرة الغرب لحوار الحضارات محكومة بالسياسي. وانطلاقا من هذا البعد ينبغي التمييز بين الحوار باعتباره ممارسة بين طرفين على الأقل، وهو اتجاه بات يغلب على طبيعة الأنشطة التي تقوم بها المؤسسات والمنتديات المختلفة وغير البريئة والمحكومة ببعد أيديولوجي، وأما الاتجاه الثاني فهو الاتجاه الذي إلى يرى الحوار تفاعلا وتبادلا لتأثير، وهو قديم قدم الإنسان، بل إن استمرار وجود الإنسان على وجه الأرض قد ارتبط بتفاعل أفراد المجتمع الإنساني وتواصلهم فيما بينهم. وعلى هذا الأساس يتأكد البعد الحواري للحضارات والثقافات، فالحضارات والثقافات لا تتصارع ولا تتصادم بل تتحاور وتتثاقف، ومن المؤكد أن أي حضارة لم تنشأ من فراغ ولكن نشأت من خلال تأثرها بحضارة أخرى سبقتها أو عاصرتها. وهو أمر يؤكده أرنولد توينبي في كتابه ‘مختصر لدراسة التاريخ’.36 وأكده غير توينبي عدد من المفكرين، وسرد الّادبيات التي تؤكد هذه الحقيقة يحتاج إلى حيز واسع، لكنها لم تخرج في الغالب عن تأكيد تفاعل الحضارات فيما بينها وتأثر بعضها ببعض. يقول محمد الكتاني: «إن هذه الظاهرة التي عمت سياق التاريخ الحضاري فيما يعبر عنه “بحوار الحضارات” أي تفاعلها فيما بينها، وتأثيرا وتأثرا، عبر العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، هذا الحوار الذي يعني ضمنيا قيام التعايش بين كل الثقافات والحضارات التي لا مناص لها من الخضوع لقانون التمثل والانتقاء والاقتباس»37

ولهذا يرى البعض بأن نزع فتيل الصراع في حوار الحضارات يجب أن يقوم على ترك السياسة جانبا، ولذلك فإن حوار الأديان يكون ناجعا ويستطيع تحقيق غاياته وأهدافه عندما يتم التركيز في هذا الحوار على قيم التعايش والتسامح وعلى المشترك الأخلاقي والقيمي الذي ينزع التوتر عن المجتمع الإنساني. 38

إن كل حوار ناجح ينبغي أن يتم ببعد فكري خالص مخلص للحوار وثقافته، ومقطوع عن كل هدف وغاية مصلحية أو غاية سياسية، لأن المصالح والرغبة في تحقيق أهداف تروم التسلط على سبيل المثال، وتروم إبراز التفوق الحضاري أو الديني أو الثقافي، أو تروم فرض نموذج حضاري أو ثقافي فرضا دون احترام للخصوصيات، لن يتقدم بالحوار إلى الإيجابي. وقد لا يعسر على المهتم بقضية حوار إدراك أن دعوات الحوار، وخاصة تلك التي يدعو إليها الغرب تحت يافطات مختلفة ذات أبعاد بلاغية خالية من كل معنى وخالية من كل مرام حقيقية عملية وفعلية، وبعبارة أخرى إن الغرب هو الذي يحدد قواعد الحوار وضوابطه، وفي ظل ظروف تخدم مصالحه من الصدام والحوار. فأغلب الحوارات التي تمت في الآونة الأخيرة كانت اقرب إلى المونولوغ منها إلى الحوار39. لأن الغرب هو الذي يحدد رغم الشعارات والعبارات الرنانة طبيعة الحوار ، ويحدد طبيعة النتائج والغايات المراد التوصل إليها. ويوجه حقيقة العلاقة التي تربطه بالنماذج الحضارية المختلفة التي حدد الغرب أو الفكر الغربي ماهيتها، وحدد مصيرها ومستقبل العلاقة التي ستربطها بنماذج حضارية أخرى، في ظل الإيمان بسيادة اكتمال شخصية النموذج الحضاري الغربي وإعلان نهاية التاريخ على أساس.40 وأغلب الظن أن فكرة ‘النظام العالمي الجديد، التي سادت في مرحلة ما بعد الحرب البردة، وتفكك المعسكر الشرقي الاشتراكي الشيوعي، لم يكن سوى سعي فكري من أجل بناء وعي يؤكد تفوق النموذج الحضاري الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. وقد يتفهم المهتم طبيعة التصور الغربي المدفوع برغبة جامحة في الدفاع عن مصالحه والحفاظ عليها، وخاصة باللجوء إلى بناء وعي المجتمع الدولي على أساس هذه الحقيقة الماثلة للأعيان، وبالتالي فإن دعوات الحوار المختلفة وخاصة الآتية من الغرب هي مجرد حفر فكري في وعي الإنسانية من أجل تأكيد التفوق الحضاري. وتفهم هذا الوضع لا يعني بالضرورة إلغاء الخصوصيات، ولا يعني التنكر للقيم الأخلاقية السامية التي تدعو إليها الأديان، ويؤكدها المشترك الإنساني في هذا الباب. وبعبارة أخرى الحوار الناجح الذي بمقدوره تحقيق نتائج حقيقية والذي بإمكانه تحقيق التقارب الفكري والذي يحقق التفاهم والتعايش ويحقق التسامح هو الحوار الذي يتم على أساس صرح فكري بعيد عن السياسي والمصالح السياسية والاقتصادية، وبعيدا عن فكرة التفوق بمختلف أنماطه وأنواعه.

مراجع المقاربة

الإسلام والمسيحية، من التنافس إلى آفاق الحوار والتفاهم، ألسكي جورافسكي، ترجمة: د. خلف محمد الجراد، دار الفكر المعاصر، بيروت ـ لبنان، ودار الفكر، دمشق ـ سورية، يونيو 2000

الهجرة الدولية وإشكالية التطرف: الدار المغربية للنشر والتوزيع، المغرب ودار الكلمة للنشر والتوزيع، مصر/ القاهرة، ط1: 1443هـ ـ 2022م.

التعايش مع الآخر في ضوء السيرة النبوية الأسس والمقاصد، د.علي جمعة، سلسة البيان: عدد 25، بروج للأدوات المدرسية، القاهرة 2017.

ثقافة الحوار في الإسلام من التأسيس إلى التأصيل، محمد الكتاني، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ط/1 مطبعة النجاح الجديدة:1428هـ ـ 2007م.

جدل حوار الحضارات وثقافاتها ـ قراءات في المدخل والمقدمات ـ د. محمد جكيب ، ضمن: الحوار والتعايش مداخل وروى، منشورات مختبر دراسة الفكر والمجتمع، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط.

جميل مطر، حوار الحضارات .. السياسي أولا

دور مسلمي أوربا في تفعيل حوار الحضارات، دراسة تحليلية حالة مسلمي فرنسا، مرسي مشري وعامر مصباح .

صور من علاقة التفاعل بين الحضارة الإسلامية والحضارات الأخرى، محمد الكتاني، الأكاديمية، عدد 22/ 2005.

ظاهرة الهجرة عند عبد المالك صياد : من السياق التاريخي إلى النموذج السوسيولوجي، عبد الله بلعباس، مجلة إنسيات، المجلة الجزائرية في الأنثروبولوجيا والعلوم الاجتماعية، العدد 62/2013.

الغربة والاغتراب في لسان الآخر، نقد مالك حداد للخلفية الثقافية الاستعمارية للسان الفرنسي، عزيز المحساني ضمن: اللسان العربي والاحتلال، مقاربة نظرية تأسيسية في مسألة التأثير والتأثر، جامعة محمد الأول، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، وجدة المملكة المغربية، ومركز فاطمة الفهرية للأبحاث والدراسات: نشر وتوزيع ركائز للنشر والتوزيع، الأردن، 2021.

فقه الحوار مع المخالف في ضوء السنة النبوية، رقية طه العلواني، نشر مؤسسة نايف بن عبد العزيز آل سعود للسنة النبوية والدراسات الإسلامية المعاصرة، المدينة المنورة، ط1/ 2005

المجلس الفرنسي للديانات الإسلامية، وعوائق تجسيد حوار الحضارات في فرنسا، د. مرسي مشري، مجلة المعيار، المجلد 11 العدد 04/ 2020.

المرشد الأمين للبنات والبنين، رفاعة الطهطاوي، دار الكتاب المصؤي، مكتبة الاسكندرية، دار الكتاب اللبناني/ 2011

نص خطاب أمير المؤمنين الموجه إلى المشاركين في الدورة الثانية للمؤتمر الدولي لحوار الثقافات والأديان بفاس، يوم الاثنين 10 شتنبر 2018.

نقد مفهوم الاغتراب عند هيغل، تاريخية المفهوم وحضوره السجالي في التداول الغربي المعاصر، محمد أمين بن الجيلالي، مجلة الاستغراب، العدد 14، شتاء 2019.

الهجرة في سبيل الله، ضمن: الاستقامة في العمل والدعوة، فتح الله كولن، ترجمة أروخان محمد علي، د. عبد الله محمد عنتر، دار النيل للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى: 2015، القاهر، مصر.

الهجرة من منظور نفسي، جان كيزيلهان، ترجمة د. سامر جميل رضوان

Dialogues entre musulmans et non-musulmans, S’apprivoiser pour mieux vivre ensemble en Belgique, Morgane Devries Et Altay Manço, in homme et migrations, 1316/5017 L’islam en Europe 

Immigration, cosmocitoyenneté et justice globale, MBONDA, Ernest-Marie In : Le cosmopolitisme : Enjeux et débats contemporains [en ligne]. Montréal : Presses de l’Université de Montréal, 2010 Disponible sur Internet :

1 يختزل مفهوم “ذات المهاجر” الموظف في هذه المقاربة الأبعاد المعنوية المكونة لهوية المهاجر والمتصلة بجذوره المتمثلة في الدين والثقافة والحضارة والتاريخ…

2 التأمل في مختلف الأدبيات، والدراسات التي جعلت من قضية الهجرة موضوعها، يكشف أن كل حقول العلوم الإنسانية لها اهتمام من زاوية تخصصها بقضية الهجرة، وهو ما يعكس مدى إلحاحها على النظر الفكري، وعلى المنتظم الدولي.

3 كما قضايا أخرى كقضية الاحتباس الحراري، والفقر، وانعدام الأمن والاستقرار، وانعدام التوازن الاقتصادي، وغياب العدالة، واتساع الفوارق بين الفقراء والأغنياء وغيرها.

4 Dialogues entre musulmans et non-musulmans, S’apprivoiser pour mieux vivre ensemble en Belgique, Morgane Devries Et Altay Manço, in homme et migrations, 1316/5017 L’islam en Europe : P P 119 – 128.

5 تتعدد تعاريف الهجرة، وتكاد هذه التعاريف تلتقي عند كونها انتقال للأفراد والجماعات من نطاق جغرافي إلى آخر، لأسباب اجتماعية والاقتصادية، وكذلك لأسباب ثقافية. وقد تكون دائمة أي مرتبطة باستقرار المهاجر في مكان او بلد الهجرة، وقد تكون مؤقتة، أي أنها تدوم لفترة، قبل عودة المهاجر إلى موطنه الأصل. للتوسع أكثر ينظر الهجرة إلى أوربا عبر شمال إفريقيا (الأسباب والتداعيات) د. عمر سعيد محمد الفلاَّح، مجلة القرطاس، العدد التاسع يوليو 2020، جامعة الزاوية، كلية الاقتصاد العجيلات.

6 للتوسع في الموضوع ينظر: الهجرة الدولية: المفهوم ومنظورات التفسير، أ. سليم دحة، مجلة العلوم القانونية والسياسية، العدد السادس يناير (كانون الثاني) 2013

7 يعود تواجد المسلمين وهجرتهم إلى أوربا بداية القرن الثامن الميلادي، والغالب أن استقرار المسلمين في أوربا يعود لهذا التاريخ. أنظر: دور مسلمي أوربا في تفعيل حوار الحضارات، دراسة حالة مسلمي فرنسا، مرسي مشري وعامر مصباح.

8 أمال الزروالي، هجرة الأدمغة والكفاءات المغربية نحو الخارج.. إلى أين؟، موقع مواطن، 17 مارس 2019،

9 الهجرة في بعدها الفعلي، أو العملي مارسها الإنسان منذ فجر التاريخ؛ فلقد عاش الإنسان القديم الهجرة ومارسها بفعل عوامل كثيرة وبتأثير أسباب عديدة، وتاريخ الهجرة يجسد تاريخ إعمار الأرض وبناء الحضارة، بل إن في كل حضارة وفي كل مرحلة تاريخية توجد عنصر هجرة أثر بكثير أم بقليل في طبيعة تلك الحضارة. واليوم تبدو الهجرة أكبر إشكال يواجه الحضارة المعاصرة، والخوف من نتائج الهجرة هو خوف من المخاطر التي تهدد الهويات الحضارية، قد تكون اقتصادات الدول المتقدمة والتي هي هدف الهجرة وخاصة الهجرة غير الشرعية في حاجة للقوة العامة التي تحتاجها الآلة الصناعية والآلة الاقتصادية، وتحتاجها مجالات أخرى دون تكاليف باهضة، مقارنة بما تتطلبه اليد العاملة القانونية، ورغم ذلك فإن الخوف الأكبر من الهجرة غير القانونية يأتي مما تشكله الهجرة من تهديد للهوية المحلية

10 ينظر، الهجرة في سبيل الله، ضمن: الاستقامة في العمل والدعوة، فتح الله كولن ترجمة أروخان محمد علي، د. عبد الله محمد عنتر، دار النيل للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى: 2015، القاهر، مصر: ص ص: 259 ـ 272.

11 أنظر ظاهرة الهجرة عند عبد المالك صياد : من السياق التاريخي إلى النموذج السوسيولوجي، عبد الله بلعباس، مجلة إنسيات، المجلة الجزائرية في الأنثروبولوجيا والعلوم الاجتماعية، العدد 62/2013، ص ص: 25 ـ 38.

12 يقابل الاغتراب َAliénation من بين أبرز التصدعات الناجمة عن حالة الاغتراب، الشعور بالعزلة عن الثقافة والتاريخ والإحساس بالضعف الاجتماعي الناجم عن شعور التهميش الذي يجده المهاجر المغترب من قبل السلطة، لأنه في النهاية مجرد غريب، وموضوع الاغتراب من أعم القضايا التي تعرض لها كبار الفلاسفة في تأملاتهم، ومنهم على سبيل التمثيل هيغل الذي خصص لها حيزا مهما من تأملاته الفلسفية، للتوسع في هذا الموضوع ينظر: نقد مفهوم الاغتراب عند هيغل، تاريخية المفهوم وحضوره السجالي في التداول الغربي المعاصر، محمد أمين بن الجيلالي، مجلة الاستغراب، العدد 14، شتاء 2019

13 قد تفقد الهوية غصبا، وذلك عندما يفرض على الذات ترك كل مكونات هويتها أو بعضها، ومنها اللغة، ولذلك كان تعبير مالك حداد باللغة الفرنسة تجسيدا لرفضه لما تعرضت له هوية الجزائريين من طمس للهوية اللغوية العربية، التي كان يعجز عن التعبير بها ويتألم لذلك، لكنه اتخذ من لغة الاستعمار وسيلة للتعبير عن اغترابه. أنظر عزيز المحساني: الغربة والاغتراب في لسان الآخر، نقد مالك حداد للخلفية الثقافية الاستعمارية للسان الفرنسي، ضمن: اللسان العربي والاحتلال، مقاربة نظرية تأسيسية في مسألة التأثير والتأثر، جامعة محمد الأول، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، وجدة المملكة المغربية، ومركز فاطمة الفهرية للأبحاث والدراسات: نشر وتوزيع ركائز للنشر والتوزيع، الأردن، 2021: ص ص 151 ـ 172.

14 عن سامر جميل رضوان: الهجرة من منظور نفسي، ترجمة د. سامر جميل رضوان

15 شريطة ألا تكون مكونات هذه الهوية مشوهة وممسوخة.

16 يقول ألسكي جورافسكي: «ففي نهاية العصر القديم، وفي القرون الوسطى يمكننا أن نتتبع في المسيحية التأثيرات المتبادلة بين النزعات الداعية إلى التنسيق (مع الأديان الأخرى) والنزعات الكليانية أو الشمولية، التي ترى أنه يتوجب على المسيحية أن تستوعب الثقافات، وحتى الديانات الأخرى، وتضمها تحت جناحها، وضمن أطرها العقائدية ـ كذا ـ. وإننا لواجدون عند كبار المفكرين المسيحيين بدءا من أغسطين وانتهاء بتوما الأكويني فكرة عامة ملازمة تقول: إن تطور الإنسانية يجب أن يفضي حتما إلى ملكوت المسيح، وهو تطور يجب ان يستوعب في داخله العالم كله، وفي الوقت ذاته، «…فإن مَلِكَنَا على حق، وأما غير المسيحيين فهم ليسوا على حق» ((أغنية رولان)). في القرون الوسطى طرحت في أوربا ـ على أرضية مسيحية ـ الوحدة الثقافية للشعوب الرومانية ـ الجرمانية. وفي الوقت نفسه صارت المسيحية ذاتها إيديولوجية للمركزية الغربية، التي ظهرت في القرون الوسطى في هيئة ((مركزية مسيحية))». الإسلام والمسيحية، من التنافس إلى آفاق الحوار والتفاهم، ترجمة: د. خلف محمد الجراد، دار الفكر المعاصر، بيروت ـ لبنان، ودار الفكر، دمشق ـ سورية، يونيو 2000: ص 19.

17 وخاصة عندما تكون مكثفة وقوية.

18 وبكلام آخر، إن النظر إلى الموضوع من زاوية “ذات المهاجر” مرتبطة أشد ما يكون الارتباط بالدين، لأن المهاجر. كما سلف الذكر كيان وهوية وخصوصية ثقافة وانتماء حضاري، وهي أي “ذات المهاجر”عندما تهاجر، تحمل هذا كله إلى واقع ثقافي آخر وواقع اجتماعي مختلف، لتبدأ رحلة المكابدة الواعية أم غير الواعية، وتبدأ مواجهة الإكراهات التي يفرضها مكان الهجرة.

19 لا حديث اليوم في أغلب المنتديات الثقافية والفكرية والإعلامية والسياسية، إلا عن الحوار وما يتصل به من قضايا وأحداث ونقاشات لا تنتهي، حتى ليخيل للمرء بأن الأمر يتعلق بعصا سليمان، أو بخاتم سحري يحقق المستحيلات، في ضوء تعدد الدعوات للحوار والتعايش والتسامح، وغيرها من المفاهيم، التي تذكر في الغالب بالارتباط بهذا المفهوم السحري، الذي هو الحوار، حين يتم في الغالب اقتراح الحوار ونبذ الخلاف، سبيلا لتجاوز مشكلات الإنسان المعاصر، الاجتماعية والثقافية والسياسية وغيرها، فخطاب الحوار اليوم يوحي بأن كل شيء يمكن حله بتوظيف هذا المفهوم منهجا ورؤية، أو أريد له ذلك، فهذا الشعار لا تكاد عباراته تتغير ولا إطاره النظري، وإن تغيرت الأزمات وطبيعتها، “كل شيء يحل بالحوار”، كل المؤشرات تؤكد بأن الشعار صار مفتاحا لتقريب وجهات النظر المختلفة، والبحث عن الحيز المشتركة. فهل الزخم الفكري والمعرفي، الذي أحيط به المفهوم والمفاهيم الأخرى المدرجة في حقله المعجمي والمعرفي يؤهلها لتكون مفتاحا لحل أزمات الإنسان المعاصر؟ ينظر في هذا الإطار د. محمد جكيب، جدل حوار الحضارات وثقافاتها ـ قراءات في المدخل والمقدمات ـ ، ضمن: الحوار والتعايش مداخل وروى، منشورات مختبر دراسة الفكر والمجتمع، جامعة شعيب الدكالي، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، دار أبي رقراق للطباعة والنشر/ الرباط: ص ـ ص: 15 ـ 50: ص 16.

20 وبالطبع فإن من قرر التنازل عن هذه الهوية طواعية فهو غير معني بهذا الإشكال.

21 أول من وظف الوطني والوطنية والوطن بمعناها السياسي في العالم العربي جاء على لسان الطهطاوي (1873 -1801) يقول: «ثم إن ابن الوطن المتأصل به أو المنتمي إليه الذي توطن به، واتخذه وطنا ينسب إليه تارة إلى اسمه (وطني)، ومعنى ذلك أنه يتمتع بحقوق بلده يستلزم ضمنا ضمان وطنه له التمتع بالحقوق المدنية والتمزي بالمزايا البلدية» وما يؤكده الطهطاوي في هذا المقام هو الحاحه على تلك الروابط التي يجدها المرء في نفسه تجاه موطنه، إذ لا قدرة له على التنازل عنها، بل هي تنتقل معه أينما رحل وارتحل، إذ يشده الحنين إليها دائما وأبدا. أنظر: المرشد الأمين للبنات والبنين، رفاعة الطهطاوي، دار الكتاب المصؤي، مكتبة الاسكندرية، دار الكتاب اللبناني/ 2011: ص ص: 199 – 210

22 وعلى هذا الأساس تنص بعض القوانين على عدم إدراج المعتقد الديني في الاحصاءات التي تقوم بها الدول، فالقانون الفرنسي لسنة 1872م يمنع طرح سؤال يتعلق بديانة المحصي أو معتقده، واعتبرته الجمهورية الثالثة أمرا شخصيا، كما جاء في قانون الإعلام والحريات لسنة 1978م المادة الثامنة التي تقول: «لا يجوز جمع أو معالجة بيانات شخصية، من شأنها إظهر بشكل مباشر أو غير مباشر، الأصول العرقية أو الاثنية، أو الآراء السياسية أو الفلسفية أو الدينية أو الانتماء النقابي للأشخاص، أو تلك المتعلقة بالصحة أو الحياة الجنسة لهم» ينظر مرسي مشري وعامر مصباح، دور مسلمي أوربا في تفعيل حوار الحضارات، دراسة تحليلية حالة مسلمي فرنسا،: ص 142

23 نحو منظور حضاري لأسس المواطنة في دول الغرب، أ. د. بوحنة قوي، ضمن الكتاب الجماعي: الهجرة الدولية وإشكالية التطرف: الدار المغربية للنشر والتوزيع، المغرب ودار الكلمة للنشر والتوزيع، مصر/ القاهرة، ط1: 1443هـ ـ 2022م: ص ـ ص89 ـ 110: ص 90 ـ 91.

24 للتوسع أكثر في موضوع المواطنة الكونية يمكن الرجوع إلى:

MBONDA, Ernest-Marie. 9. Immigration, cosmocitoyenneté et justice globale In : Le cosmopolitisme : Enjeux et débats contemporains [en ligne]. Montréal : Presses de l’Université de Montréal, 2010 Disponible sur Internet : .

25 للتوسع في هذا الموضوع ينظر: المجلس الفرنسي للديانات الإسلامية، وعوائق تجسيد حوار الحضارات في فرنسا، د. مرسي مشري، مجلة المعيار، المجلد 11 العدد 04/ 2020؛ ص ـ ص 25 – 37.

26 للتوسع في الموضوع ينظر: الإسلام ومسارات الاغتراب، د. فرج بالحاج، نشر وتوزيع محمد الأطرش للنشر والتوزيع ط/1 مارس 2019: ص ص 14 ـ 32.

27 ينظر: التعايش مع الآخر في ضوء السيرة النبوية الأسس والمقاصد، د.علي جمعة، سلسة البيان: عدد 25، بروج للأدوات المدرسية، القاهرة 2017.

28 لقد أرسى الخطاب القرآني، أسس الحوار وقبول الاختلاف من خلال النماذج الكثيرة الواردة في القرآن الكريم، والتي يغلب عليها البعد التربوي التوجيهي، مما يدل على أن التوجيه الإلاهي يؤكد أهمية الاختلاف وضرورة ممارسة الحوار بمنهجية واضحة قوامه العقل والقناع واحترام الاختلاف. للتوسع في حقيقة ثقافة الحوار في الفكر الإسلامي يمكن الرجوع إلى: ثقافة الحوار في الإسلام من التأسيس إلى التأصيل، محمد الكتاني، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ط/1 مطبعة النجاح الجديدة:1428هـ ـ 2007م.

29 كانت أول زيارة لقداسة بابا الفاتكان، البابا البولوني الجنسية يوحنا بولس الثاني، إلى المملكة المغربية بدعوة رسمية من أمير المؤمنين الحسن الثاني التي وجهها له أثناء زيارته للفاتيكان سنة 1980، وهو ما قام به البابا فعلا سنة 1985، وتميزت الزيارة بالكلمة التي ألقاها أمام حشد كبير من الشباب المغربي تحدث فيها عن الإسلام والمسيحية وفرص بناء جسورللحوار والتقفاهم، ولعل أهم ما يمكن تسجيله هو البعد المؤسسي لإمارة المؤمنين الذي تمت زيارة قداسة البابا للمغرب في إطاره.

وأما الزيارة الثانية فكانت في عهد الملك محمد السادس يوم 30 مارس 2019، وتميزت الزيارة بالاسبقال الذي خص به قداسة البابا في ساحة مسجد حسان لدلالته التاريخية والثقافية والحضارية كما أبرز ذلك صاحب الجلالة في كلمته، التي قال فيها:« وقد حرصنا على أن يعبر توقيتها ومكانها، عن الرمزية العميقة، والحمولة التاريخية، والرهان الحضاري لهذا الحدث. فالموقع التاريخي، الذي يحتضن لقاءنا اليوم، يجمع بين معاني الانفتاح والعبور والتلاقح الثقافي، ويشكل في حد ذاته رمزا للتوازن والانسجام. فقد أقيم بشكل مقصود، في ملتقى نهر أبي رقراق والمحيط الأطلسي، وعلى محور واحد، يمتد من مسجد الكتبية بمراكش، والخيرالدة باشبيلية، ليكون صلة وصل روحية ومعمارية وثقافية، بين افريقيا وأوروبا. وقد أردنا أن تتزامن زيارتكم للمغرب مع شهر رجب، الذي شهد إحدى أكثر الحلقات رمزية من تاريخ الإسلام والمسيحية، عندما غادر المسلمون مكة، بأمر من النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولجؤوا فرارا من الاضطهاد، إلى النجاشي، ملك الحبشة المسيحي. فكان ذلك أول استقبال، وأول تعارف متبادل بين الديانتين الإسلامية والمسيحية. وها نحن اليوم، نخلد معا هذا الاعتراف المتبادل، من أجل المستقبل والأجيال القادمة.» وأضاف قائلا:« تأتي زيارتكم للمغرب، في سياق يواجه فيه المجتمع الدولي، كما جميع المؤمنين، تحديات كثيرة. وهي تحديات من نوع جديد، تستمد خطورتها من خيانة الرسالة الإلهية وتحريفها واستغلالها، وذلك من خلال الانسياق وراء سياسة رفض الآخر، فضلا عن أطروحات دنيئة أخرى. وفي عالم يبحث عن مرجعياته وثوابته، فقد حرصت المملكة المغربية على الجهر والتشبث الدائم بروابط الأخوة، التي تجمع أبناء إبراهيم عليه السلام، كركيزة أساسية للحضارة المغربية، الغنية بتعدد وتنوع مكوناتها. ويشكل التلاحم الذي يجمع بين المغاربة، بغض النظر عن اختلاف معتقداتهم، نموذجا ساطعا في هذا المجال.فهذا التلاحم هو واقع يومي في المغرب. وهو ما يتجلى في المساجد والكنائس والبيع، التي ما فتئت تجاور بعضها البعض في مدن المملكة.وبصفتي ملك المغرب، وأمير المؤمنين، فإنني مؤتمن على ضمان حرية ممارسة الشعائر الدينية. وأنا بذلك أمير جميع المؤمنين، على اختلاف دياناتهم.»

30 من الكلمة الافتتاحية التي بعثها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، يوم الاثنين 10 شتنبر 2018، إلى المشاركين في الدورة الثانية للمؤتمر الدولي لحوار الثقافات والأديان، التي نظمتها وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي للمملكة المغربية والمنظمة الدولية للفرنكفونية، تحت الرعاية السامية لجلالة الملك، والذي نظم حول موضوع “سؤال الغيرية” وذلك من 10 إلى 12 شتنبر بفاس.

31 يقول أمير المؤمنين: «إننا في بحث متواصل عما يرضي الله، في ما وراء الصمت، أو الكلمات، أو المعتقدات وما توفره من سكينة، وذلك لتظل دياناتنا جسورا متميزة ونيرة، ولكي تظل تعاليم الإسلام ورسالته منارة خالدة. بيد أنه من الواضح أن الحوار بين الديانات السماوية، يبقى غير كاف في واقعنا اليوم. ففي الوقت الذي تشهد فيه أنماط العيش تحولات كبرى، في كل مكان، وبخصوص كل المجالات، فإنه ينبغي للحوار بين الأديان أن يتطور ويتجدد كذلك. لقد استغرق الحوار القائم على “التسامح” وقتا ليس بيسير، دون أن يحقق أهدافه. فالديانات السماوية الثلاث لم توجد للتسامح في ما بينها، لا إجباريا كقدر محتوم، ولا اختياريا من باب المجاملة؛ بل وجدت للانفتاح على بعضها البعض، وللتعارف في ما بينها، في سعي دائم للخير المتبادل؛ قال تعالى:))يا أيها الناس، إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم))”، صدق الله العظيم. فالتطرف، سواء كان دينيا أو غير ذلك، مصدره انعدام التعارف المتبادل، والجهل بالآخر، بل الجهل، وكفى.»

32 يوم الثلاثاء 27 ربيع الآخر 1444هـ الموافق لـ 22 نوفمبر 2022.

33 من نص الكلمة الموجه إلى المشاركين في الدورة الثانية للمؤتمر الدولي لحوار الثقافات والأديان بفاس، يوم الاثنين 10 شتنبر 2018.

34 أنظر، رقية طه العلواني، فقه الحوار مع المخالف في ضوء السنة النبوية، نشر مؤسسة نايف بن عبد العزيز آل سعود للسنة النبوية والدراسات الإسلامية المعاصرة، المدينة المنورة، ط1/ 2005: ص 36 – 37.

35 دور مسلمي فرنسا في تفعيل حوار الحضارات، مرجع سابق.

36 أنظر محمد الكتاني، صور من علاقة التفاعل بين الحضارة الإسلامية والحضارات الأخرى، الأكاديمية، عدد 22/ 2005، ص ـ ص 31 – 71

37 محمد الكتاني، صور من علاقة التفاعل بين الحضارات الإسلامية والحضارات الأخرى: ص33.

38 أنظر جميل مطر، حوار الحضارات .. السياسي أولا

39 نفسه

40 يحال في هذا الإطار على فوكوياما: نهاية التاريخ.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *